مظاهرات في برلين ضد عقوبة الإعدام بإيران
مظاهرات في برلين ضد عقوبة الإعدام بإيران

بعد انتشار الحركات الجهاديّة التي تذيّل عناوينها باسم الإسلام وترفع شعارات التطرّف، حاول الكثير من المختصين في الفكر الإسلامي تقديم قراءات مخالفة لهذه الصورة التي تقدّم الإسلامَ على أنه دينٌ يشرعن العنفَ ويبيح انتهاك الحقوق والحريات. وتبنَّى بعض المفكرين الإسلاميين ومراكز دراسات وأبحاث غربية تقديم أطروحات مغايرة للإسلام تبرّز عناوينَ أخرى غير العناوين السياسية والمتطرّفة، ولعلَّ من أهم هذه المشاريع ما طرحته مؤسسة راند الأمريكية RAND Corporation في عام 2007، بعنوان (الإسلام المعتدل).  

مشكلة هذه الطروحات والمشاريع أنها تأتي من قراءة سطحيّة وانتقائية وغير متعمّقة في المباني الأصولية للفكر الإسلامي، وغالباً ما تركّز على زاويا معيّنة ولا تعالج قضايا تأسيسية، لذلك لا يتعدّى تأثيرها غير التسويق الإعلامي، ولا نجد لها الكثير من التأثير في مشاريع الإصلاح الفكري والديني.   

ومن ضمن الردود على تلك الطروحات والمشاريع، وفي قبال محاولة حركات الإسلام السياسي احتكار وفرض مفهومها للدين على المجتمعات الإسلامية، طرح المفكر الإيراني محسن كديور أطروحة (الإسلام الرَّحماني) ضمن مشروعه النقدي والإصلاحي للتفكير الديني.  

يأتي مفهوم الإسلام الرحماني في مواجهة قراءات رائجة أخرى للإسلام مثل: الإسلام الرجعي والإسلام الثوري والإسلام الرسالي والإسلام الفقهي والإسلام العرفاني والإسلام السياسي والإسلام الحداثوي والإسلام الأصولي والإسلام العلماني والإسلام الليبرالي... ومن ثم لا يعبّر الإسلام الرحماني عن قراءة متجزئة للإسلام ولا يسعى إلى حذف أيّ شيء من التعاليم الإسلامية، فكلّ ما يجري في إطار الإسلام الرحماني يتمثَّل بأمرَين: أوّلاً: تصحيح بعض الأحكام والشعائر والطقوس التي قُرأَت وفُهمَت خارج إطارها وبعيداً عن ظروفها الزمانية والمكانية الخاصة بعصر النزول، وبالتالي ابتعدَت عن جوهرها الرحماني. ثانياً: يتم الاقرار ببعض الأحكام العقلائية التي لا تخالف التعاليم الإسلامية. 

إن سبب تسمية هذه القراءة للإسلام بـ(الإسلام الرحماني) هو للتأكيد على تعاليم الرَّحمة في النصوص الدينية، ولفرز هذه القراءة وتمييزها عن قراءات أخرى للإسلام التي تقصي محور الرَّحمة تماماً، وتسعى إلى إقامة حكم دين الله باستعمال العنف والقسوة والشقاء.  

ويقدّم الإسلام الرحماني قراءة للإسلام مكوّنة من عشرة محاور رئيسة: رضا الله، العدالة، العقلانية، الرَّحمة، الأخلاق، الكرامة وحقوق الإنسان، الحريّة والاختيار، العلم والتخصص (التكنوقراطية)، الديمقراطية والعلمانية العينية. مع الوقوف عند كلّ محور من هذه المحاور العشر تتضح معالم الإسلام الرحماني بنحو أدق، وبالتالي يسهل قبوله أو رفضه. 

ولعلَّ من بين أهم الركائز في أطروحة (الإسلام الرحماني) لكديور التي يجب التوقف عندها، مفهوم العلمانية العينية. إذ بحسب قراءة (الإسلام الرّحماني) "لا يحقّ للحكومات والدول التدخل في المؤسسات الدينية كمرجعية التقليد، والحوزات العلمية والمساجد ومراكز التعليم والتبليغ الديني، والمؤسسات الخيرية الدينية. وفي مقابل ذلك يتصدى الإسلام الرحماني للدين الحكومي ويرفض بنحو قاطع زج كلّ من رجال الدين والمسجد ومدارس العلوم الدينية والمرجعية في إطار الدولة."  

