علاء الأسواني
علاء الأسواني

الدكتور علاء الأسواني طبيب أسنان وأديب مصري وعالمي، ترجمت أعماله إلى 37 لغة وطبعت في 100 دولة، ونال عشرات الجوائز العالمية، منها ما منح لأول مرة لكاتب عربي.

اختارته مجلة "التايمز" البريطانية عام 2007 كواحد من أهم 50 روائيا ترجمت أعمالهم للإنكليزية خلال الخمسين سنة الماضية، وفي عام 2010 اختاره معرض الكتاب في باريس كواحد من أهم 30 روائيا من غير الفرنسيين في العالم، وفي عام 2011 وضعته مجلة "فورين بوليسي" على رأس قائمة المفكرين المائة الأكثر نفوذا في العالم، كما اعتبرت "الأوبزرفر" البريطانية أنه ينتمي إلى فئة أندر أنواع الأدباء، التي تتمتع أعمالها برواج مذهل.

ذاعت شهرة علاء الأسواني عام 2002 بعد نشر رائعته "عمارة يعقوبيان"، التي وصلت سريعا إلى قائمة الروايات الأكثر مبيعا في العالم، وتدور أحداثها في مبنى وسط القاهرة كان عند بنائه في ثلاثينيات القرن الماضي تحفة معمارية، ولكن بعد وصول العسكريين إلى السلطة في عقد الخمسينيات غادره الكثير من سكانه، وحل مكانهم خليط من تجار وأثرياء جدد يعيشون في الشقق، ومهاجرون فقراء من الريف، يعيشون في غرف صغيرة تم بناؤها على السطح.

تدور أحداث الرواية حول حياة أسر عدة سكنت هذه العمارة، وتم فيها التعرّض لجوانب يتم عادة تجاهلها وتجنّب الحديث عنها في المجتمع المصري والعربي رغم وجودها على أرض الواقع، مثل استغلال الفتيات والنساء الفقيرات جنسيا في أماكن عملهن، أو العلاقات الجنسية المثلية، وكذلك ظلم السلطة وفسادها ودخول مسؤولين فيها في شراكة مع محدثي نعمة من الأثرياء الجدد الذين لا يتورعون عن القيام بأي شيء لتحقيق المزيد من الأرباح حتى لو عبر تجارة المخدرات، بالإضافة إلى الأساليب الوحشية التي تستخدمها أجهزة الأمن خلال التحقيق مع المعارضين، وكذلك كيف تدفع السلطة الشباب للتطرف حين تهينهم وتغلق أمامهم سبل الحياة الكريمة، وكيف برع الإسلاميون في استغلال ذلك كله.

كما أوضحت الرواية التباين الكبير في مستوى الدخل في مصر بين أغلبية فقيرة تبذل مجهودا كبيرا لتأمين أبسط حاجاتها اليومية، وبين قلّة غنية تعيش في عالم مختلف، لقد وضع علاء الأسواني في روايته تلك المصريين أمام مرآة يرون فيها مجتمعهم على حقيقته، وهذه الواقعية والصدق هي التي منحت "عمارة يعقوبيان" النجاح عالميا، رغم أن هذا الصدق هو الذي عرّضها للهجوم من قبل بعض المصريين الذين يعيشون في حالة إنكار للواقع، الذين ادّعوا أن في الرواية إساءة لقيم المجتمع المصري.

وصدرت لعلاء الأسواني، بعد "عمارة يعقوبيان"، كتب منها "لماذا لا يثور المصريون" عام 2010 وفيه أشار إلى أن الأوضاع الداخلية في مصر تكفي لإشعال 10 ثورات لكن "تاريخا طويلا من القمع جعل المصريين ييأسون من التغيير فالكل يعمل لكسب قوته وتربية أولاده والاستمتاع ببعض المتع الصغيرة"، ثم رواية نادي السيارات عام 2013 التي تدور أحداثها في نادي السيارات المصري في نهاية أربعينيات القرن الماضي وقال فيها هل من الأفضل الثورة على الحاكم الظالم أم إبقاء الوضع كما هو حتى لا تسوء الأمور أكثر؟، ثم رواية "جمهورية كأنّ" عام 2018 التي وصف فيها الجرائم التي ارتكبتها السلطات المصرية بحق شباب ثورة يناير 2011 وكيف تعاونت أطراف عديدة على إجهاض الثورة من أجهزة الأمن حتى الإسلاميين، وطرح خلالها تساؤلا مباشرا: هل أصبح المصريون إما فاسدين أو جبناء حتى صمتوا على إجهاض ثورتهم رغم كل ما قدموه في سبيلها من تضحيات.

