الصدفة وحدها شاءت أن يتحقق سيناريو نصرالله لحيفا في بيروت""
الصدفة وحدها شاءت أن يتحقق سيناريو نصرالله لحيفا في بيروت""

رئيس الجمهورية الذي رفض مقابلة أهالي الضحايا، لعدم ملاءمة أسئلتهم لفخامته، هو الذي وعد بأن التحقيق بجريمة المرفأ سينتهي بخمسة أيام، قدّم، بعد مرور عام كامل على الجريمة التي لا نزال نجهل حيثياتها، تعازيه ومحبته للبنانيين. هم الذين يكتفون بحكومة بدل الحب.  

أيضا حزب الله، تطلب منه الأمر عاما كي يتذكر تقديم تعازيه للشعب اللبناني ولضحايا الانفجار، لأنه انشغل حينها بتنظيف المكان على ما يتداول. وكان يكفي أمينه العام أن يُظهر للضحايا ذرة من حزنه على قاسم سليماني، وأن لا يرفض التحقيق الدولي ولا يتدخل في كل مرة يتقدم فيها التحقيق القضائي فيتهم القاضي بالانحياز والتسييس، ولا أن يعلن انتهاء التحقيق بذريعة تعويض المتضررين؛ بل أن يطالب لهم بالطبابة المجانية وبتعويضات مالية لهم ولأيتامهم وللجرحى الذين لا يزالون يتداوون في المستشفيات على حسابهم الخاص. 

يتداول الناشطون بهذه المناسبة، فيديو ممنتج يستعيد كلمات السيد نصرالله في إحدى خطبه عالية النبرة التي هدّد فيها إسرائيل قبيل جريمة العصر التي دمرت أحياء بيروت وبشرها.  في خطابه ذاك انبرى السيد نصرالله ليفصل لنا معنى وجود "أمونيا" في حيفا. 

وشد مراجله على إسرائيل بلهجة انتصارية حماسية، منذراً بخطر وجود هذه المادة في حاويات، بحيث يخشى سكان حيفا من هجوم قاتل عليها، معلناً أن الشعور هناك صعب جدا. 

انتقد الحكومة الإسرائيلية لأنها تهمل 800 ألف شخص يعيشون ضمن مجال التعرض للإصابة، مع أنها لا شك مخزنة كما يجب؛ واستنتج أن هذا يشبه القنبلة النووية تماما!! متفاخراً بجبورت أن لبنان  يمتلك قنبلة نووية!! وأضاف فاركا يديه بسعادة غامرة ورضى عن الذات: "أقول لك بيجي كم صاروخ بينزلوا بهذه الحاويات بمنطقة يسكنها 800 ألف نسمة، يقتل منهم عشرات الآلاف. كل المسؤولين الإسرائيليين يسلمون بأن لدى المقاومة صواريخ تطال أي مكان في فلسطين المحتلة".  

الصدفة وحدها شاءت أن يتحقق سيناريو نصرالله لحيفا في بيروت، وتبين أن القنبلة النووية كانت معدّة لبيروت أنها ترقد في العنبر الشهير رقم 12. 

مع هذا كان علينا أن نصدّق أن من يعرف دقائق الأمور في مرفأ حيفا، يجهل تماماً محتويات مرفأ بيروت!! وكأن غزوة بيروت الشهيرة، التي ما زال جمهوره ومحازبيه يهددوننا بها، لم تحصل لأن الحكومة أرادت معرفة ما يجري في مطار بيروت!! هذا اختصاص الحزب حصريا. 

أما المرفأ، فلقد فُتح على مصراعيه، بعد حرب 2006، لاستيراد كافة المواد والبضائع التي تحتاجها "المقاومة"، دون رقابة أو رسوم جمارك. فتوسعت احتياجات "المقاومة" لتشمل، عدا كافة أنواع البضائع والكهربائيات والسلاح، ملابس النساء الداخلية على ما قيل. فنشأ اقتصاد موازي ساهم بانهيار الاقتصاد. 

فهل قصد السيد نصرالله أن مسؤوليته مرفأ حيفا، ومسؤولية إسرائيل مرفأ بيروت؟ بحسب قواعد الاشتباك؟ إسرائيل غير المتهمة هذه المرة. 

طبعا مع كل يوم يمر، منذ ثورة 17 تشرين الأول وبعد 4 آب، يزداد توجيه أصابع الاتهام نحو حزب الله. وليست مصادفة أن تعليق المشانق شمل لأول مرة رئيس الجمهورية والسيد نصرالله، في 8 آب.  

لن أستعيد هنا إنجازات الحزب التي أوصلتنا إلى هنا. لكن ما يثير التساؤل والدهشة كيف يمكن أن تظل فئة وازنة من الشيعة، غطاءه الذهبي، ملتصقة بالحزب؟ فتدافع عنه وعن سياساته وخياراته وحروبه في طول المنطقة وعرضها، وحمايته لطاغية دمشق وللطبقة السياسية الفاسدة في لبنان؟ رافعين، بالرغم من جوعهم وذلهم في جهنمهم، شعارات العزة والكرامة! حقاً جاعوا إلا أن "كرامتهم" محفوظة!!  

