عمرو خالد
عمرو خالد

وسقط عمرو خالد أمام قناة العربية

تداول العديد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الماضية مقطع فيديو من مقابلة الداعية الإسلامي المصري عمرو خالد على قناة العربية، وانسحابه من البرنامج على الهواء مباشرة، الأمر الذي أثارا تفاعلا واسعا.

وقد قرر الداعية المصري عمرو خالد الانسحاب على الهواء من الحوار بسبب إصرار المذيع على سؤاله عن علاقته بجماعة الإخوان.

عَبّر الداعية عمرو خالد عن غضبه بسبب إصرار المذيع على جره إلى الحديث عن علاقته بتنظيم الإخوان، وقال ما نصه: “أنا بعتذر لك بشدة، أنا هتكلم عن الإحسان”.

وعندما سأله المذيع: مش هتتكلم عن علاقتك بالإخوان؟

أجابه قائلا: أنا مليش علاقة بالإخوان.

وتابع قائلا: عايز تسمعني عن الإحسان، أحكي لك عن الإحسان. لا تريد أن تسمعني عن الإحسان يبقى خلاص".

والطريف في الأمر أن عمرو خالد يتكلم وكأنه في محاضرة يتابعها مريدوه ويريد أن يقوم "بتسويق" نفسه كداعية وليس في حوار جاد من حق المذيع أو المحاور أن يسأل فيه عما يريد.

وبنظرة تحليلية لما حدث في هذا البرنامج، (برنامج سؤال مباشر)، نستطيع أن نرى عدة أمور هامة.

الأمر الأول هو قبول عمرو خالد لمبدأ "تجديد الخطاب الديني" وقد دعم هذا القبول بحديث منسوب إلى الرسول عليه السلام يقول "أن الله يأتي على رأس كل قرن بمن يجدد للأمة (الإسلامية) دينها".

 وهنا لنا سؤال لماذا لم يحاول عمرو خالد وأمثاله من الدعاة أن يجددوا للناس دينَهم من قبل.

فلقد صمت فم عمرو خالد عن نقض بشاعات التراث مثل قبول حد الردة والرجم وقتل المثليين وضرب المرأة واستخدام العنف لنشر الدين بالقوة وفرضه على الناس. فلم نسمع له – ولو مرة واحدة - اعتراضاً قوياً على مثل هذه الأشياء، حينما كان يتم تدريسها في كتب التراث، وحينما مارستها داعش وطالبان والسودان أيام سيطرة الإخوان على الحكم فيها.

فلو كان حقاً عمرو خالد مؤمناً بضرورة تجديد الخطاب الديني لكنا سمعنا عن رغبته في ذلك من سنين عدة وليس فقط الآن بعدما اكتشف الملايين خديعة ما يتم تسميتهم بالدعاة ورجال الدين لهم، وبعد أن أبدت القيادات السياسية في دول مثل مصر والسعودية رغبتها في "تجديد الخطاب الديني". فكيف نصدق أنه، أي "عمرو خالد"، صادق اليوم، ويتحرك تبعاً لميزان الحق والمبادئ، وليس تبعاً لموازين القوى.

حاول عمرو خالد المراوغة وبشدة في هذا اللقاء حتى وصل به الأمر أنه حينما اضطره المحاور أن يقبل القول إن لمؤسسة الأزهر أخطاء، رفض عمرو خالد أن يعطي أي أمثلة على هذه الأخطاء.

والشيء الجميل في المناقشة أن عمرو خالد اعترض على متاجرة بعض الدعاة بالدين، في حين أنه هو نفسه قام بإعلان عن نوع من "الدجاج" وحاول استخدام الدين ليقنع أتباعه أن أكل هذا النوع من الدواجن سوف يزيد من "روحانية" عبادتهم في رمضان!

وبأمانة فأنا أكاد أرى مسرحية هزلية فعمرو خالد الذي كان يتقاضى ملايين من الدولارات مقابل ما يقوله في الدين- يعترض اليوم على الدعاة الذين يتاجرون بالدين!

وليت شعري لماذا لم يقتد عمرو خالد وغيره من الدعاة بالرسول عليه السلام في دعوته ويرفضون تقاضى أي أموال مقابل الدعوة إلى الله. فلقد قال القرآن الكريم للرسول بوضوح "قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا" (سورة الفرقان)، وقال "اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ" (سورة ياسين)، وقال "وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ" (سورة يوسف).

فلماذا يا ترى لا يقتدي السيد عمرو خالد بهؤلاء ويرفض تقاضي أموال مقابل دعوته الدينية قبل أن يكلمنا في أمور الدين! ألم يقل له القرآن "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" (سورة الأحزاب)! أم أن الاقتداء بالرسول لا يكون إلا في السواك واستخدام اليد اليمني، وعمل "العقيقة" للمواليد الجدد!

ثم جاءت الطامة الكبرى بعد ذلك حينما حاول الداعية الشهير إنكار علاقته بالإخوان حين قال بالحرف الواحد: "أنا ليس لي أي علاقة بالإخوان"، وانسحب من اللقاء بسبب هذا السؤال.

فلو كان عمرو خالد صادقاً فيما قال فلماذا خاف من استكمال الحوار؟ فالصادق في قوله لا يهاب أي مواجهة، أما الكاذب فيخشى المواجهة دائماً كي لا يفتضح أمره.

وقد يكون عمرو خالد ليس عضواً في تنظيم الإخوان ولكن ليس هناك أدنى شك أنه لم يعترض على أفكارهم في خطابه الديني ولو لمرة واحدة ولقد كان عنده الفرصة كاملة ليفعل ذلك ليحمي الناس من شرورهم.. ولكنه لم يفعل!. ولسان الحال هنا يقول "الصامت عن الحق شيطان أخرس"، أو باللغة العامية المصرية "السكوت علامة الرضا".

وأخيراً شكراً لقناة العربية على عمل هذا اللقاء الهام، وشكرا للمحاور، ومقدم البرنامج الرائع خالد المدخلي، ولكل من ساهم في إخراج وإنتاج هذا اللقاء.

وللحديث بقية..

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.