يرفعون العلم السوداني في الخرطوم
يرفعون العلم السوداني في الخرطوم

انتشرت في الساحة السياسية مؤخرا دعوات عدة لتحقيق وفاق وطني شامل يقول أصحابها إنه السبيل الوحيد لاستقرار ونجاح المرحلة الانتقالية التي جاءت في أعقاب ثورة ديسمبر 2018، التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري لجماعة الإخوان المسلمين بعدما سيطرت على دفة الحكم في البلاد لثلاثين عاما بعد استيلائها على السلطة عبر انقلاب عسكري في يونيو 1989.

اتسمت هذه الدعوات بالغموض والتعميم وعدم الغوص في التفاصيل التي تتعلق بالقوى السياسية التي يجب أن يضمها هذا الوفاق الشامل، وقد زاد من الريبة التي تحيط بهذه الدعوات أن بعضها نادى بعدم استثناء حزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم في ظل دكتاتورية الإخوان) من الوفاق الوطني، مع العلم بأن هذا الحزب تم حله ومُنع من ممارسة نشاطه بأمر الثورة والقانون.

كذلك تطالب بعض الأصوات الداعية للوفاق بأن يكون التيار الإسلاموي العريض جزءا من هذا الوفاق الشامل المنشود، لكنها لا تعطي تعريفا محددا لماهية هذا التيار الإسلاموي، ولكن ما يُفهم من مطلبهم أنهم يقصدون مكونات أخرى داخل الحركة الإسلامية (جماعة الإخوان المسلمين) مثل حزب المؤتمر الشعبي وحركة الإصلاح الآن، وغيرها من الفصائل التي ميزت مواقفها نوعا ما عن حزب المؤتمر الوطني المحلول في فترات لاحقة لسيطرة الجماعة على مقاليد الحكم.

في البدء نقول، وكما ظللنا نقول دوما، إنه لا يوجد شخص عاقل يرفض أي عملية تنادي بالوفاق المفضي إلى استقرار الحكم في بلد مضطرب مثل السودان عانى من ويلات الحروب والقمع والاستبداد وأضاع فرصا ذهبية لتحقيق التنمية والنهوض، ولكن قبل الحديث عن الوفاق لا بد من الحديث المفصل والدقيق عن طبيعة هذا الوفاق والقوى المعنية به، حتى لا تتحول الدعوة إلى "حصان طروادة" لهزيمة شعارات الثورة.

الحُجة التي يستند إليها دعاة الوفاق الغامض هي أن الإسلامويين ليسوا سواء في تحمل المسؤولية عن الجرائم والدمار الذي حاق بالوطن من جراء السياسات التي تبناها نظام الإخوان المسلمين، وبالتالي فإنهم يدعون إلى محاسبة الأفراد الذين أفسدوا وارتكبوا الجرائم، دون مساءلة المنظومة التي ينتمون إليها عن تلك التجاوزات.

وبهذا المنطق فإنهم يطالبون بضم حزبي المؤتمر الشعبي والإصلاح الآن وغيرها من فصائل الجماعة لعملية الوفاق، متناسين أن الجرائم التي ارتكبت في حق الملايين من أبناء وبنات الوطن لم تتم بصفة فردية كما يدَّعون، بل كانت سياسة معلنة وتوجها راسخا وبرنامجا متفقا عليه داخل الجماعة، وأن الأفراد الذين ارتكبوا تلك الفظائع إنما كانوا مجرد أدوات للتنفيذ، وهو الأمر الذي يضع الوزر الأكبر على المنظومة، وليس الفرد.

إن الأفراد الذين قاموا بدق المسمار في رأس الشهيد الدكتور علي فضل، والذين اغتصبوا العميد محمد أحمد الريح في زنازين بيوت الاشباح، والذين أغرقوا عشرات المجندين قسرا من الأطفال القاصرين في مياه النيل الأزرق، والذين أهانوا وعذبوا الشيوخ وكبار السن من السياسيين في المعتقلات، إنما كانوا ينفذون خطط المنظومة، ولم يقوموا بتلك الأفعال بدوافعهم الشخصية ورغبتهم في التنكيل بالناس فحسب.

