العرب في المونديال.. حصيلة تثير تساؤلات
العرب في المونديال.. حصيلة تثير تساؤلات

بكى أشهر لاعبي العالم، ليونيل ميسي، وهو يودع ناديه برشلونة الذي احتضنه منذ كان طفلا حتى أصبح نجما لا يتكرر في تاريخ كرة القدم.

بكى ميسي، وستذرف جماهير برشلونة دموعا لرحيله، وستخسر السياحة في برشلونة الملايين لابتعاده، ولن يسلم حتى الاقتصاد الإسباني من غيابه.

تجربة ميسي نموذجا لا تغيب، ولا تُنسى لما يمكن أن تصنعه الرياضة في وطن، وما يمكن أن يحققه لاعب في المجتمع، ملايين سنويا يزورون ملعب "كامب نو" لشراء قميص رقم (10) لميسي، الذي يحقق عائدات بالملايين سنويا للنادي.

هذه الصورة ظلت تلازمني وأنا أتابع مشاركات العرب في دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو، والحصاد النهائي لـ22 دولة، بعضها يملك أكبر الثروات في العالم، لم يتجاوز 18 ميدالية، منها فقط 4 ذهبيات، في حين أن الولايات المتحدة حصدت وحدها 113 ميدالية، والصين 88 ميدالية، وروسيا 71، وبريطانيا 65، واليابان 58، وأستراليا 46، وإيطاليا 40، وألمانيا 37، وهولندا 36، وفرنسا 33.

لا أريد مقارنة الدول العربية مجتمعة بأميركا، أو الصين أو روسيا، فقط أريد مقارنتها ببلد ليس عملاقا وكبيرا مثل هولندا التي تمكن لاعبوها من قطف 36 ميدالية.

لاعب مثل كريستاينو رونالدو كان يحقق إنجازات لريال مدريد أكثر مما تصنع الدول العربية مجتمعة في ميدان الرياضة، وحين قرر نادي يوفنتوس الإيطالي شراءه بـ100 مليون يورو عام 2018، هذا غير تكاليف أخرى مثل راتبه السنوي الذي يزيد عن 20 مليون يورو، وإجمالي الصفقة زادت كلفتها عن 350 مليون، تساءلت كيف سيستعيد النادي العجوز هذا المبلغ الخرافي؟!

والحقيقة أنني كنت ساذجا، إذ خلال أشهر فقط استطاع يوفنتوس أن يبيع قميص كريستاينو رقم (7) بعشرات الملايين من اليوروهات.

لا عجب بشأن ما نجنيه في الواقع العربي، فنحن لا نستثمر في الإنسان، والرياضة عندنا لتلميع الصورة لأنظمة في غالبها غير ديمقراطية، ومساحة واسعة ليحظى الأمراء في العائلات الحاكمة بالشهرة، وبمزيد من النفوذ والقوة، ومدخلا للسيطرة والتحكم في جيل الشباب في بلادهم.

بعض قصص أبطال الأولمبياد العرب من الرجال والنساء تبعث على الحزن، وتُظهر أيضا سوء التخطيط الذي يمنع اكتشاف المواهب والاهتمام بها، لتصنع التغيير والفرق في عالم الرياضة العربي.

لا تغيب صورة لاعبي الجزائر وهم يقهرون أقوى المنتخبات العالمية في نهائيات كأس العالم، والعرب من المحيط إلى الخليج يهتفون معهم "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر"، كانت الجزائر ومن قبلها المغرب تُحيي آمال كل العرب مع كل هدف يهزون به الشباك، وتنمو على هامش الخيبات المتوالية رهانات أن الانتصار يمكن إذا ما أحسن استغلال الفرص، والبناء للمستقبل.

في الذاكرة أسماء حفظها العرب للاعبين ولاعبات في الأولمبياد قهروا الظروف، وصنعوا المستحيل، مثل نوال المتوكل، ومحمد سعيد عويطة، وغيرهم، ورغم عظمة إنجازهم فإن هذه المعجزات العربية لا تتكرر كثيرا.

سمعت عن قصة "بائعة المناديل" في مصر التي شاركت في ماراثون رياضي للأطفال لصالح مرضى القلب بمدينة أسوان، وهي تختصر سيرة وقصة عشرات الألاف من المواهب والطاقات الرياضية المهملة، التي لم توفر لها الفرص لتلمع، وتُثبت قدراتها.

قصتها ذاع صيتها حين شاركت بالماراثون حافية القدمين، وبالجلباب؛ لتلفت الأنظار لسرعتها الفائقة، وتفوز بالسباق.

مثلها قصص كثيرة منسية لم نعرفها، ولم نعثر عليها، أو وأدت بشكل مُبكر لأن الحكومات العربية لم توفر بيئات حاضنة تُمكن الأطفال ليُظهروا طاقاتهم الرياضية.

