المسلمون والتقدم.. إشكالية دائمة
المسلمون والتقدم.. إشكالية دائمة

عندما طرح أميرُ البيان/ شكيب أرسلان سؤاله الشهير: "لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدّم غيرهم؟" (في كتاب صدر عام 1930) أثار الجدل الواسع؛ لم يكن يتساءل مُسْتَفْهِما؛ بِقَدر ما كان يتساءل مُتَعجّبا مُسْتَنكِرا. فالمسكوت عنه في هذا التساؤل: يقين قاطع باستحقاق الذات للتقدم على الآخر/ أي آخر.

اليقين المُتَضَمّن يقول: المسلمون حقهم التقدّم، حقهم أن يتقدموا؛ هذا هو الطبيعي، وهذا الطبيعي لا يحتاج لِتحليلٍ ولا لِتعليلٍ ولا لتبرير. أما أن يتقدّم غيرُهم عليهم، فهذا ليس بطبيعي، ويحتاج "اللاطبيعي" لِتحليلٍ وتعليلٍ وتبرير، تماما كما هو حال "المُبتدأ" في قواعد النحو العربي، فالمبتدأ حقَه التقديم أصالة، هذا مكانه الطبيعي، وإن تأخر عن الخبر في جملة ما؛ وَجَب البحث عن الأسباب والعلل والمُبرّرات.

أيضا، تلك المقالة المنسوبة للشيخ محمد عبده، رائد الإصلاحية الدينية الإسلامية في العصر الحديث، التي تطرح في سياق تعجّبي، ومضمونها: رأيت في الغرب إسلاما ولم أرَ مسلمين، ورأيت مسلمين في ديار الإسلام ولم أرَ إسلاما. وبعيدا عن صحة نسبته للشيخ الإمام، فإن ما يعنينا أنها أصبحت مقولة شائعة في المجال التداولي العربي والإسلامي. وهنا أيضا ثمة ما هو مسكوت عنه، إذ تقول ما لا تُصرّح به من كون الإسلام ـ والإسلام وحده! ـ هو الذي يتضمن منظومة الأخلاق الناجعة الضامنة للتطور والتقدم، وأن الغرب إن تقدموا وتطوّروا، فإنما ذلك بأخلاق الإسلام، وإن لم يقصدوها، والمسلمون إن تأخروا وتخلّفوا حقيقة، فإنما ذلك بسبب تخلّيهم عن الإسلام، أي تخليهم عن التقدم المكتوب لهم أزلا وأبدا!

كلا المقولتين: مقولة عبده ومقولة أرسلان تصدران عن "جرح نرجسي" عميق. كلا المقولتين تقول ـ ضمنا: "نحن الأولى"، "نحن الأحق"، "نحن المتقدمون حقيقة؛ وإن بدا ـ بشكل مخجل ومؤلم وفاجع ـ أننا متخلفون جدا جدا جدا"، "نحن المتقدمون قدرا، ولكن ثمة مَن عَبَث بالأقدار".. إلخ، تأوّهات المُعَذبين بحقيقتهم/ حقيقة واقعهم الأليم.

وكلا المقولتين ـ أيضا ـ تطرح ما تطرحه في ما يُشبه "رقصة ألم" مشوبة بهلوسات و....؛ لتتجنّب الحقائق المؤلمة: حقيقة أن الغرب أبدع ما لم يستطيعوا إبداعه، وللقفز على حقيقة أن الغرب تفوّق عليهم بذكاء واجتهاد ومواصفات أخلاقية عريقة تضرب في أعماق تاريخه. وباختصار، لتتجنّب حقيقة أن الغرب ـ من حيث هو تشكّل ثقافي، مُتَمايِز ومُسْتمر في التاريخ ـ هو الأحق أصالة بالتقدم، وأنهم ـ بمسار تاريخهم، خاصة تاريخهم المتأخر ـ أحق بالتخلف والانحطاط، بل وأن تقدّم وتطوّر أمثالهم ـ في مثلِ حالهم ـ يكاد يكون في حكم المستحيل.

