أي مستقبل ينتظر الأميركيين؟
أي مستقبل ينتظر الأميركيين؟

يمكن للمتفائلين الاطمئنان إلى أن الصفحة قد طويت على رئاسة دونالد ترامب، وأن التشنج والتأزم والمفاجآت المنهكة التي اعتادها ذاك الرئيس وأقحم العالم بها أصبحت من التاريخ. بل يمكن لهم أن يتأملوا بأن تهوره في مسعاه الانقلابي، بعد هزيمته الانتخابية، قد انزلق به إلى أفعال من شأنها أن تشتّت احتمالات عودته إلى الواجهة في المراحل المقبلة، الانتخابات النصفية العام المقبل، ثم الانتخابات الرئاسية عام 2024.

غير أن هذا الاطمئنان قد لا يكون في محلّه البتة. دونالد ترامب لم يكن العامل في ما شهدته الولايات المتحدة من فوضى وانقسام وانفصام، بل كان العارض وحسب للمواجهات، الباردة في معظمها، والحارة أحياناً، التي اصطلح على تسميتها بـ"حروب الثقافة".

وإذا كان العديدون قد ارتاحوا لانتهاء فيضان العبث الذي مارسه ترامب، فإن الخلاف العميق بين الرؤيتين اللتين تتواجهان منذ عقود في الولايات المتحدة، حول الهوية والتاريخ والمستقبل، لا يزال مشتعلاً، بل يزداد حرارة في العديد من جوانبه.

لهذا الخلاف أبعاد متعددة، اجتماعية فكرية اقتصادية سياسية عرقية، وقراءات متضاربة للماضي والحاضر. وغالباً ما يكون ظهور الخلاف من خلال التركيز على قضايا فرعية، تمسي على دقتها موضع استقطاب وانفعال على مستوى الولايات المتحدة بأكملها.

هل يجوز للمرأة العابرة جنسياً، أي التي ولدت ذكراً ثم بدّلت جنسها إلى الأنثى بالوسائل الطبية المختلفة، أن تشارك بالمباريات الرياضية المخصصة للنساء؟ قد يبدو الأمر تفصيلاً غير ذي أهمية، إذ ما هو العدد الفعلي للحالات التي يشملها هذا السؤال.

لكنه يثير السجالات على مستوى البلاد، بحدة في المواقف وحماس في التعبير لا يبدو مناسباً للموضوع. فالمسألة هنا أنه أمر مفتاح، أي من خلاله يسعى دعاة الدفاع عن حقوق العابرين جنسياً إلى ترسيخ مبدأ المساواة، والإقرار بأن العابرة هي امرأة بكامل التقدير، ولا يجدون في جهودهم اختلافاً عن تلك التي نشط بها، بنجاح، دعاة الدفاع عن حقوق المعوّقين، إذ أقرت السلطات التشريعية الاتحادية قبل عقود وجوب تجهيز كافة المنشآت العامة، كما الخاصة المفتوحة للجمهور، المطاعم مثلاً، بما يتيح لأصحاب الاحتياجات الخاصة الولوج إليها، واستعمالها دون انتقاص.

المسألة ليست كذلك أبداً، من وجهة نظر محافظة. يذعن المحافظون، وإن على مضض بالنسبة للعديد منهم، بأنه من الحق الرجل الذي يشعر بأنه "أنثى في جسد ذكر"، أن يعمد إلى تبديل جنسه. وقد يعترض معظمهم على استعمال المال العام، من خلال البرامج الحكومية للرعاية الصحية، من أجل ذلك. غير أن نبرة اعتراضهم تصبح أكثر ارتفاعاً وحدة حين ينتقل التركيز من إطار الحرية الشخصية إلى إطار "الحقوق الاجتماعية".

والسؤال الذي يطرحه المحافظون هنا أنه، في حال إقرار العابرة جنسياً امرأة بكامل التقدير، فمن البديهي أن المسألة لن تتوقف عند هذا الحد، ذلك أن المطالبة بالانتقال من صيغة ثنائية الجنسين (ذكر وأنثى)، قد طرحت للتوّ في التداول صيغ مركبة تتجاوز الثنائية وتدخل تعددية في الهوية الجنسية على أساس متغيرات بعضها عضوي وبعضها نفسي وبعضها ذاتي، فهل المطلوب السماح لأي كان يزعم الهوية ويرتدي اللباس أن يدخل إلى حمامات الفتيات مثلاً؟

ولا يفصل المحافظون في هذا الشأن بين حالة العبور الجنسي ومسألة الميول الجنسية، أي المثلية والازدواجية وغيرهما، فهذه وتلك تتحدى المنظومة السائدة، أي صيغة رجل وامرأة، وزواج تنتج عنه عائلة بالولادة أو التبني.

