المغرب
المغرب في انتخابات 2016

على بعد أقل من شهر على موعد الانتخابات المقرر إجراؤها في المغرب يوم الثامن من سبتمبر 2021، وفي ظل قرار منع عمل مؤسسات استطلاع الرأي قبيل موعد الانتخابات، "حفاظا على مصداقيتها ونزاهتها"، (كما حصل في انتخابات 2016)، تبقى تحليلات المراقبين ومداخلات المحللين السياسيين وحدها تتلمس رسم ملامح المشهد السياسي المقبل بعد التاريخ المذكور، والحديث عن الأحزاب المحتمل ترتيبها ضمن الرتب الأولى المؤهلة لتشكيل التحالف الحكومي الجديد، اعتبارا لطبيعة نظام انتخابي مدروس وفق دستور 2011، وضعت بنوده بعناية فائقة لإفراز بلقنة سياسية خالصة، لا تمنح أي حزب فرصة الفوز بالأغلبية وتأليف حكومة منسجمة. 

في الأيام الأخيرة تعالت بعض الأصوات مطالبة بتأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق، بسبب تفاقم وباء "كورونا"، إذ زادت من جديد أرقام الوفيات الناتجة عن الفيروس، مع تزايد عدد الإصابات المسجلة يوميا، رغم تواصل حملة التطعيم واستفادة أكثر من ثلث السكان من اللقاحات المضادة للفيروس، ما جعل السلطات تعود إلى التدابير الاحترازية وفرض الحجر الصحي.

المرجح، سواء تم تنظيم الانتخابات في موعدها أم جرى تأجيلها، فإنه لن تتبدل صورة المشهد السياسي، أو تأتي مختلفة عما سبقها، مهما تباينت أسماء التشكيلات الحزبية التي ستفرزها النتائج.

ويظل هاجس ارتفاع نسبة المقاطعة ماثلا، لأسباب عديدة، يزيد من تصاعد حدتها تطور منسوب عبثية الحياة الحزبية بالمغرب. يضاف إلى هذا فك  تحالف "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، بعد أن تقدم في الانتخابات السابقة بلوائح موحدة ومرشحين مشتركين. لذلك ينتظر أن تنضاف نسبة المقاطعين من صفوف المتعاطفين مع أحزاب الفيدرابية المنفرطة، بعد خيبتهم في رؤية "حلم الحزب اليساري الكبير".

بعد الاشتراكيين.. معاقبة الإسلاميين

لا شك أن أغلبية من سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع، يوم 8 سبتمبر، سيعاقبون حزب العدالة والتنمية ("البيجيدي" اختصارا)، ذا التوجه الإسلامي. وقد ظهرت مؤشرات تراجع "البيجيدي" في نتائج الانتخابات المهنية الأخيرة. بعد أن بات في مأزق لا يحتمل، نتيجة تسديد معظم سهام الانتقادات ضده بشكل مضاعف وحاد، بسبب تجربته غير المرضية في تسيير الشأن العام، إذ خيب آمال من راهنوا على "حزب ناسه يعرفون ما بينهم وبين الله"، "نزهاء وعدوا بمحاربة الفساد، فإذا بهم هم رعاة الفساد". "لا يتورعون عن مناقضة كل ما رفعوه من شعارات تخليق الحياة السياسية ومن مواقف ومبادئ".

لقد وقع لــ "البيجيدي" أكبر مما حصل للاتحاديين (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) بعد مشاركتهم في ما سمي بــ"حكومة التناوب"، (من 1998 إلى 2002)، وعدم انسحابهم من الوزارات بعد "الخروج عن المنهجية الديمقراطية" حسب لغتهم، ليستمروا في حكومتي كل من التكنوقراطي إدريس جطو (2002- 2007) والاستقلالي عباس الفاسي (2007- 2012). ثلاث دورات انتخابية كاملة من تبوُّؤ المسؤولية الحكومية، كان من شأنها أن تمرغ رصيد الحزب الاعتباري في الحضيض، خصوصا وأن ما كانت تنتظره طبقات وفئات الشعب من الاتحاديين بعد أربعة عقود من المعارضة الراديكالية، تحول في لحظة مارقة (دامت 12 سنة) إلى فقاعة وكذبة أبريلية.

وما زاد طين الاتحاد الاشتراكي بلَّة هو انقلابه السريع من حزب مناضل، عرف بدفاعه عن مطالب الطبقات الشعبية، وأدى أعضاؤه ضريبة عالية من السجون والتعذيب والمنافي والاغتيالات، إلى إطار لا يختلف قيد أنملة عن باقي أحزاب السلطة، التي كان يسميها في الأمس القريب بـ"الأحزاب الإدارية" و"المخزنية"، بل صار حزب الاتحاد الاشتراكي يزايد على أحزاب السلطة، وتزعم قيادته "أنه يصبن أحسن"، على حد عبارة ترويجية لمسحوق غسيل مشهور.