مِن خلال تَزَاوج المَقولتين ـ وبصورة واعية أو غير واعية ـ، ومن خلال استمرار وقائع الانحطاط في تتابع يَشي بحتمية لا مفرّ منها (لا نقول بالحتمية هنا، وإنما هو توصيف لما انطبع على صفحات الوعي/ اللاّوعي العام)، خرجت المقولة الدفاعية الأخرى: نحن المُتقدّمون رُوحا وأخلاقا، والغرب متقدم ماديا. وطبعا، يدرك أي أحد أن هذه مجرد حِيلة دفاعية ساذجة، حِيلة تحاول مُداواة الجرح النرجسي النازف، إذ هي تقرّر ـ بناء على هذه المُقدّمة المدعاة ـ أننا المتقدمون حقيقة؛ لأن التقدم المادي، الذي هو من نصيب الغرب، يبقى مجرد تقدّم تافه وسطحي وزائل وغير جدير بالتقدير، بينما التقدم الروحي/ الأخلاقي، الذي هو من نصيبنا وفق هذا الادعاء، كفيل بجعلنا في مركز الصدارة عالميا، بل وأن نمارس دورنا في قيادة العالم (أستاذية العالم؛ كما هي المقولة القطبية الشهيرة)!

إذن، انشرت ـ كحيلة دفاعية ـ مقولة أن الغرب بلا أخلاق، وأننا أمَة الأخلاق، على مستوى انتشار واتساع السذاجة الجماهيرية المتأثرة بالتيارات الضدية: العروبية والإسلاموية على نحو خاص. فهل صحيح أن الغرب بلا أخلاق، وهل صحيح ـ بالمقابل ـ أننا، كعرب وكمسلمين، نحن المُتَوفِّرون على النصيب الأوفر من الأخلاق؟

للأسف، فإن تصوراتنا عن الأخلاق مغلوطة، وقد تحوّرت ـ عن قصد وعن غير قصد ـ لتتحدّد في مسائل هامشية، أو في مسائل لا علاقة لها بالأخلاق أصالة. لقد جرى التحوير لتتحدد الأخلاق في "مسائل الجنس" وفق التصور العربي/ الإسلامي.

هل كان هذا نتيجة كبت جنسي أورث كثيرا من العُقد التي تضخّمت لتلتهم بضغط الحرمان بقيّة التصورات الأخلاقية؟ أم هو نتيجة تركيز متعمّد على ما يمكن الرهان عليه في السجال مع الآخر، أي في الموضع الذي يُمكن تسجيل بعض النقاط فيه؟ البحث في هذا يطول، ولكن من الظاهر أن وضع الأخلاق التعاملية (غير الجنسية) في منزلة ثانوية، وترفيع الأخلاقية الجنسية، له جذوره التاريخية، حيث كان المرتشون، وسُرّاق المال العام، والمخادعون...إلخ، لا يتوارون خجلا من أفعالهم؛ في الوقت الذي كانوا فيه يموتون خجلا عندما يتعلق الأمر بمسلك أخلاقي ذي طابع جنسي.

المبحث الأخلاقي يؤكد أن ليست "الأخلاق الجنسية" إلا محددا خاصا ومحدودا في مجمل منظومة الأخلاق. بل هي أصلا لا علاقة لها بالأخلاق؛ إلا ـ فقط ـ من حيث انعكاساتها ـ في ظرف اجتماعي ما ـ على شبكة الأخلاق التعاملية ذات الطابع العمومي، أي شبكة الأخلاق التي تضمن للمجتمع سلامة التضامن/ السلام، كما تضمن له سلامة مسار التطور والنماء.

ما يُسمّى بالأخلاق في المجتمعات التقليدية، ليست أخلاقا بحق؛ لأنها إما مجرد شعارات مُفرّغة من مضامينها، وإما مُوَاضعات مفروضة على الأفراد بالقوة، ولا تظهر في مجال التفاعلات الطوعية. وكما يرى أشرف منصور، فإن المجتمع الحديث يتميز بالتساند العضوي، بينما التساند في المجتمع التقليدي مفروض على الأفراد من أعلى، مُمَثلا في السلطة الأخلاقية للمجتمع، وهو تساند مصطنع يعتمد على الإرغام المعنوي، وجعل الفرد متماهيا ومتطابقا مع الوعي الجمعي (الليبرالية الجديدة، ص218).