ولا يرى الإسلام الرحماني في الإسلام شأناً خاصّاً، بل للإسلام تعاليم عدّة تعنى بالشأن العام. لذا إن خصخصة الإسلام في مجال محدد دون آخر، هو قَلب الإسلام وتحريف لغايته. وبخصخصته تنتفي النزعة الإسلامية في مقارعة الظلم الاجتماعي والسياسي. لا يرى الإسلام الرحماني إمكانية نزع الدين كليّا عن السياسية، ولا يعدّه أمراً مطلوباً. ولا يدعو الإسلام الرحماني إلى استقلال الدولة عن الدين أو استقلال السياسة عن الدين، بل يدعو إلى استقلال المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، أيْ فصل الدولة واستقلالها عن المؤسسة الدينية. بناءً على هذا "يحق للمتدينين –كالمسلمين- ومع الاحتفاظ بهويتهم الدينية أن ينشطوا في المجتمع المدني، وأن يبادروا إلى تأسيس الأحزاب السياسية، وأن يشكّلوا حكومة في حال حصولهم على أغلبية الأصوات. مثلما يحقّ كلّ ذلك لِمن لا يؤمن بالدين أن ينشط في كلّ هذه المجالات بكامل حريّته. بناءً على هذا على النظام السياسي أن يستوعب نشاط كلّ الفئات والجماعات، وأن يكون محايداً في تعامله مع الاعتقاد بالدين أو عدم الاعتقاد به." 

عرض كديور مصطلح (الإسلام الرحماني) في محاضرة له بتاريخ 24 تموز 2010 ألقاها في المركز الثقافي الإسلامي للجالية الإيرانية في مدينة أوكلاند في شمال كاليفورنيا. وتعود بداياته إلى آراءٍ ذكرها في صيف 2001. لكنّه أعاد مفرداتها ومحاورها في سلسلة محاضرات في بدايات 2021 في معرض نقده لأطروحات المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، إذ عدّ طروحات الأخير النقدية للإسلام والسلطة تتماهى مع أبجديات الإسلام السياسي والتيارات الجهادية والدعوية. وقد عرّف هذه المحاضرات وقدّم قراءةً عنها حسن الصرّاف في مقال له نُشر في تموز الماضي ضمن كتاب شهري يصدر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث. 

محسن كديور يعمل حالياً أستاذاً وباحثاً في جامعة ديوك (Duke University) في الولايات المتحدة الامريكية، ويعد معارضاً للنظام السياسي الإيراني ومن أهم منظّري التيار الإصلاحي في إيران، وتصدّى عبر كتاباته ومحاضراته لنقد المباني والأسس التي تستند عليها نظرية ولاية الفقيه في الحكم السياسي التي ضمّنها في كتبه (نظريات الحكم في الفقه الشيعي) و(الحكومة الولائية) و(هواجس الحكومة الدينية). يعتقد بأن أطروحة (الإسلام الرحماني) تقدّم أنموذجاً مغايراً لقراءة "الإسلام التي تهيمن في إيران، وتركت أضراراً كبيرة على الإسلام، فهي تحكم باسم الإسلام وضدّ الإسلام في آنٍ واحد. يأتي الإسلام الرحماني ليقدّم تمييزاً واضحاً عن القراءة الرسمية للإسلام في إيران." 

وكديور الذي اعتُقِل بزمن حكم الشاه البهلوي في نيسان 1979 من قبل عناصر السافاك (المخابرات الإيرانية)، وذاق في عادل آباد بشيراز تجربته الأولى في الحبس بتُهمة الإخلال في النظام العام والتآمر ضدّ الأمن القومي، قد اعتُقِلَ أيضاً في عام 1998 في نظام الجمهورية الإسلامية لمدّة سنة ونصف بتُهمة (التبليغ ضدّ النظام ونشر الأكاذيب بقصد تشويش الأذهان العامة)، لأنه انتقد أداء الثورة الإسلامية في عشية ذكراها العشرين. وفي 2011 صدر عن مركز دراسات الحكمة والفلسفة في إيران وعن وزارة العلوم في الجمهورية الإسلامية قرارٌ إداريّ يقضي بفصل كديور مِن موقع عمله، واقصاءه الدائم عن الوظيفة الحكومية بتهمة (نشر مقالات مسيئة ضد أركان نظام الجمهورية الإسلامية المقدّس، ومقام الوليّ الفقيه وشخص القائد المعظّم والتبليغ ضدّ النظام). 

واليوم تواجه اطروحة كديور حول (الإسلام الرحماني) ردوداً كثيرة في الداخل الإيراني، إذ حتّى شخص المرشد الإيراني السيد الخامنئي وصف مصطلح (الإسلام الرحماني) بأنّه ضمن محاولات مضللة وباطلة، تهدف إلى ترويج الإسلام في ضوء اتجاهات ليبرالية. وقد صدرت عن مؤسسات حكومية رسمية في إيران ثلاثة كتب والعديد من المقالات في الرد على آراء كديور حول الإسلام الرحماني. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.