A child rides a swing as the Israeli-linked Japanese-owned tanker MT Mercer Street is seen off the port of the Gulf Emirate of…
الهجمات على ناقلات النفط في مياه الخليج تصاعد في الفترة الأيام الماضية

ليس من الضروري أن يؤدي التوتر المتصاعد في منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي إلى صدام حتمي بين الأطراف الإقليمية الفاعلة والقوى الدولية الموجودة في هاتين المنطقتين، إلا أن مستوى التهديدات والاتهامات المتبادلة وصل إلى مرحلة تنذر بحدوث تغير في قواعد الاشتباك، إذا أخطأ أحد الأطراف في حساباته التكتيكية ودفع المواجهة إلى خيارات إستراتيجية.

الحديث عن احتمالية تغير في قواعد الاشتباك في هذه المرحلة، وعدم ربطها بجولات سابقة من التصعيد والاحتكاكات الخشنة التي جرت بين القوى المتصارعة، وجرى تسويتها بالأطر الدبلوماسية والتفاوضية، يرتبط بتغير طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الأطراف في حل نزاعاتها أو حتى في مواجهاتها.

فما بين مقاربة سابقة التزمت بالخيارات التفاوضية والعقوبات الاقتصادية واستخدمت الحروب الإلكترونية ولجأت إلى ضربات بالوكالة من دون تبنيها رسميا، ومقاربة جديدة تطالب بإجراءات عقابية واضحة وصريحة، تقترب المنطقتان من مواجهة ما، وذلك نتيجة مقاربة سابقة سلمت بثوابت لم تعد مقنعة، وفضلت أن تلتزم بقواعد جيوسياسية وجيوستراتيجية تجاوزت مصالح بعض الأطراف الوازنة في المنطقة، ومن الممكن القول إن ما يمكن وصفه بميوعة المعالجات السابقة، قد أدى إلى الحديث عن ضرورة وضع مقاربة أخرى حتى لو كانت مكلفة.

في المقاربة السابقة دفعت شعوب ودول المنطقة الثمن، نتيجة سياسات دولية وإقليمية لم تراع أدنى حسابات المصالح الوطنية، واختارت التواطؤ مع أصحاب المشاريع الخارجية تحت ذريعة مواجهة نفوذها من دون الأخذ بعين الاعتبار أن مراعاة هذا النفوذ والتعامل مع منطقه الجيو عقائدي أدى إلى صراعات طائفية وحروب أهلية هددت الاستقرار العالمي، وبأن وضع حد له بات يحتاج إلى مخارج غير دبلوماسية.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل انتهت الدبلوماسية ما بين طهران وواشنطن؟ هل عادت مفاوضات فيينا النووية إلى نقطة الصفر؟ وهل باتت الحالة الإيرانية العقائدية تشكل فعليا خطرا على المصالح الأميركية في هاتين المنطقتين الأمر الذي قد يستدعي الذهاب إلى خيار التفاوض بالنار؟

عمليا الثوابت الجيوسياسية التي فرضها التخادم (الأميركي الإيراني الإسرائيلي) في المنطقة بداية من سقوط صدام حسين حتى الثورة السورية، تمكن من فرض أمر واقع إستراتيجي لا يمكن التنصل منه بسهولة، فواشنطن التي سهلت الهيمنة الإيرانية على العراق، وإسرائيل التي غضت الطرف عن الوجود الإيراني في سوريا تحت مصلحة الحفاظ على النظام الذي نعرفه، يضاف إليهما الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما الذي أضفى شرعية على النفوذ الإيراني في اليمن ولبنان، أصعب من أن تتم معالجته من خلال عملية تأديبية أو خيار الاحتكاك الخشن.

إنسداد الأفق التفاوضي النووي، وخطر إبقاء الوضع العراقي على ما هو عليه، صعوبة إيجاد مخرج لأزمة النظام السوري، واقتراب لبنان من لحظة الارتطام الكبير، يدفع إلى الاعتقاد أن هناك ما هو أكبر من احتكاك أو عقوبات أو ضربات تأديبية، فحتى طهران التي تستعد لمواجهة قد تقدم عليها واشنطن ولندن، هناك من في داخلها يرى بأن التصادم سيجبر الجميع على العودة إلى طاولة المفاوضات، وحتى حزب الله الذي يتقن المواجهات التكتيكية يستغل المساحات الممكنة ضمن قواعد الاشتباك من أجل إعادة تحصين الوضع الداخلي بعد تداعيات انتفاضة تشرين وجريمة 4 آب.

الملفت في أزمة الناقلة "ميرسر ستريت " أن طهران تحولت من مشتبه به إلى متهم مباشر بالحادثة، وبعد عدة أشهر على حرب الناقلات في مياه الخليج وبحر العرب، وجهت قوى غربية الاتهام إلى إيران بأن أفعالها باتت تهدد سلامة الملاحة الدولية، وسبق هذا الاتهام تصريحات صدرت عن وزارتي خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا تتوعد طهران برد عقابي على هجومها، لكن الأخطر في المتغيرات أن الولايات المتحدة التي ضبطت إيقاع الاشتباك الإيراني الإسرائيلي في المنطقة الذي لم يؤثر سابقا على مفاوضات فيينا، لأول مرة تعطي ضوءا أخضر علنيا لإسرائيل في التحرك ضد إيران، وهذا ما جاء واضحا على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض "أن لإسرائيل حرية اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة بشأن إيران".

وعليه لا يبدو أن طهران ستتراجع أمام هول التهديدات، وهي قد لوحت بورقة الحدود اللبنانية، وبما تبقى من استقرار في العراق،، في المقابل يبدو أن الإدراة الأميركية الجديدة التي أعطت طابعا بأنها جاءت لتحافظ على مقاربتها السابقة التي أصبحت بحاجة إلى مقاربة جديدة حتى لو كانت مكلفة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.