تتعدد الأسباب التي تقود بعض الأسماء من أصحاب الخبرات أو المواهب في عالم الفن أو الفكر والإبداع أو السياسة أو غيرهم من المشاهير، إلى الابتعاد عن العمل والأنشطة الاجتماعية ومجاملات الشهرة والضجيج والأضواء لبعض الوقت، وأحياناً لسنوات.
أسباب تتراوح نوعيتها بين اللاإرادية وتتعلق بالحالة الصحية أو العائلية، أو قسرية إلزامية بسبب خلل في الأداء، أو لعدم الحاجة إلى خبرة أحدهم في مرحلة معينة. فيما يشكل الاكتئاب بأصنافه ودرجاته، أحد أكثر وأصعب المسبّبات التي تقود أحدهم إلى الرغبة بالابتعاد الطوعي، مع احتمال تناميه أحياناً كمسبب مباشر لقرار أو اعتزال نهائي أو انتحار.
بطبيعة الحال، يصاب المبدعون من الفنانين والكتّاب بالشق الأخير المتعلق بالاكتئاب أكثر من سواهم بسبب الحساسية العالية التي يتميزون بها. كما قد يشكل التوقف المؤقت لنشاطاتهم مايشبه استراحة المحارب، وفرصة لإعادة التقييم وجردة حساب حول جدوى مايقدمون دون ضغوط. ورغم أن هذه المكاشفة الروحية مع الذات حيوية ومطلوبة من حين إلى آخر، إلا أن العودة بعد غياب، مجازفة ذات حدّين.
فإما أن يعود واحدهم بعد طول انقطاع بمنجز فاشل أو غير ذي أهمية يزعزع رصيده السابق وينسفه أحياناً. أو يفاجىء العالم بعودة مظفرة كالأبطال، يثبت فيها عبر منجزه الجديد أنه استفاد من درس سكونه، الذي أعاد تمكين أدواته وصقل موهبته وأكسبها نضجاً ملفتاً، مبشراً بمرحلة جديدة تعزز رصيده السابق وتضيف إليه.
كثرً من الشعراء والنجوم والروائيين والمشاهير عاشوا مثل هذه التجربة المفصلية مرة على الأقل. وفي حين أخفق البعض منهم إخفاقاً مؤسفاً، تفوق البعض وبامتياز. وفي كلتا الحالتين، لايمكن أن يعزى سبب الفشل أو النجاح إلى الحظ، بل إلى المثابرة والوعي والتنبه اليقظ للمخاطر التي تحيط بطريق العودة.
أبرز مثال طازج يدرج في السياق، عن عودة نجم السينما العالمي نيكولاوس كيج بعد غياب طويل ونجاح هذه العودة. لا بل إبهار معجبيه بموهبته الأصيلة التي أكد عليها في الدور الذي لعبه مؤخراً، إلى حدٍ ابتدأت فيه التوقعات الشعبية منذ الآن ترشحه للمنافسة مرة ثانية لجائزة أفضل ممثل في الأوسكار القادم، أضف إلى التقييمات النقدية العالية التي حصدها الفيلم المشارك به حتى الآن.
يتبنى كيج فيلمه الأخير (PIG) بالمشاركة في إنتاجه لسبب يتضح في حكاية الفيلم ذاتها. وهو فيلم من إنتاج 2021 بدء عرضه مؤخراً، لمؤلفه ومخرجه مايكل ساموسكي، الذي يقدم للمشاهد شخصية غرائبية المظهر والسلوك يلعبها النجم كيج بدور روب فيلد، بصفته أحد أهم وأشهر طهاة المدينة، المعتزل في برية أوريغون والغارق في كآبته، يجمع الكمأة بمساعدة خنزيرته التي تنتمي إلى فصيلة نادرة من الخنازير القادرة على التقاط الكمأة ( نوع من الفطور البرية باهظة الثمن).
فيلم صيغ بشاعرية في نصه وصورته وموسيقاه وأداء ممثليه، بمثابة رحلة داخلية داخل ذات مقهورة اختارت الابتعاد للبحث عن الاطمئنان وحرمت منه. مثيراً في ذات المتلقي مشاعر مريرة حول معاني الفقد الذي يولد الاكتئاب ويقود شخصية مشهورة للغاية إلى العزلة، واختيارها الطوعي لحياة بسيطة خالية من التكلف، كاشفاً في السياق عن تلك العوالم المؤذية التي اختبرت سابقاً، وتركت في الروح ندبات كثيرة.
بحيث يشعر المتلقي وكأن هذا الفيلم يتماهى بشكل مباشر مع حكاية نيكولاوس كيج الحقيقية في رحلة انقطاعه لسنوات وتشظياته النفسية، وهو مايفسر أسباب تبنيه للفيلم والمشاركة في إنتاجه. مشيراً بشكل رمزي عبر قتل الحيوان الأنيس المختطف (الخنزير في الأساس رمز للمال في بعض الثقافات)، إلى عالمنا المادي وشروره اللامتناهية، والذي بإمكانه، ودون أي رادع، قتل أي موهبة في الحياة لم تعد مثمرة، أو قابلة للاستغلال، حال توقفها عن جني المال للآخرين.
ذلك كان أنموذجاً طيباً لعودة موفقة لموهبة اتضح أن صاحبها تأنى في رعايتها في الظل، وأعادها بحرص مثبّتاً أصالتها وقابليتها للاستمرار والعطاء وإعادة تموضعها في موقعها النجومي.
وإن كان من الأهمية استحضار مثال آخر من عالم السياسة، فلا بديل عن ذكر العودة الإنقاذية الموفقة لرئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد قبل ثلاثة أعوام، متسلحاً بخبراته الفكرية والسياسية التي يطورها للأفضل كلما ابتعد، مؤكداً أحقيته بلقب رجل دولة عظيم الموهبة في إدارة البلاد والعباد.
فهل يتعظ بعض المشاهير والسياسيين في بلادنا الذين يغيبون ويعودون إلى واجهة الحدث كل حين ولا يحملون في جعبتهم حتى خفّي حنين، والأفضل لو أنهم لم يعودوا؟..

