زنار نار يقضي منذ أيام على الأرواح والأخضر واليابس في الجزائر
زنار نار يقضي منذ أيام على الأرواح والأخضر واليابس في الجزائر

إلى اليوم، مازالت صور الحيوانات المنكوبة وسط الدمار المرعب الذي أحدثته الحرائق في أستراليا بين عامي 2019-2020 من أكثر الصور المؤثرة التي تفطر القلب. وللتذكير، دمرت النيران في حينه أكثر من عشرة ملايين هكتار من الغابات، وقضت على ما يقدر بأكثر من نصف مليار حيوان، وهددت أنواعا برية أخرى بالانقراض.

للتذكير أيضاً، التهمت الحرائق العام الفائت بعضاً من غابات الأمازون المصنفة بـ"رئة العالم"، والتهمت جزئاً حيوياً من رئتي جبال لبنان وسوريا ومناطق أخرى في العالم. وها هي ذي تتجدد هذا الصيف مثل زنّار نار يلهب محيط الأرض من غربها الأميركي في كاليفورنيا، إلى شرقها الصيني والهندي، مروراً بتركيا واليونان ولبنان، ويقضي منذ أيام على الأرواح والأخضر واليابس في الجزائر. 

إن لم تكن حرائقٌ فهي فيضانات أو بالعكس، لتتكرر هذه المتوالية الكارثية منذ سنوات تاركة خلفها ذكريات وفجائع فردية وجماعية، وخسائر لا تقدر في الممتلكات والأرزاق والبنى التحتية، فضلا عن الخسارة العظمى المتعلقة بالحاجة إلى الأمل والصبر لسنوات طويلة لاحتمالية تعويض احتراق الغطاء الأخضر تحديداً.

العام المقبل وما سيليه، ربما لن نكون بحاجة إلى التذكر أو التذكير، إذ بات من شبه المؤكد علمياً أن العالم على موعد سنوي أو موسمي مع هذا التطرف المناخي شديد القسوة، والذي أكده التقرير الأخير لخبراء المناخ في الأمم المتحدة واعتبره، مجرد بداية.

إن كانت الأسباب باتت معروفة، وتتراوح بين نزعة الشرور والأذية عبر افتعال الحرائق عمداً  لأسباب سياسية أو اقتصادية أو شخصية انتقامية، وبين الفساد وسوء الإدارة والتحطيب الجائر والقضاء على الحياة البرية والجفاف وغيرها من الأسباب التي يقف في مقدمها التغير المناخي والاحتباس الحراري الذي تسببت به الحضارة المعاصرة. فهل يمكن السعي الجاد للبدء بتنفيذ الحلول الإنقاذية الطارئة؟

لنتذكر أولاً ما رصده العلماء العام الفائت إثر اجتياح جائحة كورونا في موجاتها العاتية الأولى من متغيرات بيئية رئيسة، كان في مقدمها تحسن جودة الهواء بسبب تراجع نسب تركز غاز أكسيد النيتروجين المنبعث بشكل أساسي من عوادم السيارات والمصانع، وتراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بسبب توقف النشاط الاقتصادي، ونظافة المياه ونقائها من الشوائب، وتحسن الحياة البرية.

الأمر الذي لمست المجتمعات إيجابياته لمس اليد، بما أثبتته أرضهم العظيمة لهم، بأنها تحتاج فقط إلى بعض رفقهم بها، وبضع جرعات من الراحة لاستعادة عافيتها وإدهاشهم من جديد. لكن وكما سبقها، لم تدم هذه الطفرة البيئية الصحية طويلاً، وسرعان ما عاد العالم إلى نشاطه وغلوه وآثامه المدمرة.