كان المفروض أن يتم الترحيب بعلاء الأسواني في مصر بالنجاح العالمي الذي حققه روائي مصري، وأن تعقد الندوات والمهرجانات للاحتفال به وتكريمه، ولكن لم يحدث شيء من ذلك نتيجة موقفه السياسي الواضح من رفض أنظمة الحكم الديكتاتورية، فقد اشتهر بمعارضته لحكم حسني مبارك قبل سنوات من الثورة المصرية وشارك في تأسيس حركة "كفاية"، وكتب عدة مقالات جريئة في جرائد المعارضة المصرية التي كان مسموحا بها أيام مبارك مثل "الشروق" و"المصري اليوم" و"العربي"، انتقد فيها نظام الحكم، مثل مقال "صناعة الطغيان" الذي تساءل فيه هل القمع تراث يحمله المصريون في داخلهم؟، تعلّموا خلاله كيف يداهنون السلطة الغاشمة وكيف يظهرون عكس ما يبطنون لاتقاء شرّها، وهل جعلهم الاستبداد الطويل يتجنبون مواجهة من يقمعهم وبدل ذلك يبحثون عن سلطة صغيرة لأنفسهم يعيدون فيها إنتاج قمع مشابه بحق غيرهم.

واعتبر في مقال آخر أن الغش الجماعي الذي يقوم فيه الكثير من المصريين هو تعبير عن حالة من تواطؤ المجتمع ضد الدولة، مثل تحذير المارّة للباعة المتجولين من الشرطة، ومثل تهرّب المواطن من الضرائب أو تلاعبه بعدّاد الكهرباء لأنه يرى أن الحكومة تسرقه وتظلمه فيعتقد أن من حقه الرد عليها بوسائله الخاصة.

وبالإضافة إلى مقالاته نظّم علاء الأسواني ندوة أسبوعية كل خميس كان يتكلّم فيها عن أحد المؤلفات الروائية وعن بعض آراؤه السياسية، ويعتقد كثيرون أن نشاطاته هذه ساهمت في خلق الأرضية لثورة يناير 2011 على حكم مبارك، والتي شارك فيها بفعالية وفي الصفوف الأولى، رغم أن النزول إلى الميادين كان ينطوي على مخاطر كبيرة كأن يفقد المتظاهر عينه برصاص قناصة الأمن، أو حتى حياته كما حصل مع كثيرين.

وبعد سقوط مبارك أيد علاء الأسواني المرشح الإسلامي محمد مرسي في مواجهة ما رآه مرشح النظام السابق أحمد شفيق، ولكن بعد فوز مرسي بعدة أسابيع تغيّر موقفه لسوء تصرف الإسلاميين في السلطة، فأيّد ثورة 30 يونيو ضد مرسي لأنه اعتبرها سحب الشعب للثقة من الرئيس وهذا حق طبيعي للشعب، ولم يكن المطلوب من الإخوان المسلمين وقتها سوى الموافقة على تنظيم انتخابات مبكرة كما يحدث في دول العالم الديمقراطية، وعندما رفضوا ذلك أفسحوا المجال أمام المؤسسة العسكرية للتدخّل.

وعندما ظهرت ملامح ديكتاتورية جديدة ممثلة بالرئيس السيسي أعرب الأسواني عن معارضته للسلطة الجديدة، خصوصا بعد التعديل الدستوري الذي أتاح للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030 والذي اعتبره تدميرا للدستور، كما قال إن المرحلة الحالية هي الأسوأ والأقل ديمقراطية في تاريخ مصر، ونتيجة موقفه هذا ولصعوبة اعتقاله لأنه شخصية عامة معروفة عالميا فقد تم منعه من الكتابة في الصحف المصرية أو الظهور في مقابلات تلفزيونية، كما تعرض لمضايقات شخصية ومحاولات لتشويه سمعته.

اضطر الأسواني للخروج من مصر وأصبح كاتبا منتظما في صحيفة "دويتشه فيلله" الألمانية، بالإضافة إلى كتابة الكثير من المقالات في أكبر الصحف العالمية لكي يشرح فيها للعالم ما يحدث في مصر، كما يقدم ندوة أسبوعية على "يوتيوب" موجهة للمصريين يحاول عبرها توعية شعبه بأهمية إعادة النظر في طريقة التفكير التي يعتبرها السبب الرئيسي في المشكلات التي تعاني منها مصر حاليا، وخاصة تقبّل الديكتاتورية أو فكرة الأب زعيم الأمّة.

قد يختلف كثيرون مع بعض آراء ومواقف علاء الأسواني ولكن قصة حياته تستحق الدراسة كما تصلح لتكون موضوعا لرواية من ناحية إنتاجه الأدبي المميز والاستثنائي ومقالاته وندواته وقبل جميع هذه الجوانب من ناحية شخصيته، فقد كان بإمكانه أن يعيش الحياة التي يتمناها في بلده مصر لو استطاع التزلّف للحكومة أو حتى التزام الصمت، ولكن الدكتور علاء الأسواني من المؤمنين بأن شرف الإنسان "أن يقول دائما ما يعتقده وأن يفعل دائما ما يقوله" كما صرّح في إحدى ندواته، وقد اختار جملة اختصر فيها رسالته لشعبه، يختتم بها كل ندواته ومقالاته، وهي تصلح كنهاية لأي مقالة موجهة للمنطقة العربية: "الديمقراطية هي الحل".

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.