انفجار عكار - لبنان
"لبنان فقد للتوّ إلى غير رجعة الكثير من أوجه تقدمه وازدهاره، وهو اليوم سائر إلى انهيار غير مسبوق في التاريخ المعاصر"

يفوق اختلال الدولة والنظم واستشراس الفساد في لبنان كل التصورات. كلما جرى تقييم للأوضاع، بناءً على المعطيات القائمة، جاءت المستجدات بما لم يكن بالحسبان، لإنتاج واقع أكثر إيلاماً وأكثر مرارة.

المناسبة الأخيرة كانت الانفجار الذي شهدته عكار، هذه المنطقة المحرومة، والتي تزخر بالثروة الطبيعية والبشرية القادرة على مساهمة فعّالة على مستوى الوطن، فيما هي تقع خارج الهمّ السياسي للطبقة الحاكمة بالتأكيد، ولكن أيضاً وللأسف بالنسبة للعديد من اللبنانيين.

الأسبوع السابق للانفجار كان ثقيلاً في لبنان. إزاء انشغال السياسيين بمناكفاتهم وتناطحاتهم والتي لا تتوقف إلا لضمان حماية طبقتهم جمعاء من المساءلة، كانت مسؤوليات المصرف المركزي قد تضخّمت لتشمل الترقيع الكفيل بتأخير الانهيار الاقتصادي المتحقق، وذلك وفق صيغة فيها ما يرضي كافة المعنيين.

بغطاء من الطبقة السياسية، تصريحاً بأحيان قليلة وصمتاً في معظم الأحيان، يقدم حاكم المصرف على خطوات يستفيد منها في العلن المواطنون، وتستبيح فوائدها هذه الشريحة الطفيلية من التجار المتجرّئين على المصالح العامة، بحكم علاقاتهم المتشعبة مع الطبقة السياسية، والتي يبادلونها الخدمات.

مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية إلى أقل من عشر ما كانت عليه، أمسى دعم السلع الغذائية الأساسية والمحروقات الوسيلة الأولى للأمن المعيشي لعموم المواطنين والمقيمين. المعضلة هي أن هذا الدعم يجري من خلال استباحة ما تبقى من أموال المودعين، بعد استنفاد المصرف المركزي لما عداها من الأرصدة.

النتيجة بالتالي هي أن أموال اللبنانيين (وغيرهم) تصرف دون تصوّر لإعادة تحصيل مقابلها وإيفائها لأصحابها، وذلك على أساس تقدم الأولويات المعيشية على حقوق المودعين. غير أن المواد المدعومة، ولا سيما منها المحروقات إذ يسهل نقلها، لا يصل جلّ الفائدة من دعمها إلى المقصود منها في الداخل، بل يجري تهريب جزء كبير إلى خارج الحدود حيث يستفيد المتاجِر بها من كامل الدعم وفارق العملة.

واقع الحال، في صيف لبنان الحار اللهّاب، كان الانتظار لساعات طويلة في طوابير السيارات المصطفة عند محطات الوقود، والتي تقدم قدراً من الوقود المدعوم الذي تحصل عليه بما يكفي لرفع الشبهة عنها، فيما يجري تحويل ما تبقّى إلى السوق السوداء، للتهريب أو للتوفير الأفضل بأسعار مضاعفة.

لم يكن خافياً على أحد أن هذا الترتيب، الهشّ ابتداءً، غير قابل للديمومة. فحتى القليل ممّا تبقى من أموال المودعين بعهدة المصرف المركزي سائر إلى النفاد الكامل، والحصول على دعم خارجي هو رهن شروط ليست الطبقة السياسية على استعداد البتّة للسير بها.

أي أن دور المصرف المركزي في هذه المرحلة يقتصر على تلطيف الانهيار القادم لا محالة. وفي إطار هذا الدور، وبناءً على اعتبارات موضوعية حسابياً، وإن جاءت مفتقدة للصيغة التي تخفف من وطأتها، صدر قرار حاكم المصرف برفع الدعم عن المحروقات، ما يرفع ثمن شرائها خمسة أضعاف، ويطيح بالتالي لا بقدرة المواطن على التنقل وحسب، بل بما تبقى من الاقتصاد المنكمش ككل، لاستحالة الموازنة بين الدخل المتلاشي والأسعار المرتقبة لأية مواد يجري توزيعها على أساس الأسعار الجديدة للمحروقات.

وخطورة الوضع لا تقتصر على عموم المجتمع، ولكنها تطال، وبشكل مضاعف الخطورة، القوات المسلحة، حيث أن رواتب العسكريين من ضباط وجنود لم تعد كافية في العديد من الحالات لتغطية كلفة تنقلاتهم بين نقاط مهامهم وثكناتهم ومنازلهم. وعكار تحديداً التي تقع عند أقصى الشمال اللبناني، هي خزّان تاريخي للجيش، يكثر في قراها المنضوون تحت لوائه.

