ما هي خيارات المجتمع الدولي في مواجهة توحش حركة طالبان؟
ما هي خيارات المجتمع الدولي في مواجهة توحش حركة طالبان؟

مثل الغيوم السوداء والعواصف المدمرة، يزحف مسلحو حركة طالبان رويدا رويدا ليحتلوا سماء وأرض أفغانستان كلها. لكنهم في طريقهم لا يقضون فحسب على خصومهم السياسيين والعسكريين، وإنما أيضا على أي أمل للأفغان في الخروج من دوامة العنف والعزلة.

وتعكس العقلية الانتقامية والإجرامية المستحوذة على قادة الحركة، بما في ذلك التصفيات التي تقوم بها للكوادر الحكومية والصحفيين والنشطاء الحقوقيين، الرغبة في تجريف البلاد من جميع الخبرات التي راكمتها طوال العشرين عاما الماضية.

وقد تسارعت هذه العمليات في الآونة الأخيرة بصورة مقلقة، حيث اغتال مسلحو طالبان اثنين من موظفي النيابة العامة يوم الأحد (8 أغسطس)، في هجوم استهدف سيارتهما في شمال شرقي العاصمة كابل.

وقبلها بيوم (السبت 7 أغسطس) نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أفغان أن طيارا في سلاح الجو الأفغاني قتل بأحد أحياء العاصمة في تفجير تبنته حركة طالبان. والطيار هو الثامن الذي يقتل في إطار الحملة لاستهداف وتصفية الطيارين الحربيين الأفغان الذين تلقوا تدريبا أميركيا.

وفي يوم الجمعة (6 أغسطس) اغتال مسلحو طالبان بالرصاص مدير مركز الإعلام الحكومي "داوا خان مينابال" في العاصمة الأفغانية.

وفي السابق كانت طالبان تتجنب الاعتراف بمثل هذه الجرائم وتنسبها لجهات مجهولة. لكنها اليوم تسارع إلى إعلان المسؤولية وتتوعد بارتكاب المزيد منها.

ومع استمرار زحفها نحو مختلف المراكز الحضرية والمدن والمقاطعات الأفغانية، يتوقع أن يتصاعد هذا النوع من الجرائم الذي يستهدف مؤسسات المجتمع المدني وخاصة النساء والناشطين، فضلا عن المؤسسات التعليمية والثقافية والفنية، وجميع مظاهر الحياة العصرية والتي كان الكثيرون يعولون عليها لتحديث المجتمع الأفغاني مع مرور الوقت.

وبخلاف كثير من دول العالم فإن الصراع في أفغانستان، لا يدور فقط حول السلطة السياسية، ولكنه يحمل معه صراعا آخر أيضا وهو المتعلق بالخيارات الحضارية للبلاد.

وعودة طالبان للحكم، تعني إعادة أفغانستان عقدين أو ثلاثة عقود إلى الوراء، مع ما يحمله ذلك من مآس وكوارث للعديد من الفئات، ولا سيما الأقليات الدينية والعرقية والثقافية.

والسؤال الذي يطرحه الكثيرون هو، ما هي خيارات المجتمع الدولي في مواجهة توحش حركة طالبان؟ وكيف يمكنه ممارسة الضغوط عليها لمنعها من الذهاب نحو الأسوأ؟

وفي حين لا أحد يتوقع أن تلجأ الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الغربية إلى الخيار العسكري من جديد، فإن خيار العزل والعقوبات والضغوط الدبلوماسية، وهو المرجح في هذه الحالة، يظل قاصرا عن ممارسة التأثير اللازم.

فمن الناحية المالية، طورت حركة طالبان مصادر تمويلها الخاصة التي مكنتها من البقاء طيلة هذه السنوات، وقد باشرت منذ بداية حملتها العسكرية الحالية في السيطرة على المعابر بين أفغانستان والدول المجاورة مثل طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وإيران، وهذه خطوة مهمة ومقصودة لأنها تؤمن لها التحكم في عمليات تصدير الأفيون والمخدرات إلى العالم الخارجي. كما أنها تساعدها ماليا عبر جمع الضرائب وتحصيل الرسوم.

أما من الناحية الدبلوماسية، فمن الواضح أن الراعية الإقليمية لطالبان وحليفتها الرئيسية باكستان، لا تزال ملتزمة بتقديم كل أشكال الدعم للحركة. وفي ظل التحالف المتعاظم بين باكستان والصين، يتوقع أن يتم ضم طالبان إلى هذا المحور، وإقناع بكين بالاستثمار في البنية التحتية لإمارة أفغانستان الإسلامية.

 هذا يعني أن تأثير العقوبات والضغط الدبلوماسي الغربي على طالبان يمكنه أن يصبح مصدر إزعاج، لكنه لن يكون حاسما في تغيير سياساتها أو سلوكياتها.

ويظل السؤال الأكثر إلحاحا، بل وربما إحراجا هو: هل توجد طريقة كي تحافظ الولايات المتحدة ودول حلف الناتو على نفوذ ما في أفغانستان رغم الانسحاب العسكري، وبحيث لا يذهب ما أنفقته طوال العشرين عاما الماضية هباء منثورا؟

الإجابة على هذا السؤال لا تبدو سهلة أو مباشرة. فمن جهة أنفقت الحكومة الأميركية عشرات المليارات من الدولارات على تدريب وإعداد وتسليح القوات الأفغانية وكذلك قوات الأمن والاستخبارات التابعة للحكومة. وإذا فشلت هذه القوات في الوقوف في وجه حركة طالبان أو الاحتفاظ بالعاصمة وبعض المدن الرئيسية، فيمكن اعتبار أن تلك المساعدات قد ذهبت بالفعل هباء منثورا.

لكن من الناحية الأخرى، وعلى المدى المتوسط فان الاستثمار الذي تم في مجال التعليم والبنية التحتية وكذلك في المؤسسات الأفغانية المختلفة، قد يدفع الأجيال الجديدة من الأفغان إلى رفض الأساليب والنهج الذي تسير عليه حركة طالبان.

وحين يجد الأفغان أنهم باتوا وحدهم في الميدان ووجها لوجه مع هذه العصابات الظلامية، فربما يشكل ذلك حافزا لهم للدفاع عن أنفسهم. هذا هو أحد الاحتمالات، ولكنه ليس الوحيد بالطبع، فهناك أيضا احتمال أن تنجح طالبان في إخضاع الأفغان لأطول فترة ممكنة.

أيا يكن الأمر، من المهم ألا يتخلى المجتمع الدولي كلية عن الأفغان وأن يكون جاهزا لمد يد العون والمساعدة لهم حيثما كان ذلك ممكنا، فمن الواضح أن الطريق أمامهم طويل جدا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.