الكاتبة خلال أحد اللقاءات
الكاتبة خلال أحد اللقاءات | Source: MBN

خلال زيارتي للولايات المتحدة هذا الصيف ضمن وفد من مجموعة "شراكة"، وهي منظمة غير حكومية أنشئت بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية في عام 2020 لتقريب العلاقات بين الشعوب، كانت رحلة العمل بين 29 يوليو و5 أغسطس، للشرح للجمهور العام في الولايات المتحدة عن أهمية "السلام بين الشعوب"، والتأكيد على أن السلام لا يكتمل إلا عندما يشمل عامة الشعب.

وتضمنت هذه الرحلة لقاءات رسمية وغير رسمية اتسمت بالدفء واكتشاف كل طرف للآخر، لكن أكثر ما لفت انتباهي كانت مقابلة إسرائيليين وأمريكيين يهود من أصول عربية ودهشت من التقارب الثقافي والاجتماعي بيننا، وأعجبت كثيرا بمدى نجاحهم المتميز في مجالاتهم، وأسفي على خسارة منطقتنا لهذه الطاقات.

الفعاليات غير الرسمية تمثلت في دعوات لتناول وجبة العشاء في يوم "السبت المقدس" والمعروف "Sabbath" مع عائلات يهودية أميركية مرموقة، وكان الحديث يدور عن خلفية الأعضاء المشاركين من مجموعة شراكة، وهم مسلمون من دولتي الإمارات والسعودية، وعضو أميركي-إسرائيلي يهودي، وعضو آخر عربي مسلم إسرائيلي، وخلاصة الحديث الدافئ الذي تم أثناء تناول العشاء أن الديانات التوحيدية متشابهة إلى حد كبير، وأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، بشرط ألا نخلط السياسة في العلاقات الاجتماعية.

أما الفعاليات الرسمية فكانت عبارة عن لقاءات مع منظمات لها تأثيرها الفعال في المجتمع الأميركي، وكانت زيارة المجموعة لثلاث ولايات: نيويورك وبوسطن وأتلانتا، وشملت: القنصليات الإسرائيلية في الولايات الثلاث بالإضافة إلى منظمات مؤثرة للغاية، لكن من أكثر الشخصيات الدبلوماسية التي لفتت انتباهي كانت القنصل الإسرائيلي في أتلانتا، عنات سلطان دادون، التي عملت سابقاً كنائب لرئيس البعثة في سفارة إسرائيل في كانبيرا، أستراليا.

والجدير بالذكر أنها ابنة للسفير الإسرائيلي المتقاعد دافيد سلطان، وهو دبلوماسي إسرائيلي، عمل سفيراً لإسرائيل لدى مصر وتركيا وكندا، ومن أصول مصرية ولد في حي مصر الجديدة، شرقي القاهرة، وهاجر إلى إسرائيل مع أسرته في سبتمبر 1949.

وقد كان من دواعي سروري أن أمضيت يومين احتشدا بجدول أعمال مزدحم في أتلاتنا، ومنظم بكل دقة وحرفية من قبل هذه الدبلوماسية الرائعة التي تتصف بالكياسة الدبلوماسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى من لطف وكرم إلى آخر يوم.

كما لفت انتباهي أيضا إدارتها الناجحة لخلق فريق عمل، شعلة من النشاط والتناغم، يهتم بأدق التفاصيل والمثير للإعجاب معاملتها التي تتسم بالمساواة والاحترام للجميع من أكبر موظف في القنصلية حتى السائق. إن إعجابي بشخصية عنات سلطان جعلني أبحث أكثر عن البيت الذي نشأت وتأثرت به وخاصة عن والدها الدبلوماسي دافيد سلطان.

وحين بحثت وجدت أن دافيد سلطان ليس دبلوماسياً مخضرماً فحسب، بل أيضا باحثاً في شأن الشرق الأوسط والمجتمعات العربية، ورغم أنه ترك مصر طفلا في سن الحادية عشر إلا أنه يعرف أدق التفاصيل عن المجتمع المصري، وهذا واضح من كتاباته فهو مؤلف كتاب: "بين القاهرة والقدس: التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل - الحالة المصرية"، كما له مقالات ودراسات عدة في مجلات علمية مثل المجلة الإسرائيلية للشؤون الخارجية وغيرها.

وكون الهدف من رحلتنا هو مناقشة السلام الدافئ بين الشعوب والتطبيع، ركزت في قراءاتي لكتاباته من هذا المنطلق لأفهم بشكل أفضل لماذا كان السلام بين مصر وإسرائيل "بارداً"؟ ولما هذه الضغينة بين المجتمع المصري؟ وقد شرح الدبلوماسي المحنك في إحدى أوراقه البحثية أن هناك اختلافا عن دافع التطبيع بين الجانبين، فالتطبيع بالنسبة للجانب الإسرائيلي كان هدفاً طالما يسعى لتحقيقه ولم تضطر إسرائيل له، لكن بالنسبة للجانب المصري كان ثمناً يجب دفعه من أجل استعادة السيطرة على شبه جزيرة سيناء، التي احتلتها إسرائيل عام 1967. 

