لقطة جوية - عربة في روسيا
"على أحدهم أن يعيد الحصان ثم نتحدث عن مكان العربة السليم خلف الحصان الغائب"

بعد سقوط المنظومة السوفييتية بداية تسعينيات القرن الماضي، انتشرت "موضة" نشر الديمقراطيات في العالم، ومن ضمنه عالمنا العربي. 

تلك الظاهرة خلقت سوقا كاملا في عوالم السياسة والاقتصاد كما وخلقت مصطلحات ومهناً جديدة بأسماء مختلفة مثل منظمات مجتمع مدني وخبراء تنمية وناشطين حقوقيين وسياسيين (ليس بالضرورة أن يكون الناشط الحقوقي دارسا للحقوق ولا الناشط السياسي أن يكون ممتهنا للسياسة وهكذا..)! 

في عالمنا العربي بمشرقه ومغربه، كانت الأنظمة الحاكمة على اختلاف مستوياتها وصيغتها الشكلية مربوطة بالحاكم الذي على رأس السلطة نفسه. 

في تلك التسعينيات من القرن الماضي، بدأت تلك البلدان العربية تتأثر برياح التغيير العالمي التي عصفت بمنظومة الاشتراكيين وانتصر فيها النموذج الرأسمالي الديمقراطي، وكان التأثير قد تجلى ببدايات الحديث عن ضرورة وجود "الديمقراطية" وتفاعلت البلدان العربية بنسب متفاوتة وحسب كل بلد وظروفه وأنظمته الحاكمة، فكان هناك تجارب للممارسة الديمقراطية عبر برلمانات منتخبة، أو أحيانا عبر مجالس معينة أو نصفها منتخبة أو انتخابات بلدية، أو كما في بعض البلدان التي اختارت التدرج البطيء فطبقت انتخابات مجالس الصفوف في المدارس الابتدائية والاعدادية!! 

حين دخلنا الألفية، كان انتشار المنظمات الحقوقية ونخب الناشطين السياسيين وخبراء التنمية بما يترافق مع كل ذلك من مشاريع لها تمويلها انتشارا خرافيا بل وشكل سوقا موازية من ناحية اقتصادية ومن ناحية أخرى كان لوجود تلك المنظمات والناشطين والمشاريع أثر كجماعات ضغط سياسي تراقب وتؤثر ولها قدرة على إحداث التغيير في كثير من الحالات. 

حين انتهينا إلى الربيع العربي بكل ما فيه وله وعليه، اصطدم عالمنا العربي الممسوخ بتقاليده وعاداته ومجتمعاته وتراثه الثقيل والمشوه بأنظمته المستبدة والمثقل ببرامج التنمية ومشاريع التمكين الديمقراطي بحائط الخيبة والفشل. 

كان الجواب بسيطا في تفسير كل تلك الخيبة التي نعيشها اليوم: لقد وضعنا العربة أمام الحصان. 

العالم العربي كله يريد الديمقراطية في الدولة بما فيها أنظمته غير الديمقراطية)، لكن العالم العربي بغالبية كياناته غفل عن عنصر مهم غائب وهو الدولة نفسها! 

الدولة هنا بمفهومها السياسي والدستوري والقانوني والتي تتشكل عموما من عناصرها الثلاث: سلطة وإقليم وشعب.  

تلك الأقاليم الثلاث لا يمكن أن تعيش وتنتظم بدون نفخ روح الدستور فيها، وهو ما يعطي معنى لمفهوم المواطنة كحقوق وواجبات، ويجعل القوانين والتشريعات ناظما للعلاقات لا بين الأفراد فقط، بل حتى بين المؤسسات والأفراد، وهو ما يتطلب حضوراً واضحاً للمؤسسات التي تحكمها لوائح وقوانين، لا أمزجة شخصية أو "رؤى أمنية". 

في عالمنا العربي، نحن ما زلنا في كثير من نماذجنا الحاضرة نفتقد للدولة نفسها، لتلك المؤسسية التي تحل محل القبيلة والعشيرة والعسكرتاريا وسلطة شيخ الدين وركام الموروث الديني والثقافي. 

ومع ذلك، فإن منظومة مختلطة ومدهشة من كيانات ومجتمعات القبيلة والمشيخة والتراث وكل ما هو مقدس لا يمس، لا تطالب بدولة مؤسسات بقدر ما تنادي بنهج ديمقراطي في الحكم! 

تلك عربة أمام ظل الحصان الذي هرب. 

أنا حاليا في الأردن، ومنذ لحظة وصولي حتى اليوم، وأنا أفكر بدولة المؤسسات التي غابت عن الأردن والأردنيين منذ زمن. عن ذلك التشويه والمسخ الذي جرى بمنهجية "أمنية" سابقة تمتد إلى آخر سنوات عهد الملك الراحل، وقد كانت الدولة قبل ذلك قد تأسست وحضرت بمؤسساتها وكان الأردنيون قادرين على اجتراح وابتكار منهجهم الديمقراطي المناسب لبيئتهم ودولتهم وعقدهم الاجتماعي الخاص بهم، لولا البتر والقطع الذي أنهى بالتدريج وعلى مدار سنوات طويلة مفهوم الدولة والمؤسسات لحساب مزيج مرعب ومخيف من الرؤى الأمنية، وعوالم "البزنس" المتوحشة غير المحكومة بضوابط، وسلطة القبيلة "بكل ذكورها" وسيادة رجل الدين "حتى لو كان أميا وجاهلا" يرافق ذلك كله كماشة فولاذية ثقيلة من الأزمات الاقتصادية التي تضيق بالتدريج على الأردنيين الموزعين بغالبيتهم على كل تلك عناصر المزيج أعلاه. 

هناك "لجنة إصلاح " ملكية في الأردن، وهي تعكس شغفا صادقا بالإصلاح لمستُه شخصيا عند الملك ذاته، لكن الملك نفسه وهو رأس الدولة، يدير بالضرورة كل ذلك المزيج بكل عناصره المرعبة وهو ما يضع أسئلة كثيرة عندي أرميها يوميا ولا أزال أمام كثير ممن التقيت من نخب الحكم وأركان "الدولة" وسياسييها وناشطيها ونخبها. 

سمعت أجوبة، وكثيراً من الأجوبة كانت تولد لدي أسئلة أكثر، ولا زلت أستمع للكثيرين، وهذا له مقاله القادم والموسع والمستطرد في قادم الأيام. 

لكن قناعتي ترسخت وأنا أستمع للجميع ممن ألتقيهم وأتعلم من ذوات كثيرة منهم، أن الإصلاح الديمقراطي أو المناداة بالديمقراطية لا يمكن أن تتم بدون حضور الدولة. 

على أحدهم أن يعيد الحصان ثم نتحدث عن مكان العربة السليم خلف الحصان الغائب. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.