انفجار عكار - لبنان
"صاحب بعبدا الذي اكتشف البارود صباحا، لم يكتشف حتى الآن أن بلاده تعيش فوق بحر من البارود"

عندما سألوه "إلى أين نحن ذاهبون"، قال "إلى جهنم"، في تلك اللحظة كان جوابه حقيقيا، وفجر اليوم تحققت مقولته، فقد شاهد اللبنانيون جهنم للمرة الثانية بالعين المجردة. فجر عكار أضاءته النيران المشتعلة وليس الكهرباء المقطوعة، لكن ما اعتاد صناعة الموت والحرائق والخراب، عاد إلى معتاده ولم ير بجهنم التي بشرنا بها إلا عملا صنعه التطرف.

لم يتلفت صاحب الاتهام لا لجغرافيا الفاجعة ولا للخليط الديمغرافي، دون أدنى مراعاة للحساسيات الطائفية، صوّب صاحب الرؤية اتهاماته نحو إرهابيين حذر منهم، والشاهد على تحذيره المجلس الحربي الذي التأم صباح الفاجعة ليؤكد أن كلام من يقوده أصاب، لكنه لم يلتفت أنه أصاب لبنان.

صاحب بعبدا الذي اكتشف البارود صباحا، لم يكتشف حتى الآن أن بلاده تعيش فوق بحر من البارود، أن مواطنيه فيما تبقى من دولة ضحية الكرسي وتمسكه به، وسلطة  وهمية يبحث عنها، ولم ير إلا متطرفين يريدون إشعال فتنة حذّر منها، فهو بدل أن ينكس أعلامه، أطلق موقفه الذي لم يختلف عن حروبه الوهمية، وبشرنا بأنه قال: "سبق أن عرضت في الجلسة الأخيرة للمجلس تقريراً عن الوضع في منطقة الشمال، وتحديداً أنشطة جماعات متشددة لخلق نوع من الفوضى والفلتان الأمني، وطلبت من قادة الأجهزة الأمنية الاجتماع للتنسيق فيما بينهم واستنتاج الخلاصات ليبنى على الشيء مقتضاه".

ما يريد أن يبني على مقتضاه هو أن حادثة عكار تقف خلفها خلايا إرهابية، تنتمي إلى بيئة معينة تُتهم دائما بالتطرف، وهذا الاتهام بالنسبة له يتسع ليشمل طائفة بأكملها ويستهدف من خلفها طائفة أوسع هي طائفة "17 تشرين"، فالأخيرة التي حولت عهده وعهد عائلته ومن أوصله ومن يحميه إلى كوابيس في نومهم وفي يقظتهم، طائفة لا يمكن إخضاعها حتى من خلال خطاب الكراهية وبث الفتنة الطائفية.

الكراهية ضد عكار وأهلها ليست منفصلة عن الكراهية لطرابلس وساحتها، وبيروت وتمايزها، واستهداف مكون معين احتاج العهد إلى تفكيكه وإعطابه سياسيا واجتماعيا حتى يتمكن من الحكم، وهذا ما يتوافق عليه كل من يقف مع العهد سرا وعلانية.

فالموقف من فاجعة عكار أبعاده سياسية بالرغم من أن صاحب بعبدا حذر هو من تسييسه، واستغلاله طائفيا، هذا الموقف طبعا ليس بهدف حماية الاستقرار ولا العيش المشترك، بل نتيجة قلقه الدائم وتوتره من أن تتحول الفاجعة إلى دافع جديد للتشرينيين الذين هزوا أركان العهد.

فيما المنظومة الحاكمة منشغلة بالترويج لخطاب الكراهية، يواجه لبنان أول تصدعات الارتطام الكبير، الذي لن تستثني تداعياته أي طرف،  وستكون أشد من أن تستوعبها طائفة أو جماعة، لذلك ستلجأ المنظومة الحاكمة للتحريض الطائفي من أجل شد عصب جماعته، خصوصا إن كانت الحكومة - إذا تشكلت- ستقوم بمهمة إجراء الانتخابات، وهي فرصة المنظومة الأخيرة من أجل إعادة تعويم نفسها وتركيب السلطة من جديد، من خلال إحياء الفرز الطائفي والمذهبي كآخر أدواتها التي قد تؤمّن لها فرصة الاحتفاظ بسلطتها.

الأخطر مما حدث في قرية التليل أنه يمكن أن يحدث في أي منطقة أو حي في لبنان، فهناك عصابة تهريب تديرها جهات سياسية نافذة،  تخزن المشتقات النفطية بهدف تهريبها إلى سوريا أو لبيعها داخل السوق المحلية بأسعار مرتفعة، حيث توجد كميات مهولة من مادتي المازوت والبنزين مخبأة بأماكن سكنية تفتقد إلى أدنى مستويات السلامة، غير الكميات الموجودة بين البيوت والأحياء السكنية والتي تستخدم بشكل فردي، وهي الآن قنابل موقوتة، قد تنفجر بسبب احتكاك ما أو كما حدث في عكار.

عود على بدء، إلى صاحب بعبدا وقراءته في كف التطرف، وتحريضه الطائفي لم يتعلم من كل تجاربه السابقة واللاحقة بأن هذا البلد أصعب من أن يمتلكه مشروع أو يحرقه نيرون*.

*"قيصر نيرون" في إشارة إلى القيصر الروماني "نيرون" الذي أحرق روما انتقاما من المسيحيين.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.