طائرة نقل عسكري أميركية تحلق فوق كابل
طائرة نقل عسكري أميركية تحلق فوق كابل

مع سقوط العاصمة الأفغانية كابل يوم أمس الاحد، في أيدي قوات طالبان، التي سيطرت على جميع المدن الافغانية خلال أيام بسرعة مذهلة صعقت المسؤولين السياسيين والعسكريين والاستخباراتيين في واشنطن، رفع مقاتلو طالبان على مقر الرئاسة علم إمارة افغانستان الإسلامية، بعد موتها رسميا لعشرين سنة في أعقاب الغزو الأميركي في أكتوبر 2001 بعد شهر من هجمات سبتمبر الإرهابية.  

بعد ثلاثة أسابيع سوف يحي الأميركيون الذكرى العشرين لأكبر هجوم إرهابي تعرضت له الولايات المتحدة في تاريخها، ولكنهم لم يتوقعوا قبل سنوات أو حتى قبل أشهر أن يروا عودة طالبان منتصرة إلى العاصمة الأفغانية، وأعلامها ترفرف على المرافق الحكومية، بعد تنكيس العلم الأميركي عن إحدى أكبر السفارات في العالم. بين صيف 2001 وصيف 2021 عشرين سنة من الإخفاقات والغطرسة والأخطاء والخطايا والتهور  من سياسية وعسكرية التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال ولايات اربع رؤساء أميركيين وحلفائها المحليين والغربيين وأدت إلى مقتل وجرح مئات الآلاف من المدنيين والجنود الأفغان والعسكريين الغربيين.  

الحرب كلفت الخزينة الأميركية أكثر من ترليون دولار من بينها حوالي مئة مليار دولار أنفقت على تسليح وتدريب الجيش الأفغاني الذي تبخر قبل دخول مقاتلو طالبان لمعظم المدن الافغانية وآخرها كابل التي قطفوها دون قتال كثمرة ناضجة حان قطافها. كلفة الحرب في أفغانستان كما في العراق لم ولن تتوقف بعد وقف القتال والانسحاب، لأن دافع الضرائب الأميركي سوف يستمر في تمويل الكلفة الضخمة للعناية الطبية والنفسية لعشرات الآلاف من العسكريين الذين أصيبوا بجراح خطيرة جسدية أو نفسية تتطلب عناية فائقة وطويلة الأمد وخاصة أولئك الذين فقدوا مفاصلهم ويعتمدون على مفاصل اصطناعية. وهذا من بين ما يسمى بالكلفة الخفية لهذه الحروب. 

زرت أفغانستان مرة واحدة في 2010 مع فريق من الصحافيين الأميركيين حين رافقنا وزير الدفاع الاسبق روبرت غيتس في آخر زيارة له لتوديع الجنود وتوزيع بعض الميداليات للجنود الذين أظهروا شجاعة فائقة في معاركهم ضد قوات طالبان. زيارة غيتس جاءت في أعقاب قرار الرئيس الأسبق باراك أوباما زيادة عديد القوات الاميركية التي كان يقودها آنذاك الجنرال  ستانلي ماكريستال الذي أجريت معه مقابلة لشبكة العربية، في قاعة قريبة من غرفته المتواضعة في اعقاب سلسلة من المعارك أبرزها "عملية مشترك"  التي حررت مدينة مرجة في مقاطعة هيلمند من سيطرة طالبان التي كانت تستخدمها ايضا لتصدير المخدرات.

معركة مرجة كانت أكبر عملية عسكرية مشتركة للقوات الأفغانية والدولية في أفغانستان منذ بداية الغزو الاميركي، وشارك فيها 15 ألف عسكري من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والدنمرك وأستونيا. أحد أهم الأهداف السياسية من معركة مرجة كان إبراز الدور العسكري للقوات الأفغانية، وقدرة الحكومة في كابل على إرساء الهياكل البيروقراطية المحلية لإدارة المدينة بعد تحريرها وضمان توفير الخدمات الاساسية فيها مثل الكهرباء والمياه، بعد توفير الأمن الداخلي عبر قوات الشرطة التي دربها الأميركيون. الجنرال ماكريستال والحكومة الأفغانية والقادة العسكريين للدول الحليفة أرادوا تحويل الانتصار في مرجة إلى "نموذج"  للنجاح العسكري والإداري لمثل هذه العمليات المشتركة يحتذى به في المدن الأخرى التي ستحرر في المستقبل. الجنرال ماكريستال تحدث عن إقامة "حكومة" فعّالة في مرجة بعد تحريرها. قائد القوات البريطانية المشاركة في المعركة قال إنها "ستكون بداية النهاية" لحركة طالبان.  

