العرب في المونديال.. حصيلة تثير تساؤلات
العرب في المونديال.. حصيلة تثير تساؤلات

بكى أشهر لاعبي العالم، ليونيل ميسي، وهو يودع ناديه برشلونة الذي احتضنه منذ كان طفلا حتى أصبح نجما لا يتكرر في تاريخ كرة القدم.

بكى ميسي، وستذرف جماهير برشلونة دموعا لرحيله، وستخسر السياحة في برشلونة الملايين لابتعاده، ولن يسلم حتى الاقتصاد الإسباني من غيابه.

تجربة ميسي نموذجا لا تغيب، ولا تُنسى لما يمكن أن تصنعه الرياضة في وطن، وما يمكن أن يحققه لاعب في المجتمع، ملايين سنويا يزورون ملعب "كامب نو" لشراء قميص رقم (10) لميسي، الذي يحقق عائدات بالملايين سنويا للنادي.

هذه الصورة ظلت تلازمني وأنا أتابع مشاركات العرب في دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو، والحصاد النهائي لـ22 دولة، بعضها يملك أكبر الثروات في العالم، لم يتجاوز 18 ميدالية، منها فقط 4 ذهبيات، في حين أن الولايات المتحدة حصدت وحدها 113 ميدالية، والصين 88 ميدالية، وروسيا 71، وبريطانيا 65، واليابان 58، وأستراليا 46، وإيطاليا 40، وألمانيا 37، وهولندا 36، وفرنسا 33.

لا أريد مقارنة الدول العربية مجتمعة بأميركا، أو الصين أو روسيا، فقط أريد مقارنتها ببلد ليس عملاقا وكبيرا مثل هولندا التي تمكن لاعبوها من قطف 36 ميدالية.

لاعب مثل كريستاينو رونالدو كان يحقق إنجازات لريال مدريد أكثر مما تصنع الدول العربية مجتمعة في ميدان الرياضة، وحين قرر نادي يوفنتوس الإيطالي شراءه بـ100 مليون يورو عام 2018، هذا غير تكاليف أخرى مثل راتبه السنوي الذي يزيد عن 20 مليون يورو، وإجمالي الصفقة زادت كلفتها عن 350 مليون، تساءلت كيف سيستعيد النادي العجوز هذا المبلغ الخرافي؟!

والحقيقة أنني كنت ساذجا، إذ خلال أشهر فقط استطاع يوفنتوس أن يبيع قميص كريستاينو رقم (7) بعشرات الملايين من اليوروهات.

لا عجب بشأن ما نجنيه في الواقع العربي، فنحن لا نستثمر في الإنسان، والرياضة عندنا لتلميع الصورة لأنظمة في غالبها غير ديمقراطية، ومساحة واسعة ليحظى الأمراء في العائلات الحاكمة بالشهرة، وبمزيد من النفوذ والقوة، ومدخلا للسيطرة والتحكم في جيل الشباب في بلادهم.

بعض قصص أبطال الأولمبياد العرب من الرجال والنساء تبعث على الحزن، وتُظهر أيضا سوء التخطيط الذي يمنع اكتشاف المواهب والاهتمام بها، لتصنع التغيير والفرق في عالم الرياضة العربي.

لا تغيب صورة لاعبي الجزائر وهم يقهرون أقوى المنتخبات العالمية في نهائيات كأس العالم، والعرب من المحيط إلى الخليج يهتفون معهم "وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر"، كانت الجزائر ومن قبلها المغرب تُحيي آمال كل العرب مع كل هدف يهزون به الشباك، وتنمو على هامش الخيبات المتوالية رهانات أن الانتصار يمكن إذا ما أحسن استغلال الفرص، والبناء للمستقبل.

في الذاكرة أسماء حفظها العرب للاعبين ولاعبات في الأولمبياد قهروا الظروف، وصنعوا المستحيل، مثل نوال المتوكل، ومحمد سعيد عويطة، وغيرهم، ورغم عظمة إنجازهم فإن هذه المعجزات العربية لا تتكرر كثيرا.

سمعت عن قصة "بائعة المناديل" في مصر التي شاركت في ماراثون رياضي للأطفال لصالح مرضى القلب بمدينة أسوان، وهي تختصر سيرة وقصة عشرات الألاف من المواهب والطاقات الرياضية المهملة، التي لم توفر لها الفرص لتلمع، وتُثبت قدراتها.

قصتها ذاع صيتها حين شاركت بالماراثون حافية القدمين، وبالجلباب؛ لتلفت الأنظار لسرعتها الفائقة، وتفوز بالسباق.

مثلها قصص كثيرة منسية لم نعرفها، ولم نعثر عليها، أو وأدت بشكل مُبكر لأن الحكومات العربية لم توفر بيئات حاضنة تُمكن الأطفال ليُظهروا طاقاتهم الرياضية.

