أبرز مثال طازج يدرج في السياق، عن عودة نجم السينما العالمي نيكولاوس كيج  بعد غياب طويل ونجاح هذه العودة
يتبنى كيج فيلمه الأخير (PIG) بالمشاركة في إنتاجه لسبب يتضح في حكاية الفيلم ذاتها

تتعدد الأسباب التي تقود بعض الأسماء من أصحاب الخبرات أو المواهب في عالم الفن أو الفكر والإبداع أو السياسة أو غيرهم من المشاهير، إلى الابتعاد عن العمل والأنشطة الاجتماعية ومجاملات الشهرة والضجيج والأضواء لبعض الوقت، وأحياناً لسنوات.

أسباب تتراوح نوعيتها بين اللاإرادية وتتعلق بالحالة الصحية أو العائلية، أو قسرية إلزامية بسبب خلل في الأداء، أو لعدم الحاجة إلى خبرة أحدهم في مرحلة معينة. فيما يشكل الاكتئاب بأصنافه ودرجاته، أحد أكثر وأصعب المسبّبات التي تقود أحدهم إلى الرغبة بالابتعاد الطوعي، مع احتمال تناميه أحياناً كمسبب مباشر لقرار أو اعتزال نهائي أو انتحار. 

بطبيعة الحال، يصاب المبدعون من الفنانين والكتّاب بالشق الأخير المتعلق بالاكتئاب أكثر من سواهم بسبب الحساسية العالية التي يتميزون بها. كما قد يشكل التوقف المؤقت لنشاطاتهم مايشبه استراحة المحارب، وفرصة لإعادة التقييم وجردة حساب حول جدوى مايقدمون دون ضغوط. ورغم أن هذه المكاشفة الروحية مع الذات حيوية ومطلوبة من حين إلى آخر، إلا أن العودة بعد غياب، مجازفة ذات حدّين. 

فإما أن يعود واحدهم بعد طول انقطاع بمنجز فاشل أو غير ذي أهمية يزعزع رصيده السابق  وينسفه أحياناً. أو يفاجىء العالم بعودة مظفرة كالأبطال، يثبت فيها عبر منجزه الجديد أنه استفاد من درس سكونه، الذي أعاد تمكين أدواته وصقل موهبته وأكسبها نضجاً ملفتاً، مبشراً بمرحلة جديدة تعزز رصيده السابق وتضيف إليه.

كثرً من الشعراء والنجوم والروائيين والمشاهير عاشوا مثل هذه التجربة المفصلية مرة على الأقل. وفي حين أخفق البعض منهم إخفاقاً مؤسفاً، تفوق البعض وبامتياز. وفي كلتا الحالتين، لايمكن أن يعزى سبب الفشل أو النجاح إلى الحظ، بل إلى المثابرة والوعي والتنبه اليقظ للمخاطر التي تحيط بطريق العودة. 

أبرز مثال طازج يدرج في السياق، عن عودة نجم السينما العالمي نيكولاوس كيج  بعد غياب طويل ونجاح هذه العودة. لا بل إبهار معجبيه بموهبته الأصيلة التي أكد عليها في الدور الذي لعبه مؤخراً، إلى حدٍ ابتدأت فيه التوقعات الشعبية منذ الآن ترشحه للمنافسة مرة ثانية لجائزة أفضل ممثل في الأوسكار القادم، أضف إلى التقييمات النقدية العالية التي حصدها الفيلم المشارك به حتى الآن.

يتبنى كيج فيلمه الأخير (PIG) بالمشاركة في إنتاجه لسبب يتضح في حكاية الفيلم ذاتها. وهو فيلم من إنتاج 2021 بدء عرضه مؤخراً، لمؤلفه ومخرجه مايكل ساموسكي، الذي يقدم للمشاهد شخصية غرائبية المظهر والسلوك يلعبها النجم كيج بدور روب فيلد، بصفته أحد أهم وأشهر طهاة المدينة، المعتزل في برية أوريغون والغارق في كآبته، يجمع الكمأة بمساعدة خنزيرته التي تنتمي إلى فصيلة نادرة من الخنازير القادرة على التقاط  الكمأة ( نوع من الفطور البرية باهظة الثمن).

فيلم صيغ بشاعرية في نصه وصورته وموسيقاه وأداء ممثليه، بمثابة رحلة داخلية داخل ذات مقهورة اختارت الابتعاد للبحث عن الاطمئنان وحرمت منه. مثيراً في ذات المتلقي مشاعر مريرة حول معاني الفقد الذي يولد الاكتئاب ويقود شخصية مشهورة للغاية إلى العزلة، واختيارها الطوعي لحياة بسيطة خالية من  التكلف، كاشفاً في السياق عن تلك العوالم المؤذية التي اختبرت سابقاً، وتركت في الروح ندبات كثيرة.

بحيث يشعر المتلقي وكأن هذا الفيلم يتماهى بشكل مباشر مع حكاية نيكولاوس كيج الحقيقية في رحلة انقطاعه لسنوات وتشظياته النفسية، وهو مايفسر أسباب تبنيه للفيلم والمشاركة في إنتاجه. مشيراً بشكل رمزي عبر قتل الحيوان الأنيس المختطف (الخنزير في الأساس رمز للمال في بعض الثقافات)، إلى عالمنا المادي وشروره اللامتناهية، والذي بإمكانه، ودون أي رادع، قتل أي موهبة في الحياة لم تعد مثمرة، أو قابلة للاستغلال، حال توقفها عن جني المال للآخرين.

ذلك كان أنموذجاً طيباً لعودة موفقة لموهبة اتضح أن صاحبها تأنى في رعايتها في الظل، وأعادها بحرص مثبّتاً أصالتها وقابليتها للاستمرار والعطاء وإعادة تموضعها في موقعها النجومي.

وإن كان من الأهمية استحضار مثال آخر من عالم السياسة، فلا بديل عن ذكر العودة الإنقاذية الموفقة لرئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد قبل ثلاثة أعوام، متسلحاً بخبراته الفكرية والسياسية التي يطورها للأفضل كلما ابتعد، مؤكداً أحقيته بلقب رجل دولة عظيم الموهبة في إدارة البلاد والعباد.

فهل يتعظ بعض المشاهير والسياسيين في بلادنا الذين يغيبون ويعودون إلى واجهة الحدث كل حين ولا يحملون في جعبتهم حتى خفّي حنين، والأفضل لو أنهم لم يعودوا؟..

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.