بدأ القتال في مرجة ومحيطها في فبراير 2010 وانتهى "رسميا" في ديسمبر 2010 بعد دحر قوات طالبان وطردها من المدينة. ولكن "الحكومة" التي تحدث عنها الجنرال ماكريستال كما الوعود الحكومية الأفغانية لم تتحقق بمعظمها ما أدى الى استئناف الاعمال العسكرية لقوات طالبان في محيط مرجة، وما دفع بالجنرال ماكريستال إلى وصفها "بنزيف القرحة". بعد الانتصار الاولي واجه الجنرال ماكريستال وزملائه المعضلة المزمنة في أفغانستان والمتمثلة بإنتاج وبيع المخدرات وخاصة نبات الخشخاش Poppies الذي يستخدم في مخدر الأفيون والذي كان العصب الاقتصادي في مقاطعة هيلمند. هل نتلف حقول الخشخاش ونحرم  أكثر من 60 بالمئة من المزارعين المحليين من مصدر رزقهم؟ أم نتغاضى عن إنتاج وبيع المخدرات اذا اردنا كسب ود وتأييد السكان المحليين؟ الأمر الذي تلقاه العسكريون الأميركيون كان في عدم التعرض لاقتصاد الأفيون في المقاطعة.  

معركة مرجة وما تلاها، لخّصت المعضلة العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي واجهتها الولايات المتحدة في افغانستان، والتي بقيت في جوهر استحالة الانتصار في مثل هذه الحرب. مرجة تحولت الى انتصار تكتيكي محدود، ولكنها لم تكن النموذج العسكري والسياسي المنشود ولذلك لم تتحول إلى بداية الانتصار الاستراتيجي ضد طالبان الذي توقعه أو تمناه قائد القوات البريطانية قبل المعركة. 

نشرت كتب عديدة عن حرب افغانستان، وكتب أكثر عن حرب العراق. كتب عن تجارب عسكرية وشخصية، مذكرات، او دراسات ميدانية، بعضها قيّمة ومفيدة، وبعضها تركز على خطوط أو ظلال او ألوان محدودة في لوحة كبيرة ومعقدة، وبعضها بكل بساطة لا يستحق القراءة. التاريخ الحقيقي لهاتين الحربين سوف يكتب في المستقبل وليس اليوم او غدا. المؤرخون يعيدون كتابة التاريخ باستمرار. كل سنة تصدر عشرات الكتب عن الحرب الأهلية الاميركية التي انتهت قبل أكثر من 150 سنة. ما يمكن قوله على خلفية ضجيج انهيار الصرح الهش الذي بنته الولايات المتحدة وحلفائها في افغانستان خلال عشرين سنة هو ملاحظات أو خواطر أولية.  

خلال الأيام الماضية، وخاصة يوم سقوط كابل في أيدي طالبان، تعرض الرئيس جوزف بايدن إلى انتقادات كثيرة، بعضها لاذع وشديد وخاصة من قبل السياسيين الجمهوريين (الذين أيدوا او لم يعترضوا على قرار الرئيس السابق ترامب تخفيض عديد القوات في أفغانستان، او توصله الى اتفاق سيء مع طالبان تعهد فيه بسحب القوات في مايو 2021) ومن قبل بعض العسكريين المتقاعدين الذين خدموا في أفغانستان. وحتى المعلقين الذين أيدوا قرار بايدن سحب القوات، انتقدوه بقوة لأن السلطات الحكومية لم تضع الخطط الطارئة التي تتحسب لكل المفاجآت الميدانية، ولأن المسؤولين في البيت الابيض ووزراتي الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات لم يتوقعوا الانهيار الكارثي لقوات الجيش الأفغاني، ولم يتوقعوا السرعة المذهلة لتقدم قوات طالبان.

هؤلاء تساءلوا لماذا أخفقت إدارة بايدن بسحب الرعايا الأفغان الذين تعاونوا مع القوات الأميركية كمترجمين أو إداريين للهروب من عقاب طالبان قبل أشهر او حتى قبل أسابيع. كما تعرض بايدن للانتقاد لأنه تحدث بثقة غير مبررة عن قدرة القوات الحكومية على الصمود في وجه تقدم مقاتلي طالبان، كما رفض إمكانية حدوث سيناريو في كابل مماثل لسيناريو سقوط سايغون (عاصمة فيتنام الجنوبية) في 1975 والذي تعبر عنه صورة مؤثرة لمروحية أميركية فوق سطح السفارة مكتظة بالهاربين تستعد للإقلاع تاركة ورائها صفا طويلا من المدنيين المتروكين لمصيرهم.

يوم الأحد، شاهد الأميركيون صورا لمروحيات أميركية تقلع من مجمع السفارة الإميركية لإجلاء الديبلوماسيين وغيرهم من العاملين في السفارة الى المطار تمهيدا لنقلهم إلى الولايات المتحدة. الصور لسفارتين مختلفتين تفصل بينهما حوالي خمسين سنة، ومروحيات مختلفة، ولكن الصور تعبّر عن الهزيمة ذاتها. أسئلة كثيرة طرحها مشّرعون، وديبلوماسيون وعسكريون متقاعدون ومحللون سياسيون وعسكريون، وكلها لا تزال تبحث عن الأجوبة. 