الحزب السري 

إن الأحزاب المغربية، كما يقول معارض مخضرم، أضحت حزبا واحدا، تخضع جميعها لتعليمات وأوامر "الحزب السري"، وما التشكيلات السياسية الحزبية التي تملأ المشهد سوى تنويعات الواحد المتعدد، لا تملك استقلاليتها، وتلهج بالشعارات والوعود ذاتها، تبعا لإرادة مسير أوركسترا معروف لكنه لا يبدو للناظر.

يوضح منشق عن الاتحاد الاشتراكي أن "الديمقراطية في المغرب، مثلها مثل نظيرتها في الأقطار العربية وغيرها من الدول الدكتاتورية والمتخلفة، لا يميزها سوى أنها باتت محبوكة بإتقان، حيث أن أولي الأمر تمكنوا في النهاية من إخضاع جميع الأحزاب لإرادة السلطة، للانخراط في مشروع "ديمقراطية الواجهة". سياسة منهجية تنسب تفاصيل أسرارها لوزير الحسن الثاني في الداخلية إدريس البصري. ويبدو بالنسبة للعهد الجديد أنه مشروع البصري لا يزال صالحا للاستهلاك. لا شك في بريقه الجذاب، لكن ما إن يرفع الغطاء عن "طاجين" الديمقراطية المغربي، حتى تفوح منه رائحة تزعج. فمع امتداد سنوات الطهي وإعادة الطبخ والتسخين يجد المتطلع نفسه مختنقا بأدخنة الحريق. فالطبخة احترقت وفسدت، لكن هناك إصرار على تزيينها بذرذرة بهارات فوقها وتقديمها كطبق شهي. وإذا لاح تشكيك ما، فإن لازمة "الخصوصية" و"الاستثناء المغربي" جاهزة للرد وللجدال".

لذلك، نظمت الانتخابات في وقتها أم تم تأجيلها، لا فرق. ولا بأس إذا تم توظيف المال بشكل مكثّـف في شراء الأصوات، فعملية البيع والشراء باتت حلالا وعرفا، وتتم مجاهرة وفي ما يشبه العلن.

(من الطرائف في هذا الصدد، تقاسم صورة على الواتساب والفيسبوك بين المغاربة، لورقة نقدية من فئة 200 درهما، مع تعليق يقول: هذه الورقة لا تكفي لشراء ثلاثة كيلو لحمة، لكنها تستطيع شراء أكثر من 80 كيلو يزنها ناخب واحد).

وأيضا، ليس ملحا أن يذهب الناس بكثافة إلى التصويت، أو أتت نسبة المشاركة ضعيفة، فالأجهزة المشرفة ستنفخ دائما في نسبة المشاركة، و"تقضي الغرض" بمن حضر.

تدجين الأحزاب

لقد نجح المخزن في تدجين أحزاب المعارضة التقليدية، فلم يعد يميزها عن غيرها من التشكيلات الحزبية الأخرى، سوى "تاريخ مجيد وتراث عريق"، لا يتم التعاطي معه إلا في مناسبات نادرة، بغرض التباهي والاستقطاب، وحسب الظرفية والحاجة، ليس غير.
وإذا استثنينا الأحزاب اليسارية الثلاثة المعارضة، وهي المشكلة لليسار الديمقراطي، (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي)، يظل حزب النهج الديمقراطي (تيار من المنظمة الماركسية السرية "إلى الأمام"، تم الاعتراف به سنة 1995)، مفردا بين الأحزاب المغربية يلوح دائما براية مقاطعة الانتخابات.

هي لعبة مكسورة من المنطلق. من بين عناوينها "الترحال السياسي"، ويشبه انتقال لاعبي الكرة بين الأندية. منتخبٌ فاز باسم حزب الاتحاد الدستوري تجده في الانتخابات التالية مرشحا مع الاتحاد الاشتراكي . أو عضو يميني تم رفض ترشيحه من حزبه فلجأ إلى حزب يساري، ما الفرق؟ هي نفس اللغة والشعارات والمواقف والأهداف والمسافة نحو الامتيازات.

كما تنتعش بالمناسبة "بورصة بيع التزكيات الانتخابية"، ويبرز في الصدارة الأعيان من ذوي الغنى والجاه، وأصحاب الأموال ومروجي الممنوعات، من يطلق عليهم "أصحاب الشّكّارة"، وهم يقومون بجولة "شوبينغ" في شوارع الأحزاب، ليختاروا الحزب الذي يرغبون في الترشح باسمه، أو الذي تم توجيههم لاقتناء التزكية من رئيسه، والمبالغ المالية أكيد كبيرة ووفيرة نقدا. تتوازى هنا تقريبا جميع قيادات الأحزاب، لكن أبرزهم الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر، الذي خرجت عدة شخصيات من حزبه تفضحه أمام الرأي العام، وتتهمه بالمتاجرة في تزكيات الترشح باسم الاتحاد، وجلب أشخاص غير لائقين ومشتبه فيهم.