وقد لاحظ الباحث المغربي/ إدريس هاني كارثية "الادعاء الأخلاقي" لدى العرب/ المسلمين، في سياق الموقف الضدي من الغرب، فقال: "لا يمكننا التمادي في التجريح الأخلاقي للغرب بهذه الكيفية الموسومة بالعمومية والإطلاق، ضد اجتماع أصبحت الأخلاق فيه محايثة لا مفارقة. فيما أخلاقنا لا تزال أحكاما في الرؤوس وثرثرة على أطراف الألسن"؛ ليخلص بعد ذلك إلى حقيقة أن "الحداثة على حد كبير من أخلاق الضمير وأخلاقيات الإنتاج والعمل وعلى الصدق والإخلاص في العمل والنزاهة. بل إن قوة المشروع الحداثي وعنصر استمراره يكمن في أخلاقياته".  (الإسلام الحداثة، ص110/111و ص 230).

إذن، وبالنظر إلى مفهوم الأخلاق كنسق كلي عام: كقوانين تواصلية ـ تفاعلية، لا نجد فقط أن الغرب أخلاقي، وإنما ـ وهذا ما هو صادم للذات ـ أن الغرب اليوم هو العالم الأخلاقي، فيما الشرق (وعالم: العرب والمسلمين، متضمن فيه بدرجة أولى) عالم يفتقر إلى الحد الأدنى من الأخلاق، أي الحد الأدنى الذي يجعله قادرا على تدبير اجتماعه الإنساني، ومن ثم نمو/ تطور هذا الاجتماع نموا/ تطورا مطردا لتحقيق "الخير العام".

لكن، هل هذا "الغرب الأخلاقي" الذي صنع ـ بفضل هذه الصفة: الأخلاقية ـ حضارته الاستثنائية، هو غرب أخلاقي منذ كان، أو ـ على الأقل ـ منذ تاريخ طويل ؟ هل أخلاقيته الحضارية (صانعة الحضارة النوعية الاستثنائية) ذات عراقة؟ أم هي ـ كما رَدّد السذج من وعاظ القومية والإسلامية ـ أخلاقية مستلهمة من تراث المسلمين، وأن لا فضل للغرب إلا في تطبيقها على الوجه الأقرب للكمال؛ فيما عجز المسلمون عن بعض هذا الكمال؟!

الجواب يأتي من عمق أربعة عشر قرنا. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه حديث المستورد بن شدَّاد الفهريِّ أنه ـ أي المستورد ـ قال عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس"، فقال له عمرو: أبصِر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لَخصالًا أربعًا: إنهم لأَحلمُ الناس عند فتنةٍ، وأسرعُهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكُهم كرَّة بعد فرَّة، وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيفٍ، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم مِن ظلم الملوك.

هنا، لن نناقش مسألة الغيبيات (قيام الساعة في ظرف ما)، ولا صحّة نسبة هذا التحديد/ النبوءة إلى النبي، فهذه مسألة إيمانية من أولها إلى آخرها، كما أن صحة النسبة مسألة قناعة بشروط النقل، ما سنناقشه هنا هو التوصيف الأخلاقي للروم/ الغرب على لسان عمرو بن العاص.

تنبع أهمية هذا التوصيف في كونه صادرا عن رجل مشهور بالدهاء/ الذكاء (أحد أشهر دهاة العرب وفق التصنيف التراثي)، ليس هذا فحسب، بل ومن ذوي التجارب، فقد كان سفيرا وتاجرا مترحلا قبل الإسلام، وبعد الإسلام أحد قواد القوات الغازية لبلاد الشام، ثم هو قائد الغزو العربي الإسلامي لمصر. أي أن الرجل يتوفر على خبرة عملية واسعة المجال بأحوال العالم القديم شعوبا وحضارات.

