من مسابقات الطائرة الشاطئية في أولمبياد طوكيو
من مسابقات الطائرة الشاطئية في أولمبياد طوكيو

3 ميداليات ذهبية في الألعاب الأولمبية.. لكن عيبها الحقيقي والخطير.. أن شعرها قصير!

إنه، بالتأكيد، عيب خطير ومساس بأنوثتها وبصورة الفتاة المحترمة وقيم الأسرة التقليدية في... كوريا الجنوبية.

هذه ليست قصة مبتدعة من وحي الخيال. إنها الحكاية الحقيقية للبطلة الأولمبية "آن سان" التي تعرضت لهجوم شديد في بلدها، رغم حصولها على 3 ذهبيات في الألعاب الأولمبية. سبب الانتقادات لا يعود لكفاءاتها الرياضية، بل ببساطة.. لأن تسريحة شعرها القصيرة تجعلها، في نظر البعض، "تفقد أنوثتها" وتصبح "متهمة" بالنسوية (وكأن النسوية عار أو جريمة).

هذه الانتقادات دفعت العديد من النساء في كوريا الجنوبية لإطلاق حملة تضامن على تويتر، تحت هاشتاغ women_shortcut_campaign#.

هل نتخيل أن تصبح تسريحة الشعر وطوله لدى النساء شكلا من أشكال الاحتجاج؟ بدل أن تبقى في موضعها الطبيعي كاختيار جمالي يختلف من سيدة لأخرى؟

لماذا يعتبر المجتمع أن من حق الآخرين أن يقرروا للنساء شكل لباسهن وتسريحة شعرهن حسب مقاييس لا تأخذ بعين الاعتبار اختياراتهن الشخصية، وإنما معايير جماعية يقررها الآخرون؟

مقاييس تربط بين طول الشعر والتنورة ... وبين الأخلاق.

هل نتخيل مثلا أن يقرر المجتمع، في القرن الواحد والعشرين، أن كل رجل لا يربي ذقنه هو رجل فاسد دون أخلاق؟ أو أنه ليس أهلا للزواج ولا للاحترام؟ وأن الذقن هي الدليل الوحيد على الشرف والأخلاق؟

في نفس الصيف، تلقت رياضيات الفريق النرويجي لكرة اليد الشاطئية قرارا يقضي بأدائهن لغرامة مالية قيمتها 150 يورو لكل لاعبة، لأنهن ارتدين الشورت القصير بدل البيكيني!

في مصر أيضا، وبعد فوز فريال أشرف وجيانا فاروق وهداية ملاك بميداليات ذهبية، وبدل أن يطرح النقاش حول الرياضة وتشجيع الرياضة وتمويل الرياضة حتى يكون للمصريين (وللمغاربة والتونسيين واللبنانيين وغيرهم) أبطال أولمبيون... بدأ النقاش حول حجاب البطلات: "هل رأيتم؟ الحجاب لا يمنع النساء من التألق والنجاح!"؛ وكأنهن فزن، ليس لمجهودهن الشخصي، بل بسبب (أو بفضل) الحجاب.

أحد الشيوخ المشاهير، وهو يربط بين الفوز وبين الحجاب، في إطار التناقضات المعهودة في هذا الإطار، لم ينس أن يشير لكونهن، رغم فوزهن بحجابهن، قد مارسن الرياضة و"التنطيط" والانحناء أمام الرجال، وهي أفعال تخالف الشرع!

إذن، ففوزهن بالحجاب دليل على أن الحجاب جميل.. لكن نفس فوزهن بالحجاب مخالف للشرع لأنهن يمارسن "التنطيط" أمام الرجال! هل رأيتم أي التناقض في الموضوع؟

نحن هنا أمام أحداث متفرقة من كوريا الجنوبية، مصر والنرويج... لكن قاسمها المشترك هو هذا الهوس بأجساد النساء وبشعرهن.

كيف نحول النقاش من الإنجازات الرياضية والميداليات والكفاءات.. إلى حديث عن الحجاب والشعر القصير والبيكيني؟

هل يفوز بطل رياضي أو فريق في تخصص رياضي معين، بفضل مجهوداته وتضحياته وتمارينه ومواظبته.. أم يفوز بسبب انتمائه الديني، أو الجنسي، أو بسبب طول وقصر شعره أو بسبب حجابه أو مثليته أو إلحاده أو تدينه أو مواقفه السياسية؟

تخيلوا أن نكون أمام فائزات بميداليات ذهبية أولمبية (أو بثلاث ذهبيات، في حالة آن سان)، وأن يقتصر النقاش على الشعر والحجاب؟

هذا الهوس بأجساد النساء واختزال كفاءاتهن وإنجازاتهن في أجسادهن، هو في النهاية مرض كوني لا يسلم منه مجتمع دون غيره.

سنة 2004، خلال انعقاد الألعاب الأولمبية بأثينا، أجرى عدد من الباحثين دراسة حول العروض التلفزيونية التي تقوم ببث مسابقات كرة اليد الشاطئية للنساء (التي يقوم الرجال بإخراج معظمها)، ليصلوا إلى النتيجة التالية: 20 في المئة من الصور التي تبث على التلفزيون كانت تركز على صدر اللاعبات، و17 في المائة على مؤخراتهن.

كوني بطلة وتَمَرَّني واجتهدي... في النهاية، ستختزلك النظرة الذكورية في نهد ومؤخرة وحجاب وشعر قصير.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.