لكن أطرف مثل، هو ترشح أمين عام حزب الاستقلال السابق حميد شباط  ضمن لوائح حزب جبهة القوى الديمقراطية (المنشق عن حزب التقدم والاشتراكية)، بعد إبعاده من صفوف حزب علال الفاسي. 

غاب حميد  شباط عن المغرب بعد فشله في المحافظة على منصب عمدة مدينة فاس، وضياع منصبه في الأمانة العامة للحزب. فتخلى عن مهامه ودوره البرلماني، دون أن يتخلى عن تعويضاته وامتيازاته، ثم عاد من إقامة سياحية ما بين ألمانيا وتركيا استغرقت أكثر من سنتين، ليشغل الواجهة من جديد مرشحا لرئاسة بلدية فاس.

تكتمل الحكاية، بتسابق جميع الأحزاب وزعمها أن برنامجها هو "برنامج صاحب الجلالة"، ومع صدور تقرير ما يسمى بـ"لجنة النموذج التنموي" صارت هذه الأحزاب تتبارى حول أفضليتها في تطبيق برنامج "لجنة شكيب بنموسى" (وزير الداخلية السابق الذي رأس اللجنة الملكية). دون الانتباه إلى أن أول فشل لاختبار "النموذج التنموي الجديد"، المتهافت عليه، قد تم وحصل، وهو عدم النجاح في تحفيز الناخبين واستقطاب فئات الشباب، وإقناعهم بأهمية المساهمة في البناء الديمقراطي، واسترجاع الثقة في المؤسسات، تفاديا للاحتقان الاجتماعي، وتجنبا للاحتجاجات الشعبية التي عاشتها وتشهدها عدة مناطق وجهات بالمملكة.

تحالف غير طبيعي!

الأكثر عبثية واستغرابا من كل ذاك، هو إعلان التحالف ما بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة ("البام" اختصارا).

تحالف نشاز وغريب في شكله ومضمونه، خصوصا إذا علمنا أن أسباب نزول "البام" عام 2009، هي محاربة "البيجيدي" كحزب يستخدم الدين الإسلامي. خاض "البام" معارك على واجهات عدة ضد "البيجيدي"، منها: المسيرة الوطنية الحاشدة عشية انتخابات 2016، التي جندت فيها السلطات لصالح "حزب القصر (البام)" لوجستيك النقل الخاص بمؤسسات عمومية من أجل تعبئة واستقدام آلاف الجماهير إلى شارع محمد السادس بالدار البيضاء. وسارت تحت شعار "ضد أسلمة الدولة والمجتمع". كان مشهدا لافتا لا ينسى بمبالغته العبثية، إذ إن الحشود التي جيء بهم من المدن والقرى البعيدة لم يكونوا يعرفون لماذا أقحم بهم في المسيرة، ولم يكونوا يعرفون ما هو مكتوب في اللافتات والصور التي رفعوها. وقد اشتهرت هذه المسيرة باسم "مسيرة ولد زروال"، وهو لقب لكائن انتخابي معروف لدى ساكنة إحدى الضواحي الفقيرة بولاية الدار البيضاء، حين صرحت امرأة بأنها لبت نداء "ولد زروال"، فهو من يتكرم عليها كل انتخابات بمساعداته، وقالت أنه اقتنى لها مرة أضحية العيد الكبير. 

وقد وثقت وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإعلام الجديد تفاصيل هذه المسيرة ــ الفضيحة.

استعصاء إلى إشعار آخر

 إن مصداقية الأحزاب دائما مطروحة على المحك، فما معنى ومضمون معارضة "البام" لحكومتي "البيجيدي" المتتاليتين، الأولى برئاسة عبد الإله بنكيران، والثانية برئاسة سعد الدين العثماني؟

ألا يدخل هذا، كما كتب مدون في نطاق "العبث ودفع المغاربة إلى مزيد من النفور واحتقار السياسيين، لأنهم لا يتعاملون مع السياسة بما يكفي من الجدية؟!".

تلك بعض أعطاب المشهد الحزبي في المغرب، ووفق ما صرح به الباحث الأنثروبولوجي والأستاذ في جامعة برنستون الأميركية، د. عبد الله حمودي، مع هذه المعطيات وغيرها "يصبح من غير الممكن الحديث عن انتقال ديمقراطي في المغرب". 
ويظل إحجام الناخبين بأعداد كبيرة عن المشاركة في الانتخابات عنوان مرحلة طال أمدها، حملت أوصافا ومسميات، منها: "المسلسل الديمقراطي" و"الانتقال الديمقراطي" و"التحول الديمقراطي".

ومن دون تعمد النظر من خلف نظارة سوداء، ودرءا لأي اتهام بافتراض تطرف أو عدمية، لا يمكن للمتتبع إلا أن يستخلص مما سلف ألا مفاجأة بالانتظار، ولا مؤشرات ملموسة في تجديد قواعد اللعبة السياسية قد تؤكد وجود رغبة جادة في التغيير، وفي إنجاز مشهد ديمقراطي حقيقي. 

لذلك يبقى الوضع مستمرا على ما هو عليه إلى إشعار آخر.
 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.