وضع اللوم على الرئيس بايدن لوحده بسبب انهيار أفغانستان وسقوط كابول، مجحف مثل لوم الرئيس جيرالد فورد على سقوط سايغون، وهو الذي ورث حربا كان الانتصار فيها مستحيلا بسبب السياسات المتهورة التي اعتمدها أسلافه الرؤساء جون ف كينيدي وليندون جونسون وريتشارد نيكسون. سقوط كابل كان النتيجة الحتمية للسياسات المتغطرسة والمتهورة التي اعتمدها الرئيس جورج بوش الابن عندما عدّل من الأهداف الاولية لغزو افغانستان، أي معاقبة تنظيم القاعدة التي جلبت إرهابها الى داخل الولايات المتحدة ونظام طالبان الذي وفرّ لها الملجأ، إلى طموح إمبريالي وخيالي بإعادة بناء الدولة الأفغانية بتناقضاتها الاجتماعية والإثنية واللغوية واقتصادها البدائي،  بعد عقود من الاقتتال الداخلي. أيضا التهور التاريخي الذي ارتكبه بوش الابن، كان في غزوه للعراق، وزجه للبلاد في حرب ثانية في دولة تصعب السيطرة عليها كما أفغانستان. 

 كما أن سقوط كابول هو جزئيا من مسؤولية الرئيس أوباما الذي ورث الحرب من بوش ولم ينجح خلال ثماني سنوات في إنهائها بعد زيادة ثم تخفيض عديد القوات الأميركية . تردد أوباما دفعه لتمديد أجل الحرب لثمانية أعوام، كان خلالها نائبه بايدن يحثه على إنهاء الحرب . سقوط كابل هو أيضا من مسؤولية الرئيس ترامب، الذي كان يتحدث دائما عن رغبته بإنهاء "الحروب التي لا نهاية لها" مثل أفغانستان، ولكنه لم يكن يتمتع بالصبر أو بالبصيرة لتحقيق هدفه، وانتهى بتوقيع اتفاق سياسي رديء مع حركة طالبان تعهد فيه بسحب القوات مع حلول مايو 2021، دون أن يشترط ذلك بتوصل طالبان والحكومة الأفغانية إلى اتفاق سلام أو حتى تسوية لمرحلة انتقالية. وقبل نهاية ولايته أمر ترامب بتخفيض عديد القوات الأميركية الى 2500 عنصر. وخلال فترة سريان هذا الاتفاق توقفت الاشتباكات بين القوات الاميركية ومقاتلي طالبان، الأمر الذي سمح لهذه القوات بإعادة تنظيم صفوفها دون خوف من ضربات الطيران الحربي الأميركي، الأمر الذي يفسر جزئيا على الأقل، أداءها الميداني خلال الأسابيع الاخيرة. 

الإجراءات التي اتخذها بايدن، مثل تحديد موعد الانسحاب النهائي للقوات الاميركية مع حلول الذكرى العشرين لهجمات سبتمبر، ثم تغيير الموعد إلى نهاية الشهر الجاري، وسحب الطيران الأميركي من قاعدة باغرام، قبل سحب الرعايا الأميركيين او آلاف الأفغان الذين عملوا مع القوات الاميركية وأرادوا اللجوء إلى الولايات المتحدة، ساهمت في انهيار الجيش الأفغاني. وربما الأهم هو الإجراءات التي لم يتخذها بايدن، والتي عجلت في سقوط كابل مثل الإخفاق في التوصل إلى اتفاقات مع دولة أو دول مجاورة لنشر قوات جوية اميركية لاستخدامها في افغانستان ضد أي عودة ممكنة لعناصر تنظيم القاعدة، او للرد على أي إجراءات سافرة تتخذها طالبان.  

خلال الأيام الماضية كان أداء الرئيس بايدن وغيره من المسؤولين مثل وزير الخارجية  نطوني بلينكن محرجا ودفاعيا ومؤلما للعديد من مؤيدي بايدن، لأنه بدلا من تحمل مسؤولية إجراءاته وقراراته، حاول وضع اللوم على سلفه ترامب، وكأنه لم يكن مسؤولا عن قرار الانسحاب أو توقيته او ما أحاط به من إخفاقات.

الرئيس بايدن ومساعديه راهنوا على تأييد أكثرية الأميركيين للانسحاب من أفغانستان لوقايته من أي انتقادات جمهورية. وربما سينسى معظم الأميركيين صور انهيار أفغانستان في الأيام القليلة الماضية مع مرور الزمن، ولكن مواقف الأميركيين قد تتغير إذا لجأت طالبان إلى أعمال قتل جماعي أو انتهاكات مروعة لحقوق الأفغانيين وخاصة البنات والنساء، أو وهذا ما يعتبر أكبر خطر على سمعة ومكانة بايدن، إذا سمحت طالبان لتنظيم القاعدة بإعادة بناء قواعده في إمارة افغانستان الإسلامية.  

 خلال الأيام المقبلة سوف يواجه الرئيس بايدن الأمة  في خطاب متلفز، كما قالت مصادر في البيت الأبيض. الطريقة الوحيدة لكي يستعيد فيها بايدن بعض ما فقده من مكانة وسمعة في الأيام الماضية، هو في مصارحة الاميركيين بشأن هفواته الاخيرة والإجابة على الاسئلة المحرجة والملحة، وإذا تحمّل بشجاعة مسؤولية وتبعات قراراته.  

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.