في الواقع، قد يكون من غير الوارد أو المنطقي في ظل التراجع الاقتصادي العالمي الكبير، أن يعاد شلّ الحياة برمتها وقصاص الإنسان وحبسه وتعطيل حياته ونشاطه من جديد. لكن، يمكن الاستفادة بعض الشيء من هذا الدرس والمناورة حوله، وذلك بإعلان حالة طوارىء عالمية تلزم الدول والأفراد معاً على اتباع عادات وسلوكيات جديدة، طوعية أو قسرية، تساهم في التخفيف من المخاطر.

الأمثلة كثيرة، ومن المهم قبل استعراض بعضها، التأكيد بداية على أن أولوياتها ونجاحها يرتبطان ارتباطاً جذرياً بمساهمة الضمير الجماعي للأفراد، وتحمل مسؤولياتهم بحب وقناعة ورغبة، واضعين في الاعتبار أن كل مايقدمون عليه من حلول إنقاذية، لايتوقف عند حيواتهم الحالية فقط، بل يمتد لإنقاذ مايمكن إنقاذه من حيوات أولادهم وأحفادهم لعشرة أجيال على الأقل. 

كأضعف الإيمان، هل يمكنك أن تتخلى عن قيادة سيارتك وإيقافها لثلاثة أيام في الأسبوع على الأقل؟. هل يمكن للأسرة أن تكتفي بسيارة واحدة، والتنازل في بعض الأحيان عن" البريستيج"" والاستعانة بدراجة هوائية؟. هل يمكنك أن تطفىء جميع الأنوار والمكيفات في المنزل وتكتفي بإنارة وتبريد المكان الذي تجلس فيه فقط؟. وهل فكرت للحظة واحدة وأنت تهدر المياه أن شعوباً بحالها تموت من الجفاف، وأن ما تحظى به اليوم من نعمة عليك أن توفر منه لأبنائك كواجب أخلاقي؟

بتوسيع الدائرة، هل فكرت أن الضرائب المالية التي تدفعها في الفواتير الشهرية تحت بند حماية البيئة تذهب سدى ودون نتائج حقيقية ملموسة من قبل بعض الحكومات أو تسرق ضمن مسارات الفساد أو توظف لأغراض شيطانية في مقدمها التسلح؟. وعليه هل تساءلت عن دورك كفرد حول مساءلة الحكومات والضغط عليها لأجل إيقاف كافة النزاعات المسلحة التي تنتج أكثر من نصف النيران على هذه الأرض، وإن لم تصدق، دقق مرة فيما تفعله قذيفة واحدة في متر مربع من الأرض.

كارهو الغرب وغلاتهم من المتشددين الذين يحمّلون الحضارة الحديثة فقط وزر ما يحدث، ويعفون أنفسهم من أية مسؤولية تذكر، هم بعض أبرز من يساهم في تدمير الأرض عبر الفتاوى وتحريم تحديد النسل والتذرع بأن الرزق يأتي مع كل مولود. فالرزق في الحقيقة شُحَّ ولم يعد يكفي، ومليارات البشر تلتهم ما تبقى  من موارد. فهل بإمكانك المساهمة بوعيك في هذا الإطار والاكتفاء بإنجاب طفلين لاأكثر؟

ستطول القائمة، والالتزام بها ليس صعباً أو مستحيلاً إن توفرت الإرادة والوعي والأخلاق، قبل أن يمتد زنار النار إلى محيطك، وقد لايسعفك الوقت لتشهد جنون نيران الفناء وما تفعله في لحظات، والتي قد تكون أكثر بكثير مما تخيلته أفلام السينما والأساطير الشعبية والقصص الدينية عن نهاية الحياة. 

كما لا تنسى أن تفكر للحظة وأنت تسحب نفساً لذيذاً من الشيشة، كم شجرة أحرقت لأجل حفنة من قطع الفحم، وأن الإعجابات التي تشارك بها في الذكرى السنوية لإحياء يوم الأرض العالمي، مشكورة لكنها لا تنقذ الأرض، فما ينقذها حقيقة هو إعجابك بها وترجمته عملياً وبشكل مباشر .

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.