Supporters of Tunisian President Kais Saied chant slogans denouncing Assembly (parliament) speaker and Islamist Ennahda …
تجربة الإسلام السياسي في الحكم كانت كاشفة لمنهج الحركات الإسلامية المعاصرة

انشغلت دراسات العلوم الاجتماعية في نهايات القرن الماضي بظاهرة صعود حركات الإسلام السياسي، واتفق أغلب الباحثين على تفسير ذلك الصعود كنتيجة لعوامل عدّة، أهمها: أزمة الهوية والشعارات التي رفعها الإسلاميون بإحياء الهوية الإسلامية في مواجهة مشاريع التحديث والتغريب، ومن بينها هوية الدولة ونمط إدارتها، وإخفاقات سياسات ومشاريع التنمية التي وعدت بها أنظمة الحكم والتي لم تنتج إلا زيادة الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وساهمت بترسيخ الانقسام الاجتماعي. وأيضاً اعتماد الدكتاتورية كنمط للحكم في المجتمعات الإسلامية.

لذلك كان ظهور الاتجاهات السياسية الإسلاموية هو تعبير لردّ فعل سياسي واجتماعي وثقافي يبحث عن شكل سياسي-اجتماعي جديد وفعّال يريد إحياء الهوية الدينية باعتبارها أصيلة وغير مستورَدة وترفع شعارات إسلاميّة ذات بريق وجاذبية، وتعتبرها حلولاً لم تُطبَّق في الأزمة الحاضرة. ومن هنا حاول الإسلام السياسي تقديم نفسه كبديل للأيدولوجيات العلمانية التي تبنتها الأحزاب والأنظمة الحاكمة.

يفسّر "جيل كيبيل" الباحث الفرنسي المتخصص بالحركات الإسلامية السياسية، قدرةَ هذه الحركات على التحشيد الجماهيري، إذ يرى أنّها تعتمد إمكانيتها في التغلغل الاجتماعي داخل طبقات محددة وبشعارات لها القدرة على الاستقطاب، معتقداً بأن النجاح السياسي لحركة إسلاميةٍ أو إخفاقها في بلد ما، رهين بمدى قدرة هذا التنظيم على التعبئة الاجتماعية؛ ويرى أن هذه التعبئة تكون ناجحة إذا ما استطاعت أن تضم ثلاث فئات مختلفة هي: الشباب الحضري الفقير، والنخب المثقفة المعارضة للأنظمة، وأخيراً البرجوازية الورعة. وكلّ فئة تتداخل مع الأخرتَين وتتفاعل. ولكلّ وحدة منها مرجعيتها الاجتماعية، وبرنامجها السياسي، ومواردها السياسية الخاصة بها، وهي لا تستطيع أن تكون فاعلة إلا إذا تظافرت مع الأخرتَين. 

لذلك لم يكن مستغرباً مِن هيمنة قوى الإسلام السياسي على المجال العام في الدول التي شهدت سقوط الدكتاتورية والتحول نحو تبني الديمقراطية، ففي العراق وفي بلدان الربيع العربي كان وصول حركات الإسلام السياسي إلى سدّة الحكم هو أسهل الطرق في ظلّ التحوّل الديمقراطي، لأنَّهم الأكثر فاعلية وتنظيماً في تحشيد الأتباع في مواسم الانتخابات، لكنّهم عجزوا عن تحقيق تغيير على المستوى السياسي والاقتصادي الذي يمنحهم شرعية المنجَز، والتي توثق علاقتهم بالجمهور.

قوى الإسلام السياسي لا تتحمل خطيئة الفشل لوحدها، وإنما البيئة السياسية التي نشأت وعملت فيها في أيام المعارضة لم تساهم في إنضاج تجربتها السياسية، إذ أن هناك علاقة سببية وثيقة ما بين طبيعة وبنية النظام السياسي القائم ودور قوى المعارضة السياسية وسلوكها، ومن ثمَّ تكون المعارضة امتداداً طبيعياً للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين.

