علاقة حركة طالبان مع إيران فهي أكثر تعقيدا
علاقة حركة طالبان مع إيران فهي أكثر تعقيدا

تسارعت الأحداث في أفغانستان وسيطرت حركة طالبان خلال بضعة أيام على البلد كاملا وهرب قادة النظام السابق للخارج، بعد إصرار الولايات المتحدة على الانسحاب تلبية لرغبة أغلبية واسعة من الشعب الأميركي مهما كانت تبعات هذا القرار، لأن الولايات المتحدة خاضت في أفغانستان أطول حروبها على الإطلاق ودفعت أموالا طائلة دون أن تتمكن من بناء دولة حديثة هناك، ومما يؤكد على وجود هذه الرغبة الواسعة بالخروج من أفغانستان أن قرار الانسحاب قد تم اتخاذه أيام الرئيس الجمهوري ترامب وقام بتنفيذه الرئيس الديموقراطي بايدن.

كما أكدت الأحداث الأخيرة أن الولايات المتحدة لم تنجح كذلك في بناء قوات نظامية محترفة، فقد انهار الجيش الأفغاني بسرعة لم ينافسه فيها سوى انهيار الجيش العراقي أمام داعش عام 2014، وفي ذلك الوقت استولى عناصر داعش على الأسلحة الأميركية الحديثة واستخدموها في مهاجمة قوات الحكومة المركزية كما حدث هذه الأيام في أفغانستان، لأنه قد فات الأميركيين أن بناء جيش وطني يحتاج إلى وجود هوية وطنية جامعة يلتف حولها أبناء البلد.

ولا وجود لهذه الهوية في العراق فهناك شيعة وسنّة وأكراد لم يتفقوا بعد على الاشتراك في وطن واحد يجمعهم، لذلك في الوقت الذي لم تتمكن فيه الولايات المتحدة من بناء جيش وطني عراقي قامت إيران بسهولة بإنشاء الحشد الشعبي لأنه يعتمد في تركيبته على طائفة واحدة، وهذا هو الوضع في أفغانستان حيث يوجد بشتون وطاجيك وأوزبك وهزارة، يتشاركون في بقعة جغرافية واحدة ولكن الهوية القبلية عند كل منهم أكثر أهمية بكثير من الهوية الوطنية.

والسبب الثاني الذي لا يقل أهمية هو وجود درجة استثنائية من الفساد، حتى أن تقارير صحفية قالت إن أعداد جنود الجيش الأفغاني كانت على الورق 300 ألف بينما كانت الأعداد الحقيقية أكثر قليلا من 50 ألف!، بحيث كانت رواتب ومخصصات الجنود الوهميين تنتهي في جيوب الطبقة السياسية الفاسدة التي حكمت أفغانستان طوال العقدين الماضيين.

وعلى عكس ما تقوله الكثير من وسائل الإعلام لم تكن هزيمة الجيش الأفغاني مفاجئة للحكومة الأميركية سوى من ناحية سرعتها، فقد ترافقت ترتيبات الانسحاب من أفغانستان مع البحث عن مكان آمن للجوء 50 ألف من المترجمين والمتعاونين مع القوات الأميركية ممّا يعني وجود تسليم أميركي بحتمية سقوط أفغانستان بيد طالبان، كما تبين من سير الأحداث الأخيرة أن قوات حركة طالبان كانت موجودة طوال الوقت في أغلب أرياف أفغانستان وهذا ما سمح لها بالهجوم على ولايات في الشمال والجنوب والوسط في نفس الوقت، بما يوحي بأن الحكومة الأفغانية كانت تغض النظر عن وجود هذه القوات طالما أنها لا تقوم بالهجوم على عواصم الولايات.
وكان اللافت أنه منذ الإعلان عن الانسحاب الأميركي بدأت مظاهر القلق على بعض الدول المجاورة لأفغانستان وخاصة روسيا وإيران، رغم أن هذه الدول كانت تعمل طوال السنوات الماضية على خروج الأميركيين من أفغانستان، فقبل سنة قالت صحيفة نيويورك تايمز نقلا عن مسؤولين في المخابرات الأميركية أن الاستخبارات العسكرية الروسية عرضت مكافآت على مسلحين مرتبطين بحركة طالبان من أجل تنفيذ هجمات على الجنود الأميركيين في أفغانستان.

ولكن الموقف الروسي تغيّر بمجرّد إعلان الولايات المتحدة عن نيتها الانسحاب من أفغانستان حتى أن لافروف أدان هذا القرار المتسرع لأنه "سيؤدي إلى تدهور الوضع بشكل سريع هناك، مع وجود خطر حقيقي لامتداد عدم الاستقرار إلى الدول المجاورة"، وتابع لافروف أن هذا الانسحاب سيفاقم التهديد الإرهابي وتهريب المخدرات، والسبب الرئيسي للقلق الروسي هو وجود ثلاث من الجمهوريات الإسلامية التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي السابق على حدود أفغانستان الشمالية وهي طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان.