إذا ما وضعنا جانبا أن الأنظمة العربية آخر همها اكتشاف المواهب، فإننا يمكن أن نعدد أسباب كثيرة لتراجع الرياضية، منها عدم توفير الدعم الاقتصادي، وغياب الأندية والأكاديميات القادرة على الاكتشاف والاستقطاب، هذا عدا عن رؤية مجتمعية غير مشجعة لمن يهتمون بالرياضة، ويرون أنها مستقبلهم.

لم تنجُ الرياضة من "التسييس" والاستقطاب في عالمنا العربي، سواء على مستوى الداخل والخارج، فعلى الجبهة الداخلية يصبح التشجيع لنادٍ عنوانا للاحتراب، ولخطاب الكراهية، والصراع المجتمعي، أما على الصعيد الخارجي فإن الخصومات والثارات الرياضية تتقدم لتصبح واجهة الأحداث، والصراع المُعلن والخفي بعد الأزمة الخليجية ما زال ماثلا، والجميع يدفع ثمنه.

في كل بطولات كأس العالم، أو الأولمبياد، في العقود الماضية لم يترك العرب حضورا لافتا باستثناءات قليلة، ومع ذلك فإن العرب، وخاصة الخليجيين، يشغلون العالم بحضورهم في السنوات الماضية في كل ما يتعلق ب"بزنس" الرياضة، وتتصدر أخبارهم بقاع الأرض.

قطر البلد الصغير، ستستضيف كأس العالم لكرة القدم العام المقبل، ورغم كل الاتهامات والأقاويل عن استضافتها وآليات ترشحها، فإنها صنعت معجزة ببناء مدن وملاعب، وشبكة طرق لاستضافة هذا الحدث العالمي الذي لا مثيل له، وحين تبدأ البطولة ستُطوع قيمها لتتماشى مع هذه التظاهرة، وستُطوع الطقس ليكون ملائما، وتقف خلفها تُساندها، وتروج لها أكبر شبكة إعلام رياضي "بي إن سبورت".

ليس هذا فحسب، فإن قطر تملك الآن أهم أندية أوروبا "باريس سان جرمان"، ومن خلاله تنافس، وتضع أقدامها الرياضية في كل مكان، وتستقطب وتشتري أهم لاعبي العالم، وآخرهم ميسي، عبر هيئة قطر للاستثمار في الرياضة، وبالوجه القطري المعروف والمألوف دوليا ناصر الخليفي.

التنافس الخليجي يصل ذروته في ميدان الرياضة، وأينما نظرت ستجد دولة خليجية تحاول أن تستحوذ على نادٍ رياضي يكون بوابتها للتواجد على الساحة الدولية، فالسعودية عرضت 300 مليون جينية إسترليني لشراء نادي نيوكاسل يونايتد الإنكليزي، ومجموعة أبوظبي للاستثمار، التي يقودها الشيخ منصور بن زايد، استحوذت على نادي مانشستر سيتي أحد أكبر وأهم الأندية الإنكليزية، وأسست مجموعة سيتي لكرة القدم، وتملكت من خلالها 9 أندية في بلجيكا، والهند، وأميركا، وأستراليا، واليابان، وإيطاليا، والصين، وأروغواي.

وطبعا قبل ذلك لا ننسى أن طيران الإمارات، والطيران القطري كانا يرعيان أهم وأكبر ناديين في العالم (ريال مدريد، وبرشلونة) لسنوات طويلة، وبعقود مالية باهظة.

ولي العهد السعودي محمد من سلمان في رؤيته الملكية لعام 2030، يركز على تطوير الاستثمار الرياضي؛ ولهذا فإن السعودية تريد استضافة كأس العالم 2030، واستضافت سباق الفورمولا لعاميين متتاليين، ورالي دكار بعد 100 عام على انطلاقه، وكأس السوبر الإيطالي، وتقول منظمة "غرانت ليبرتي" ومقرها لندن إن الرياض أنفقت ما لا يقل عن مليار ونصف المليار دولار على أحداث رياضية.

ما يُثير الأسئلة والقلق أن الانطلاق الخليجي لحجز مقاعد في الرياضة الدولية، وإنفاق المليارات من الدولارات، لم يواكبه نجاحات موازية في تطوير الرياضة على المستوى الوطني، أو التفكير في النطاق العربي الإقليمي، وتصبح هذه الاستدارة في بعض جوانبها "غسيلا للسمعة" من أزمات سياسية متلاحقة، وقد تكون استثمارا ماليا، ولا يمكن الإنكار أنها "هروب" من الاستثمار في صناعة رياضة وطنية.

أريد أن أتخيل لو أنفقت كل المليارات لصناعة مواهب رياضية في العالم العربي، هل سيكون عندنا يوما "بيليه" عربي يُخلد اسم دولنا كما فعل بيليه للبرازيل؟!

دموع ميسي التي ذرفها حزنا على رحيله من برشلونة، وجد مقابلها مئات الألاف يواسونه، ويبكون فرحا عند استقباله في باريس، في حين لا تجد دموع الألاف من الشباب والشابات الرياضيين في العالم العربي، من يلتفت لها، ويمسحها، وباختصار تُقبر المواهب وتموت دون أن تُنبت آهاتها وأشواقها للتغيير زهرا.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.