ولذلك فالمعارضة هي الوجه الآخر للنظم السياسية القائمة، حيث تتعلّم أساليبها وتتبنى أطرها وآلياتها وسلوكها العام إذا وصلت للحكم! 
والمأزق الذي وقعت فيه حركات المعارضة الإسلامية يكمن في أنها بدأت تخسر مشروعَها السياسي الذي تسعى فيه إلى أسلمة الدولة والحكم، وبدأت تدخل في مساومات وتنازلات من أجل البقاء في السلطة. وخسرت فاعليتها الاجتماعية القائمة على أساس معارضتها للدكتاتورية ومطالبتها بحقوق الطبقات المسحوقة، بعد أن أمست ممارساتها في إدارة الدولة تتجه نحو الاستئثار بالسلطة والهيمنة عليها. وكما يقول كنعان مكيّة في كتابه جمهورية الخوف: (إن ضحايا القسوة والظلم ليسوا أفضل من معذبيهم، بل أن وضعهم في العادة ليس أكثر من مجرد انتظار لتبادل الأدوار معهم.)

حتّى عنوان ورمزية المقاومة التي كانت ترفعها الحركات الإسلامية، باتت تواجه سؤالاً إشكالياً، بأنها مشروع تحرير الأرض؟ أم مشروع للوصول إلى السلطة، والمشاركة في مغانمها؟ ناهيك عن تخلّيها عن شعارها الوطني في تحرير البلاد والعباد من هيمنة دول الاستكبار، إذ باتت رهينة لإرادات إقليمية تعتقد بأن أمنها القومي يرتبط بالنفوذ السياسي والعسكري في الدولة الهشّة. 

تجربة الإسلام السياسي في الحكم كانت كاشفة لمنهج الحركات الإسلامية المعاصرة في سعيها للحكم ونزعتها للتفرد به من دون مشروع سياسي قادر على تقديم أنموذج يختلف عن حكم الأنظمة التي كانت تعارضها. كما أثبتت بأن توظيف الإسلام السياسي للدين يتجه للجماهير لتعبئتها وحصد ثمار أصواتها، لا لملاقاة حاجاتها المجتمعية، ويغفل حلمها بالعدل ويمنحها ويغرقها بدلاً من ذلك بإسلام طقوسي، وبشعارات لا يوجَد لها مصداق على أرض الواقع. 

نجاحات الإسلام السياسي في استقطاب الجمهور ومن انتماءات طبقية متنوعة، لم تستمر في ممارسة الحكم! لأنَّ الايدولوجيات التي ترفعها الحركات السياسية هي معيار للحكم على مصداقيتها في قدرتها على أن تكون واقعاً وليس شعارات. وإدارة وحكم المجتمع السياسي محكومة بتوازنات سياسية على أرض الواقع، إذ أثبتت التجربة بأنَّ الإسلاميين غير قادرين على إدارتها لأنَّهم يؤمنون بأنهم يملكون تفويضاً نضالياً ومهمة رسالية تتعالى على مصدر الشرعية التي يمحنها المجتمع. لذلك حين تخسر قوى الإسلام السياسي المبادرة والقدرة على فرض الواقع الذي تريده، فإنّها تخسر أيضاً مبررات وجودها ومشروعيتها.

كلّ الأدبيات التي منحت الحركات السياسية الإسلامية قوّةً استثنائية في تحشيد الجماهير في معارضة الأنظمة الدكتاتورية، والتي تحوَّلت إلى شعارات وخطابات سياسية تسعى لتعبئة الأتباع نحو المشاركة السياسية للوصول إلى الحكم، هي ذاتها نقطة ضعفها الكبرى. فمثل هذا الشعارات قادرة على أن توعد الجماهير بالفردوس وتحقيق العدالة التي يحلم بها المهمَّشون والطبقات المسحوقة، لكن التجربة أثبتت عجز الإسلامويين عن تحويلها إلى واقع قائم ومستمر على الأرض.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.