وإذا كان مجتمع الولايات المتحدة بمعظمه يقبل اليوم مبدأ الزواج المثلي من منطلق المساواة، فإن الرأي العام أقل وضوحاً بشأن العائلات التي يرغب المثليين بإقامتها. أي هل يجوز أن يتبنى مثليان، رجلان أو امرأتان، الأطفال؟

الاعتراض، من وجهة نظر محافظة، هو مجدداً حول تبعات هذه "الحقوق". بعض العلاقات المثلية، وهي طوعية وبالتالي مشمولة بمبدأ الحريات الشخصية، تنضوي على ما يدعو للاستهجان في الوسط المحافظ، منها مثلاً أن يحاكي أحد المرتبطين بالعلاقة الكلب الأليف، فيسير على أربع، ويُلجم، بل يوضع على وجهه القناع، وما إلى هنالك، المشكلة، لدى المحافظين، هو أن هذه الظاهرة مثلاً، وهي الغريبة والشاذة والمنفّرة لديهم، ابتدأت عند أقسى الهامش، ثم انتقلت إلى تكرار الظهور في استعراضات "الفخر المثلي".

وهي، وإن كانت لا تزال عند هذا الحد اليوم، فالسؤال هو متى يصبح "الدفاع" عن الحق الطوعي بمحاكاة الحيوان الأليف موضوعاً اشتراعياً، يقتضي الاقرار بحرية التجوال على هذه الهيئة في الفضاء العام.

التقدميون، بطبيعة الحال، يرون في هذا القلق المحافظ مبالغة وتهويلاً، عن سوء نية، تهدف إلى إبراز المعدوم لإسقاط الموجود. وغالباً ما تبرز الصحافة، وغالبها تقدمي الطابع، الشطح المحافظ في تصوير نمط الحياة في الأوساط المحافظة.

وربما أن إحدى أقصى حالات الشطح هذه هي قضية "پيتزاغايت"، التي زعم الذين "اكتشفوها" أن "النخبة" التي تسيطر على الولايات المتحدة والعالم تعبد الشيطان، وتشرب دماء الأطفال وتغتصبهم، وأن كبار أصحاب الأعمال والساسة متورطون في هذه الشناعات.

وبعد كل النفي والاستهزاء والتنبيه إلى خطورة هذه المزاعم يظهر إلى العلن، لا ما يثبت التهم الخيالية، ولكن ما يضفي على المسألة أطيافا من الشبهات. منها مثلاً أن طقوساً تتوخّى الفن والإثارة، من وحي الأرواحية والسحر وغيرها، تقام بالفعل في بعض مجالس "الوجهاء"، بل أن إحدى سيدات المجتمع البارزات تقدم ما تسميه "طبخ الأرواح" بوصفة تحتوي على الدماء وغيرها من السوائل الجسدية، بل إن التمتع بالقاصرات كان فعلاً متكرراً لدى أحد كبار المتمولين من أصحاب العلاقات الواسعة في مجال الأعمال والسياسة. وقد ألقي القبض على هذا الرجل، وأودع السجن حيث انتحر أو مات بظروف يكتنف بعضها الغموض.

هذه القرائن الجزئية بعيدة كل البعد عن إثبات التهم المقترنة بـ "پيتزاغايت"، على أن مجرد ظهورها، من وجهة نظر من كان على قناعة بـهذه القضية هو دليل آخر على عمق المؤامرة.

على أن الإشكالية الحقيقية ليست في حقوق أو امتيازات للعابرين والعابرات، ولا هي في إثبات تهمة شاطحة بناءً على معطيات لا تفي المسألة ولا توفيها. القضية هي أن المجتمع الأميركي قد فقد ثقل الوسط، أي أنه في بعض أوجهه يقترب من أن يكون تجاور بيئتين كل منهما فيها من يصدّق أشنع النعوت بحق البيئة الأخرى. بيئة تعتبر أنه من حقها الدفاع عن قيمها وثقافتها ومنع تدهورها. وأخرى تعتبر أنه آن الأوان لتحقيق مساواة فعلية وضمان حقوق من كان مهمشاً ومنبوذاً. هي وصفة لحرب ثقافية قادمة، وإن لم تكن الآن مستعرّة إلى أقصى حد.

ليس دونالد ترامب المحارب الثقافي، ولكن كامل جهوده قبل رئاسته وخلالها انصبت على محاولة الاستفادة من حروب الثقافة لتعزيز ولاء الشق المحافظ له. ولا شك بأنه سوف يستمر بهذه الجهود في مسعى للفوز برئاسة أخرى. غير أنه فعل أم لم يفعل، فإن مقومات الحرب، وما سبق ذكره هنا، ما هو إلا نموذجين طفيفين في منظومة متشعبة، حاضرة للاستمرار.

الرئيس الحالي جو بايدن يسعى إلى تنفيس الاحتقان من خلال واقعية وسطية تريد إعادة بعض الوزن والتأثير لمن ساءه الاستقطاب. بعيداً عن العقائديات، يحاول بايدن الدخول إلى توافق وطني من خلال الاقتصاد. المسألة ليست سهلة، والنجاح الاقتصادي ليس مضموناً، بل التاريخ القريب يشهد أن غياب الضائقة الاقتصادية يطلق عنان الجدل الثقافي، على أنه، من وجهة نظر بايدن على الأقل، هذا هو السبيل المتاح لتجنب اشتعال هذه الحرب.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.