صحيح، وبعد معركة قضائية طالت لسنوات، تمكنت الكومة العراقية من استرجاع رُقيم "حُلم جلجامش" الشهير، الذي كان "مستحوذاً" عليه من قِبل متجر أميركي للقطع النادرة. لكن الحدث كشف أيضاً مجموعة من العلاقات والمفاهيم والقيم، التي ظهرت وبقيت مستمرة على دفتي "الصراع" على أحقية مُلكية ذلك الرُقيم، تدور حول رؤية ووعي ذلكم الحيزين من المجتمعات والمؤسسات والدول والسلطات بعالم التاريخ والجمال، وموقع أدواتهما في ذوات هؤلاء البشر الموزعين على الدفتين.
من طرف، ثمة مؤسسة ثقافية تجارية تشتري قطعة طينية نُحتت عليها أبيات شعرية لملحمة أدبية قديمة تخص ثقافة وحضارة إنسانية أخرى، تدفع ملايين الدولارات للحصول عليها، وتخوض معركة قضائية مطولة للاحتفاظ بها.
هذا المتجر الذي ما كان له أن يدفع مثل تلك الأموال الطائلة مقابل لوح طيني، ويدفع بجيش من المحامين للحصول على أحقية الاحتفاظ به، لولا يقينه أن تلك القطعة الأثرية ذات قيمة رمزية وثقافية في المجتمع الذي يعمل ذلك "المتجر" داخله. حيث إن أبناء ذلك المجتمع سيتوافدون بالآلاف لمشاهدته والتمتع به والاستفادة الروحية والثقافية منه، كمادة تعبيرية عن الذاكرة الإنسانية وأصالة الفن والإبداع في ذوات البشر.
وطبعاً المستعدون لدفع أموال تفوق المبلغ الذي اشترى المتجر اللوحة به، لرؤيته أو حتى لاقتنائه. لكنها أيضاً نفس المتجر/المؤسسة التي أعلنت بكل بساطة قبولها المُطلق بالحُكم القضائي، الصادر عن محكمة فعلت شيئاً من صميم منتجات تلك المُجتمعات، التزمت مطلقاً بمهنية هويتها كجهة قضائية، وفقط كذلك.
على النقيض تماماً، في الدفة الأخرى من القضية، ثمة بلاد ومؤسسات ومجتمعات ومساحات ثقافية لم تبالِ بذلك الرُقيم أبداً، ودون شك هو ليس شيئاً من عالم انشغالاتها حتى الآن. فوق ذلك، سيكشف تحقيق استقصائي بسيط أن شبكات غامضة ومركبة من أركان هذا المُجتمع قد تعاضدت لسرقة وتهريب وبيع ذلك الرُقيم بأبخس الأثمان المادية والروحية، شبكات مؤلفة من موظفين حكوميين وخبراء محليين وعصابات تهريب منظمة ومعروفة ومسؤولين حكوميين، وطبعاً رجال أمن وزعماء مناطق، وحتى قوانين وقيم عُليا في كل تفصيل وبالنسبة لأي أحد في هذا المُجتمع. فعلت بذلك الرُقيم ما فعلته بعشرات الآلاف من القطع الأثرية والفنية الثقافية الأخرى التي أنتجتها كُتل من البشر الآخرين، الذين لصُدفة ما كانوا يسكنون نفس الجُغرافيا التي تُسمى راهناً "بلاد" هذه المُجتمعات.
لا يخص الأمر تلك الشبكات فحسب، التي لم تهبط من السماء، بل مجتمعاً كاملاً يشبهها في هذه العلاقة مع مثل تلك المُنتجات، مجتمعات تزدري وتقلل من قيمة هذه المنتجات، تعبرها أشياء دون ذي معنى وجاذبية. فالإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي العراقية كانت الأقل التفاتة إلى الحادثة، وأكثر ما شدها من الموضوع كله هو "الانتصار على أميركا" في المعركة القضائية بشأن الرُقيم.
لكن كيف يحدث ذلك ونحن مُجتمعات "غارقة" في التاريخ؟!
التاريخ الذي يكاد أن يحيط بنا من كل حدب، يشكل هويتنا ووعينا لأنفسنا ومفهومنا للعالم وعلاقتنا معه، مجتمعات وإن كانت تستخدم بعض أدوات العيش الحديثة، إلا أن وعيها وكلامها ومنطقها في قياس الأشياء والأفكار تاريخية تماماً، بغالبها الأعم.
يجري ذلك لأن رُقيم "حلم جلجامش" ليس جزءا من التاريخ بمعنى ما، بل هو قطعة من الجمال والبهاء الإنساني.
هذا الرُقيم، مثل باقي الآثار الإنسانية القديمة والنادرة، إنما هو منتج آدمي الهوية وأصيل الدلالة والإشارة إلى كُلانية الإنسان ومطلق توقه لإنتاج الأدب وفرز الجمال والتفكير بالخلود وعيش المآسي الوجودية والانشغال بالخيال. أشياء كثيرة مرتبطة بعلاقة الإنسان بالأشياء غير المادية، تلك العلاقة الجمالية التي تُقلق المُجتمعات الأصولية والماضوية والتقليدية المحافظة، وليس من جماعة وتكوين إنساني مثلنا في العالم الراهن ما تتوفر وتتمركز فيه كُل تلك السمات.
فرُقيم "حلم جلجامش"، الذي هو عبارة عن مجموعة من الأبيات الشعرية التي كُتبت على ذلك اللوح قبل 3500 عام، باللغة السومرية والأحرف المسمارية، يحكي قصة مطلقة عن تلهف الإنسان للنجاة والخلود، بحكاية مفعمة بالتناقضات التراجيدية التي يعيشها الإنسان داخل نفسه وفي علاقته مع العالم، ليُثبت إن التناقض الأعلى والأكثر مركزية هو بين الثلاثي الأكثر قلقاً، تطلعات الإنسان من جهة، والطبيعة المادية للوجود من جهة أخرى، والطبائع الإنسانية من جهة ثالثة.
هذا التفصيل البسيط، بكل جماليته وعمقه، يُهدم كل مرتكزات وعي ومعرفة مُجتمعاتنا بالتاريخ، الذي تفهمه وتتعامل معه كمجموعة من العلاقات السُلطوية والقيم العشائرية، عبر سرده كمباراة لكرة القدم أو حرب ضروس، بين جماعتين مطلقتي التناقض والمواجهة، هُما الـ"نحنُ" والـ"هُم".
ذلكم المفهوم المركزي لوعي التاريخ، الذين يتسرب بالتقادم ليُنتج في حياتنا اليومية مجموعة مشابهة من العلاقات والقيم المُطابقة لذلك المنطق، عبر تقسيم الحياة والمجتمعات إلى كُتل من الأديان والطوائف والمذاهب والقوميات والعشائر والعُصب والجهويات، الخاوية تماماً من أي قيمة جمالية، تذكرنا بالوحدة الآدمية ومفاهيمها الوجودية المطلقة.
عاد رُقيم "حُلم جلجامش" إلى العراق، لكنه سيبقى يتيم صندوق زجاجي في المُتحف الوطني، غالباً ستنقطع عنه الكهرباء لساعات طويلة من اليوم، ولن يُنتج أي قيمة لأنه سيبقى غريباً عن الناس، ودون شك معرضاً للسرقة والمتاجرة في أقرب فرصة تتاح لـ"أمراء التاريخ" أو "أمراء الحرب"، إذ لا فرق بينهما في المحصلة، فالتاريخ بالنسبة لنا ولمخيلتنا، ليس إلا حرباً، وفقط كذلك.