يبدأ النص بأن راوي الحديث/ المستورد يذكر نصا تنبؤيًّا يؤكد أن ثمة مستقبلا عظيما للروم، حيث سيصبحون في مستقبل الأيام أكثر الناس. ومن معاني الكثرة في لغة العرب: القوة. عمرو بن العاص رأي في هذه النبوءة تعارضا مع واقع يُشاهده بعينه، أي مع واقع أن العرب هزموا الروم في الشام وفي مصر (والتصور العربي آنذاك لحجم الإمبراطورية الرومانية كان متواضعا)، أي أن قوة/ كثرة الروم في انحسار واضح ومتتابع، وحيث تصورهم لنهاية العالم كان محدودا (كانت عند بعضهم في غضون عدة أجيال)، فقد ظن عمرو أن الراوي وَاهِم فيما ينقله عن النبي الأعظم، ولهذا طلب منه التأكد بقوله: "أبصِر ما تقول"، أي تأكد من صحة نقلك للخبر. لكن، عندما أكّد له الراوي ذلك، أصبحت استعادة الروم ـ مستقبلا ـ لقوتهم أمرا مُتَحقّقا عند عمرو، وحينئذٍ ـ وكخبير استراتيجي بشؤون العالم القديم ـ حاول البحث عن أسباب هذا الاستئناف الرومي/ الغربي للقوة.

هنا، نصل إلى ما يهمنا، وهو أن عمرو عندما بحث عن الأسباب لم يجدها في شيء؛ كما وجدها في "القوة الأخلاقية" التي تُشكّل ـ في تصوّره ـ هوية الروم/ الغرب. لم يبحث عمرو في مقومات القوة المادية للروم، لم يحاول أن يتتبع الأحداث الظرفية ليستشفّ منها ما عساه أن يكون سببا في هذه الاستمرارية التي يبدو وكأنها خاصة بهم؛ دون سائر الأمم، بل وجدها ـ وعن سابق معرفة بهم؛ تمتدّ لما قبل الإسلام ـ في الأخلاق.

الغريب أن الصفات الأربع/ الخمس التي ذكرها عمرو قبل أربعة عشر قرنا هي أهم عناصر القيم الأخلاقية المُؤسِّسة لحضارة الغرب اليوم: روم الأمس. وهي:

1ـ "َأحلمُ الناس عند فتنةٍ"، والمقصود أنهم يتثبّتون عند تشابه وتشابك الأحداث، ولا يسارعون إلى الصراعات البينية، وباختصار: الحرص على الاستقرار.

2ـ "وأسرعُهم إفاقةً بعد مصيبة"، بمعنى أن المصائب/ الكوارث/ الهزائم لا تكسرهم، بل يعودون ـ وبقدرة على التحمّل، وبنفس طويل يرى آماد المستقبل في تجاوز اللحظة ـ لاستئناف الحياة/ البناء. والحالة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية نموذج.

3ـ "أوشكُهم كرَّة بعد فرَّة"، أي أنهم لا يعدّون الفشل نهاية المطاف، لا يعدّون الهزيمة واقعة نهائية، بل هم قادرون على مراجعة أنفسهم، ونقد سلوكياتهم، والبداية من جديد. ومن كانت هذه حاله، فهو لا ينهزم أبدا في الحرب؛ مهما توالت هزائمه في المعارك.

4ـ "وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيفٍ"، والمراد هنا "الحس الإنساني"، الاهتمام بالإنسان من حيث هو إنسان، وخاصة عندما يكون ضعيفا. وهذا ما نراه في سلوكيات "التبرّع" بالثروات للخير العام، كما نراه في نظريات العدالة الاجتماعية وتتابعه بدافع إنساني. 

5ـ "وأمنعهم مِن ظلم الملوك"، والمقصود النفس الديمقراطي المضاد للاستبداد، فمنذ اليونان قديما، وخلال أكثر فترات الإمبراطورية الرومانية، والمجالس البرلمانية والاستشارية والنقابية...إلخ كانت حاضرة، بينما العرب/ المسلمون أقاموا أكبر الإمبراطوريات التي امتد بعضها لمئات السنين، ومع هذا لم يؤسسوا أي نموذج لأي تجربة برلمانية أو شبه برلمانية، ولو لمرة واحدة طوال تاريخهم، وعلى اختلاف العناصر/ الأعراق المكونة لتلك الإمبراطوريات التي كانت ذات طابع شرقي. وأما حدث في التاريخ العربي/ الإسلامي الحديث من محاولات وتجارب، فإنما هو بدافع استلهام للتجارب الغربية في سياق التحضّر العام.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.