إن جريمة فصل عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية لا لشيء سوى أنهم لا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين كانت سياسة حزبية مرسومة بدقة، ولم تكن مجرد فعل شخصي أو فردي، وترتب عليها تشريد وحرمان آلاف الأسر من مصدر رزقهم بين عشية وضحاها، فضلاً عن موت المئات من أربابها بالغبن والذبحة الصدرية من جراء الظلم الكبير الذي وقع عليهم دون أن يرتكبوا أي جريرة.

ولا شك أن جرائم نظام حكم جماعة الإخوان لم تبدأ بعد انفصال المؤتمر الشعبي وبقية الفصائل الإخوانية عن حزب المؤتمر الوطني المحلول، بل بدأت منذ اليوم الأول للاستيلاء على السلطة عبر الانقلاب العسكري (30 يونيو 1989) وتحت مرأى ومسمع جميع قيادات الجماعة، بمن فيهم زعيمها الراحل الدكتور حسن الترابي، واستمرت لمدة 10 سنوات قبل أن تقع الخلافات داخل التنظيم، ويتخذ كل فصيل موقفه الخاص.

ويعلم السودانيون أن العشر سنوات الأولى من حكم الجماعة كانت الأسوأ بين جميع حقب ومراحل حكم النظام الإخواني من حيث القهر والظلم والقتل والتنكيل، وقد تمت ممارسة هذه الأمور باتفاق تام بين قيادات الإخوان بمن فيهم زعيم المؤتمر الشعبي، ورئيس حركة الإصلاح الآن، وغيرهم من رموز الجماعة التي يدعو البعض لضمهم للوفاق الوطني ضربة لازب.

ومع ذلك فإن الثورة السودانية العظيمة لم تنتهج أسلوب التشفي والانتقام العشوائي مع مختلف الأطياف الإخوانية، وإلا لكانوا سُحلوا في الشوارع كما حدث مع أفراد الطبقة الحاكمة في ليبيا، بل تعاملت معهم وفقا للأخلاق والأعراف والقوانين، ولم يتم حل وحظر أحزابهم (سوى المؤتمر الوطني)، فهم الآن يتمتعون بكل ثمار التغيير في مجال الحريات العامة، ويمارسون نشاطهم الفكري والسياسي بحرية كاملة دون أي عسف أو تضييق أو إرهاب من الحكومة الانتقالية.

ولا يمكن الخوض في أي حديث عن الوفاق الوطني يشمل الأحزاب والفصائل الإخوانية دون أن يفي هؤلاء بعدد من المطالب يأتي في مقدمتها الاعتذار الواضح للشعب السوداني عن العسف والبطش الذي مارسته الجماعة بحق المواطنين، والجرائم التي ارتكبتها خلال 30 عاما من الحكم، التي دفع السودانيون ثمنها غاليا من المهج والأرواح والدماء.

كذلك يجب عليهم المساعدة في كشف تفاصيل الجرائم والإدلاء بالشهادات التي تساعد على الوصول للحقائق في العديد من الملفات التي تطلبها العدالة والتحقيقات، بالإضافة إلى إجراء مراجعات علنية تطال العديد من المبادئ والمرتكزات التي ينهض عليها بنيان الجماعة الفكري، والتي تسببت في تشييد دولة الاستبداد والفساد والحروب الأهلية والعزلة عن العالم.

ومن المهم أيضا أن تتوقف جميع أطياف الجماعة فورا عن وضع العراقيل أمام الحكومة الانتقالية، وأن يعوا جيدا أن السعي لاختراق العملية السياسية عبر بوابة القبائل وبعض الحركات المسلحة لن يجدي في عودتهم المجانية لساحة العمل السياسي، بل يجب عليهم أن يدفعوا ثمن هذه العودة عبر الوفاء باستحقاقاتها المطلوبة.

يتوجب على الذين يطلقون دعوة الوفاق الوطني أن يكونوا أكثر جرأة ووضوحا في طرحهم، وأن يخوضوا في تفاصيل ومرامي دعوتهم عبر تسمية وتحديد الجهات التي يتطلعون لضمها لعملية الوفاق، والإعلان عن ذلك بكل شفافية لجماهير الشعب السوداني، صاحبة الكلمة الأخيرة، والقول الفصل في هذا الأمر.  

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.