إذا ما وضعنا جانبا أن الأنظمة العربية آخر همها اكتشاف المواهب، فإننا يمكن أن نعدد أسباب كثيرة لتراجع الرياضية، منها عدم توفير الدعم الاقتصادي، وغياب الأندية والأكاديميات القادرة على الاكتشاف والاستقطاب، هذا عدا عن رؤية مجتمعية غير مشجعة لمن يهتمون بالرياضة، ويرون أنها مستقبلهم.

لم تنجُ الرياضة من "التسييس" والاستقطاب في عالمنا العربي، سواء على مستوى الداخل والخارج، فعلى الجبهة الداخلية يصبح التشجيع لنادٍ عنوانا للاحتراب، ولخطاب الكراهية، والصراع المجتمعي، أما على الصعيد الخارجي فإن الخصومات والثارات الرياضية تتقدم لتصبح واجهة الأحداث، والصراع المُعلن والخفي بعد الأزمة الخليجية ما زال ماثلا، والجميع يدفع ثمنه.

في كل بطولات كأس العالم، أو الأولمبياد، في العقود الماضية لم يترك العرب حضورا لافتا باستثناءات قليلة، ومع ذلك فإن العرب، وخاصة الخليجيين، يشغلون العالم بحضورهم في السنوات الماضية في كل ما يتعلق ب"بزنس" الرياضة، وتتصدر أخبارهم بقاع الأرض.

قطر البلد الصغير، ستستضيف كأس العالم لكرة القدم العام المقبل، ورغم كل الاتهامات والأقاويل عن استضافتها وآليات ترشحها، فإنها صنعت معجزة ببناء مدن وملاعب، وشبكة طرق لاستضافة هذا الحدث العالمي الذي لا مثيل له، وحين تبدأ البطولة ستُطوع قيمها لتتماشى مع هذه التظاهرة، وستُطوع الطقس ليكون ملائما، وتقف خلفها تُساندها، وتروج لها أكبر شبكة إعلام رياضي "بي إن سبورت".

ليس هذا فحسب، فإن قطر تملك الآن أهم أندية أوروبا "باريس سان جرمان"، ومن خلاله تنافس، وتضع أقدامها الرياضية في كل مكان، وتستقطب وتشتري أهم لاعبي العالم، وآخرهم ميسي، عبر هيئة قطر للاستثمار في الرياضة، وبالوجه القطري المعروف والمألوف دوليا ناصر الخليفي.

التنافس الخليجي يصل ذروته في ميدان الرياضة، وأينما نظرت ستجد دولة خليجية تحاول أن تستحوذ على نادٍ رياضي يكون بوابتها للتواجد على الساحة الدولية، فالسعودية عرضت 300 مليون جينية إسترليني لشراء نادي نيوكاسل يونايتد الإنكليزي، ومجموعة أبوظبي للاستثمار، التي يقودها الشيخ منصور بن زايد، استحوذت على نادي مانشستر سيتي أحد أكبر وأهم الأندية الإنكليزية، وأسست مجموعة سيتي لكرة القدم، وتملكت من خلالها 9 أندية في بلجيكا، والهند، وأميركا، وأستراليا، واليابان، وإيطاليا، والصين، وأروغواي.

وطبعا قبل ذلك لا ننسى أن طيران الإمارات، والطيران القطري كانا يرعيان أهم وأكبر ناديين في العالم (ريال مدريد، وبرشلونة) لسنوات طويلة، وبعقود مالية باهظة.

ولي العهد السعودي محمد من سلمان في رؤيته الملكية لعام 2030، يركز على تطوير الاستثمار الرياضي؛ ولهذا فإن السعودية تريد استضافة كأس العالم 2030، واستضافت سباق الفورمولا لعاميين متتاليين، ورالي دكار بعد 100 عام على انطلاقه، وكأس السوبر الإيطالي، وتقول منظمة "غرانت ليبرتي" ومقرها لندن إن الرياض أنفقت ما لا يقل عن مليار ونصف المليار دولار على أحداث رياضية.

ما يُثير الأسئلة والقلق أن الانطلاق الخليجي لحجز مقاعد في الرياضة الدولية، وإنفاق المليارات من الدولارات، لم يواكبه نجاحات موازية في تطوير الرياضة على المستوى الوطني، أو التفكير في النطاق العربي الإقليمي، وتصبح هذه الاستدارة في بعض جوانبها "غسيلا للسمعة" من أزمات سياسية متلاحقة، وقد تكون استثمارا ماليا، ولا يمكن الإنكار أنها "هروب" من الاستثمار في صناعة رياضة وطنية.

أريد أن أتخيل لو أنفقت كل المليارات لصناعة مواهب رياضية في العالم العربي، هل سيكون عندنا يوما "بيليه" عربي يُخلد اسم دولنا كما فعل بيليه للبرازيل؟!

دموع ميسي التي ذرفها حزنا على رحيله من برشلونة، وجد مقابلها مئات الألاف يواسونه، ويبكون فرحا عند استقباله في باريس، في حين لا تجد دموع الألاف من الشباب والشابات الرياضيين في العالم العربي، من يلتفت لها، ويمسحها، وباختصار تُقبر المواهب وتموت دون أن تُنبت آهاتها وأشواقها للتغيير زهرا.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.