لكن يبدو أن الكرامة الوحيدة المتوفرة لهم هي كرامة الاستقواء والتشبيح والهرب من العدالة والاعتداء على اللبنانيين وقمع ثوار 17 تشرين أول ومنع اليونيفيل من القيام بمهامها إلخ... 

يرى البعض أن السبب الكامن خلف الاستمرار في الالتفاف حول الحزب، رغم مظاهر التململ والاعتراض شبه المكبوتَيْن، هو إحساسهم الضمني بفداحة الارتكابات التي مارسوها أو مورست باسمهم وباسم أئمّتهم ومذهبهم. ممارسات الحزب التي وضعت لبنان في قلب صراعات المنطقة وجعلته خط الدفاع الأول عن إيران في تنافسها على النفوذ مع إسرائيل. 

ولأنهم يعرفون فداحة ما قام به الحزب، ويعون أنهم يتقاسمون معه مسؤولية الدم العربي المُراق دفاعاً عن إيران. ويعرفون أن أبناءهم الذين قاتلوا وقُتلوا "فدا صرماية السيد"، لم يقتلوا إرهابيين وكفرة بل ثوارا أحرارا طالبوا بالحرية ودافعوا عن الحق الذي لم يدافع عنه أحد أكثر من الإمام علي، البريء منهم. وأن نتيجة  قتل النساء والأطفال وتدمير القرى على رؤوس قاطنيها، يثير الضغائن والأحقاد المذهبية والثارات الفادحة لسنين قادمة. ويمتعضون ضمنا ممن قتل لقمان سليم في جنوبهم.  

يعرف هؤلاء أنهم في مأزق، وهذا ما يلزمهم بالاحتماء بالسلاح نفسه الذي أحال حياتهم إلى جحيم. 

فكما يفرض المستبد على الجلادين تعذيب السجناء المتوفون-الأحياء، بهدف فصلهم التام عن فئة الضحايا كي يتماهوا مع القاتل، بعملية "تشريط" تورطهم ليصبحوا شركاء في الجرم. هكذا تورّط الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من شيعة إيران ليصبحوا حشوداً تستميت في الدفاع عن الحزب، تحت شعارات تتناقض تماما مع ما يقومون به من تنكيل بأبرياء. تحت شعار تحرير القدس.  

أما من لم ينخرط في القتال في سوريا وسائر الساحات العربية، أقنعهم الحزب أنهم أشرف الناس وأفضلهم، وبزعم أنهم وحدهم "حرّروا الجنوب" صار يحق لهم الاستقواء والتنكيل بالآخرين ومخالفة القوانين والاعتداء عليها. 

ورّطهم معه بعد أن قام بتأطيرهم كشيعة، فبنى لهم شبكات اجتماعية ودينية وتربوية وصحية واقتصادية وترفيهية وسياسية، شكّلت على مرّ السنين إطاراً حامياً وسياجاً كان يزداد تشابكاً وتجذراً مع الوقت؛ فأحدث تغييراً في سيكولوجيا وسوسيولوجيا الجماهير وفي نوعية وطرق ممارسات طقوسها الدينية والاجتماعية ودرجت "موضات" مستجدة في حياة الشيعة واجتماعهم، عبر استيراد ممارسات وطقوس التشيع الإيراني بحذافيرها، بحيث تحول تشيعهم النجفي العربي إلى "ثقافة شيعية- فارسية" مستوردة من قم.  

الخطوة الثانية كانت عسكرة المجتمع وتسليح العقول. فجميع مؤسساته تحمل لازمة التعبير العسكري "تعبئة". وأصبح إطلاق النار من الأسلحة والعيارات الثقيلة من طقوس بيئة الحزب؛ كما تهديد قوى الأمن والجيش وجميع مؤسسات الدولة والسرايا الحكومية إلى سهولة تقطيع الطرقات (من هنا حساسيتهم المفرطة من استخدام الثوار لقطع الطرق).  

احتمى الشيعة واستقووا بحزب الله لأسباب متعددة، كشعورهم التاريخي بالحرمان (العثماني) إلى الاعتداءات الإسرائيلية وإهمال الدولة إلى ممارسات منظمة التحرير، فشكلت جماعة الطائفة-الحزب ملاذا مطمئنا مع وظيفة دفاعية في معرض بحثهم عن القوة. وكان السيد نصر الله القائد البطل ممثّل هذه الجماعة ومجسد قوتها. فأوكلوا إليه مصيرهم كقائد جسّد "القدرة الكلية" القادرة على حل مشاكلهم.  

انتماؤهم العضواني وتماهيهم بجماعة إيران جذّر تعصبهم لها حتى ولو أدّى الأمر إلى الدمار. إنهم مثال التعصب الكامل لمن حرّرهم من ضعفهم ودونيتهم وعجزهم وانعدام كفاءتهم. فتصرفوا على أساس أنهم الأقوى وأصحاب الغلبة. 

وهم يعلمون الآن أنه لو استعيدت الحرب فلن يجدوا حضناً يؤويهم كما كان يحصل. إنه مأزق الشيعة اللبنانيين ولبنان معهم، ولا ندري إلامَ سيؤول ذلك!! فهل سيستفيقون؟ 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.