في مثل هذا الأسبوع، قبل عام، صنعت إسرائيل والإمارات العربية المتحدة حدثا تاريخيا حين اتفقتا على تطبيع العلاقات الدبلوماسية بينهما.
كان هذا الإعلان "اختراقا" سارت على دربه دول أخرى مثل البحرين والمغرب وكذلك السودان. لقد تم التوقيع على ما صارت تعرف باسم "الاتفاقيات الإبراهيمية"، والآن، تنمو الروابط بين هذه الدول بوتيرة متسارعة، بالتزامن مع تداعيات كبرى تؤثر على المنطقة، والولايات المتحدة.
من الناحية الاقتصادية، لا يجوز التشكيك بما أحرزته الاتفاقيات من مكاسب، فعلى سبيل المثال، بلغت أرقام التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة مستويات مرتفعة، قبل عامين كان حجم التجارة الثنائية بينهما 15 مليون دولار، أما هذا العام فقد تجاوز حتى الآن 500 مليون دولار، ويمكن أن يبلغ مليار دولار بنهاية عام 2021، وإذا تم ذلك، ستتقدم الإمارات إلى الفئة الأولى بين شركاء إسرائيل التجاريين حول العالم.
العلاقات التجارية تزدهر أيضا مع البحرين.. قبل أشهر، توقع المسؤولون الإسرائيليون أن يصل حجم التجارة، غير العسكرية، بين البلدين، إلى 220 مليون دولار هذا العام، علما بأنها لم تتجاوز مئات آلاف الدولارات سنويًا في السابق. وللحفاظ على ذلك الزخم، توصل مسؤولو البلدين، في يوليو الماضي، إلى إطار عمل لتسريع التبادل التجاري والبحث والتطوير والتبادلات التجارية.
أما بالنسبة للمغرب، فقد طفت إلى العلن عقود من العلاقات التجارية غير الرسمية، دعمها الحضور الكبير، والنابض بالحياة، في إسرائيل للمهاجرين من أصل مغربي.
وفيما أطلق البلدان مؤخرًا رحلات جوية مباشرة، ذكر تقرير حكومي إسرائيلي أن الصادرات إلى المملكة، التي كانت قيمتها أقل من 4 ملايين دولار في عام 2019، يمكن أن تصل قريبا إلى ربع مليار دولار سنويًا.
وبالتزامن مع كل ذلك يتطور التكامل السياسي.. عينت كل من الإمارات والبحرين والمغرب مبعوثين رسميين إلى إسرائيل، وسيتخذ السودان الخطوة ذاتها قريباً، كما تأسست مجموعات عمل مشتركة في مجالات الزراعة والأمن، وحتى على النطاق الشعبي، فقد ازدهرت السياحة الإقليمية رغم جائحة كورونا، إذ يستغل الناس إزالة عوائق السفر بين تلك الدول لرؤيتها للمرة الأولى.
على الصعيد الإستراتيجي، تسير دول الاتفاق الإبراهيمي صوب تحالفات أكثر عمقا.. قبل نحو 10 سنوات، مهدت مخاوف متزايدة بشأن التهديدات الإيرانية الطريق لإجراء اتصالات مبكرة هادئة بين إسرائيل ودول الخليج، أما اليوم فيزداد هذا التوجه تركيزا.
في مارس الماضي، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس عن خطط لتطوير "ترتيب أمني خاص" مع حلفاء إسرائيل الخليجيين الجدد لمواجهة إيران، وفي أغسطس الجاري، وقع مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة "دراسات"، مذكرة تفاهم مع معهد القدس للدراسات الاستراتيجية، تمهيدا لإجراء أبحاث مشتركة بشأن سبل مواجهة إيران على الساحتين الأيديولوجية والدبلوماسية.
إن هذه التطورات كافة يدفعها قدما منطق بسيط، فما يعزز "الاتفاقيات الإبراهيمية" ويدفع نموها، يتركز على حقيقة أن ما توفره من ازدهار وأمن واتصالات مشتركة، يصب بأكمله في مصلحة البلدان الموقعة عليها.
هكذا ينبغي أن تكون الحال في واشنطن أيضا، ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة غائبة حاليا بشكل واضح عن هذه الترتيبات الجديدة.
خلال فترة ولايتها، جعلت إدارة ترامب مبدأ التطبيع العربي الإسرائيلي محورًا لسياستها في الشرق الأوسط، واستثمرت بكثافة لتحويل هذا النموذج إلى حقيقة واقعة، وفي المقابل، فعلت إدارة بايدن العكس. لقد نأت بنفسها عن تقدير أهمية تلك الاتفاقيات، فضلا عن إلقاء ثقلها السياسي أو الاقتصادي خلفها.
في الوقت ذاته، أدت جهود إدارة بايدن المستمرة لإعادة الانخراط مع النظام الإيراني إلى وضع الولايات المتحدة على خط خلاف جوهري مع حلفائها التقليديين في الشرق الأوسط، بشأن ما يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره التحدي الأمني الأكثر أهمية في المنطقة.
قد تكون العواقب وخيمة، فمع عدم الالتفات إلى الاتجاهات الاستراتيجية الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط، تخاطر الولايات المتحدة بتحويل نفسها إلى دور المتفرج. ومع الإحجام عن دعم الشراكات الاقتصادية والسياسية الناشئة، فإن تحركات أطراف آخرى، الصين مثلا، قد تطغى على دور واشنطن في المنطقة، والمحصلة النهائية أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها قريبًا متخلفة عن الركب في منطقة سريعة التغير.