وفي طاجيكستان توجد أكبر قاعدة عسكرية روسية خارج جمهورية روسيا الإتحادية، وهناك مخاوف عند الروس من أن تنعكس انتصارات حركة طالبان في إحياء الروح الإسلامية أو الرغبة الوطنية في التحرر من الهيمنة الروسية عند شعوب هذه البلدان، بل هناك مخاوف من أن تنعكس كذلك على المسلمين في روسيا الإتحادية نفسها وعددهم يصل حتى 25 مليون حسب مفتي روسيا، ولذلك قامت روسيا في الشهر الحالي بإجراء مناورات على بعد 20 كيلومترا من الحدود مع أفغانستان بمشاركة طاجيكستان وأوزبكستان رغم أنه من غير المتوقع أن تخيف هذه المناورات حركة طالبان فذاكرة المغامرة السابقة التي خسر فيها الإتحاد السوفييتي الحرب في أفغانستان مازالت حيّة.

أما علاقة حركة طالبان مع إيران فهي أكثر تعقيدا، فمن حيث المبدأ تعتبر طالبان حركة إسلامية سنّية متشددة لديها تاريخ من الصراع مع نظام ولاية الفقيه ذو المرجعية الشيعية في إيران، ففي تسعينات القرن الماضي قتلت حركة طالبان عبد العلي مزاري زعيم حزب الوحدة الأفغاني "الشيعي" وفي عام 2001 عندما دخلت الحركة مدينة مزار شريف قامت بإعدام أحد عشر دبلوماسيا إيرانيا من العاملين في قنصلية بلادهم، ولكن مع الاحتلال الأميركي تحسنت العلاقات بين الطرفين دون أن يكون لهذا التحسن أسباب حقيقية سوى مواجهة عدو مشترك هو الولايات المتحدة.

 ولذلك ظهر الارتباك على الموقف الإيراني بمجرد إعلان الولايات المتحدة عن رغبتها بالانسحاب من أفغانستان، فدعا جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني إلى دمج لواء فاطميون الشيعي الأفغاني الذي يقاتل في سوريا مع الجيش الأفغاني، كما عملت إيران على بناء تحالف بين الطاجيك والأوزبك والشيعة لمقاومة حركة طالبان وعلى ما يبدو أن هذا التحالف هو الذي تولّى الدفاع عن مدينة مزار شريف دون أن ينجح في منع سقوطها.

ولأن هناك حدودا طويلة بين إيران وأفغانستان تقترب من ألف كلم، ولوجود قضية تجارة المخدرات بين البلدين، حيث تعتبر إيران الطريق الرئيسي الذي يصل عبره الأفيون الأفغاني الذي يشكل 90 في المائة من الإنتاج العالمي إلى بقية دول العالم، ونتيجة وجود أقلية البلوش في إيران والتي تتعرض لاضطهاد مضاعف نتيجة اعتبارات قومية وطائفية، وهم أبناء عمومة البشتون الذين يشكلون قوام حركة طالبان، فإن ما يحدث في أفغانستان يمكن اعتباره شأنا إيرانيا داخليا، وتأكيدا على ذلك فقد حرج قبل أيام مئات المتظاهرين أمام مكتب الأمم المتحدة في طهران هاتفين الموت لطالبان لا نريد أمارة إسلامية، وهذا يعكس حقيقة الموقف الرسمي الإيراني والذي سيظهر إلى العلن عاجلا أو آجلا لأن لطالبان وإيران برنامجين سياسيين متناقضين.

والعالم ينتظر ما ستحمله الفترة المقبلة على مستوى الداخل الأفغاني والإقليمي والدولي، فهل مازالت حركة طالبان هي نفسها التي حكمت أفغانستان في نهاية تسعينات القرن الماضي أم أنها جددت بعض طروحاتها رغم أن مظهر وملابس عناصر وقادة طالبان توحي بأنه من الصعب أن يتغير شيء عند هذه الحركة، وهل ستوفر ملجأ آمنا للقاعدة أو داعش مما قد يستدعي ردّا أميركيا لا تريده طالبان رغم أنه سيقتصر على غارات جوية، وهل سيشهد العالم موجة إرهاب جديدة ستقوم بها مجموعة من الذئاب المنفردة متأثرين بما تروّجه تنظيمات الإسلام السياسي بأن ما حدث في أفغانستان هو انتصار للإسلام، هذا ما ستجيب عنه الأسابيع القادمة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN)،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.