ما أن أعلن حاكم المصرف رفع الدعم عن المحروقات حتى أشهرت كافة المحطات نفاد المشتقات النفطية فيها. وكلام العاملين فيها هي أن العودة إلى البيع، ووصول الصهاريج الجديدة وفق زعمهم، لن يكون إلا إلى أن تصدر التسعيرة الجديدة لأسعار المحروقات. واقع الحال أن قيمة المخزون الذي بحوزة أصحاب المحطات كانت مهيأة أن ترتفع خمسة أضعاف، من الربح الصافي، إن تمكنت هذه المحطات من حبس ما لديها إلى حين صدور التسعيرة.

عندها عمد الجيش اللبناني إلى بعض المداهمات التي كشفت التخزين الاستغلالي، وهدد بمضاعفة المداهمات، وتقديم الكميات المخفية إلى الأفران والمستشفيات، والتي تعني من شحة والكثير منها قد أغلق أبوابه. وفجأة بسحر ساحر، ودون اكتظاظ شوارع المدن والبلدات بالصهاريج، عادت المحطات إلى الضخ بالسعر المدعوم، أو ما يقاربه، بانتظار جلاء الصورة. وعاد طبعاً المهرّبون وتجار السوق السوداء إلى نشاطهم الاستنزافي.

ما جرى في عكار يندرج في هذا السياق. الجيش اللبناني داهم مستودع للمحروقات في طريقها إلى التهريب لصالح أحد المقربين من الطبقة السياسية. صادر معظمها، وترك بعضاً منها للأهالي، عساهم يستفيدون منها، ولا سيما أن المنطقة تكتظ بالعسكريين الذين يحتاجون إلى حصة وقود للالتحاق بمراكزهم. هل كانت الكارثة نتيجة ولاعة أشعلها أحد الغافلين، أم هل جاءت عقب إطلاق نار استهدف الصهريج الذي تركه الجيش اللبناني للمواطنين؟ لا فرق. النتيجة هي انفجار مميت آخر وأشلاء متفحمة لعشرات الضحايا، والمئات من الجرحى المحروقين والمولّعين، والآلاف من المنكوبين.

جرح عكار النازف هذا ليس المأساة الأولى التي تطال هذا الجزء المهمل من الوطن. تنموياً وبيئياً واقتصادياً وصحياً واجتماعياً، عكار عانت ولا تزال من شحة في الدعم والتجهيز، بما يشكل المأساة الصامتة التي انفضحت أمام الحاجات التي لم تجد السبيل إلى الإيفاء مع الانفجار.

رئيس الجمهورية، وكل من الرئيس والجمهورية يجسّد الاختلال المركّب، أضاف إلى سجّله الطاعن بمقومات الوطن كلاماً مغرضاً جديداً في إشاراته الوقحة إلى استفحال المجموعات المتشددة في عكار، بما لا يتناسب مع الواقع وبما يحوّل الانظار عن مسؤوليته في إيصال الوطن إلى "جهنم" التي وعده بها.

رئيس الحكومة السابق والذي فشل في التأليف حاول تجيير الكارثة لإدانة العهد، وهي إدانة جديرة بأن تصدر ولكن ليس من شريك هذا العهد وممكّنه الأول. وغير هذا وذاك من جهابذة الطبقة السياسية أضافوا إلى السجل العام مقادير من الكلام المرصوف الأجوف.

واقع الحال أنه ليس لدى أي منهم أي تصور مطروح لتجنيب لبنان ما يبدو قادماً عليه من ضياع كامل لأسس العيش المتواضع الكريم. لبنان يتجه إلى واقع غير مسبوق حيث لا محروقات ولا كهرباء ولا أفران ولا مستشفيات ولا مؤسسات عامة وخاصة قادرة على العمل، ولا غذاء ولا ماء، وحتى لا أشجار، بعد أن يقطع ما تبقى من الأحراج أهالي الأرياف الباردة في موسم الشتاء المقبل. لبنان فقد للتوّ إلى غير رجعة الكثير من أوجه تقدمه وازدهاره، وهو اليوم سائر إلى انهيار غير مسبوق في التاريخ المعاصر.

من رؤسائه المزعومين كلهم إلى كامل الطبقة السياسية وما يتبعها من طفيليات، ليس في لبنان من يمكن الركون إلى قدرته لإخراج الوطن من الكارثة.

آن الأوان للإقرار بما هو جلي، لا خلاص للبنان إلا بقرار دولي بقوة الفصل السابع من مجلس الأمن، يضع لبنان بعهدة دولية، ويفوّض الجيش التنفيذ، ويقصي كامل الطبقة السياسية بانتظار عدالة انتقالية تطالها ومعها الشرائح الطفيلية الحالية والسابقة.

غير أن هذا "الحل" يصطدم أولاً بلامبالاة على مستوى العالم والمنطقة نتيجة ظروف بعضها يتعلق بلبنان وبعضها الآخر منفصل عنه. ولكنه أيضاً متعذّر، لأن الغطاء الممكّن للطبقة السياسية اللبنانية، أي القوة الضاربة المؤتمرة بأمر الولي الفقيه في طهران، تعارضه بالكامل، بحجة سيادة تنتهكها هي نفسها بفعل وجودها، وبناءً على قناعة تجد ما يدعمها، بأنها قادرة على تجيير ما يحدث لمضاعفة نفوذها وتأثيرها.

يكاد أن يكون واقع الحال أن ما انفجر في عكار ليس مستودعاً للوقود المهرّب وحسب، بل لبنان نفسه.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.