وعلاوة على ذلك، وقعت الكثير من الأحداث السياسية التي زادت من عملية التطبيع مع الشعب المصري تعقيداً، فبمجرد إنهاء إسرائيل انسحابها من سيناء في أبريل 1982 كما هو منصوص عليه، إلا وبدأت الحرب مع لبنان. وقد تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات شديدة من قبل جميع الدول العربية، التي اتحدت في إصرارها على أن دخول الإسرائيليين إلى عاصمة عربية، بيروت، هو فقط بسبب سلام القاهرة مع القدس.

وهذا يضاف إلى التعقيدات مع الفلسطينيين مثل أعمال الشغب في الحرم القدسي عام 1990 والمذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994، وحتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، التي مهدت الطريق لإنشاء سلطة فلسطينية، اندلعت الانتفاضة الثانية بعدها في عام 2000. كل هذه الأحداث قلبت الرأي العام المصري ضد إسرائيل ومعاهدة السلام، أما اتفاقيات التطبيع فسرعان ما تحولت جميعها إلى حبر على ورق.

ورغم الضغط الشعبي، استمرت مصر في التمسك بالمعاهدة مع إسرائيل لأنها تدرك أن من مصلحتها الحفاظ عليها فقد نهت سلسلة الحروب مع إسرائيل التي استنزفت مصر ومواردها، لكنها اختارت تجاهل اتفاقيات التطبيع وخاصة السلام بين الشعوب، وقد سمحت الدولة المصرية بالتنفيس عن الغضب الشعبي من خلال الهجمات اللاذعة ضد إسرائيل في وسائل الإعلام بغرض استقرار النظام.

لكن من الأشياء الطريفة التي ذكرها سعادة السفير في ورقته أنه في عام 1992 أثناء تقديم أوراق اعتماده كسفير إسرائيلي لمصر، قبض الرئيس الراحل حسني مبارك على الميكروفون ليسأل وزير الخارجية عمرو موسى: "هل هو أحدنا (تبعنا) أم أنه أوروبي؟" هنا نجد الحنين إلى اليهود المصريين مازال موجوداً على أنهم من ضمن فئات المجتمع المصري، لكن بالطبع كان للأحداث السياسية تداعياتها على العلاقات الاجتماعية.

وهذا ما أكدت عليه رئيسة الطائفة اليهودية في مصر، ماجدة هارون: "أفراد الطائفة هاجروا من مصر بعد حرب عام 1948، وإقامة دولة إسرائيل، حيث تغيرت النظرة لليهود في ذلك الوقت وساد الاعتقاد بأن ولاءهم سيكون لدولة إسرائيل". لكن الضربة الحاسمة ليهود مصر جاءت مع حرب عام 1956، التي شاركت فيها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، "فتمّ اعتقال عدد كبير منهم بطريقة عشوائية، ووُضعت أموالهم تحت الحراسة".

وبعد حرب 1967 بين مصر وإسرائيل وُجِّهت لليهود في مصر ضربات أكثر حدة فتقلص عددهم في البلاد بشكل غير مسبوق. وأضافت ماجدة هارون أن الطائفة اليهودية في مصر اليوم في طريقها إلى الزوال، وعلى الجميع أن يتعاونوا لحماية التراث اليهودي والحفاظ عليه باعتباره جزءاً من تاريخ هذا البلد، ومطمعا تسعى "دول بعينها" للاستيلاء عليه بهدف تزييف تاريخ المنطقة.

لكن ما يلاحظ في الآونة الأخيرة أن مصر تشهد الآن ما قد يبدو في أعين البعض تغييراً في طبيعة العلاقة بين اليهود ومصر التي عاش فيها عشرات الآلاف منهم في النصف الأول من القرن العشرين قبل أن تتدخل السياسة والحروب، وهذا مما يجعلنا نتساءل هل هذا التغيير بسبب ترسيخ الصورة المتسامحة لمصر؟ أم أن الاتفاقيات الإبراهيمية والسلام الدافئ الذي حدث مؤخراً وخاصة بين الإمارات وإسرائيل له تأثير على هذا التغيير؟

فالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تحدث في أكثر من مناسبة عن ترحيبه بـ "عودة اليهود المصريين" وتعهد بتنظيف المقابر وحماية التراث. وقد أعادت الحكومة المصرية افتتاح معبد إلياهو هانبي في شارع النبي دانيال بوسط الإسكندرية في يناير 2020، وذلك بعد إغلاقه لأكثر من عامين، وتكلفت عملية الترميم نحو 70 مليون جنيه مصري أي نحو 4 ملايين دولار تحملتها الحكومة المصرية بالكامل، بعد أن رفضت تلقي أي تبرعات من جهات أجنبية.

هذا التغيير دفع بأعداد من اليهود المصريين، الذين رحلوا قبل نحو 70 عاما، وأسرهم، إلى العودة -ولو على الأقل لزيارة- الوطن الأم.

وقد تناول الأستاذ الدكتور محمد أبوالغار، الأستاذ بكلية طب قصر العيني، في كتابه "يهود مصر في القرن العشرين.. كيف عاشوا ولماذا خرجوا؟" والذي كان حفل توقيعه في 10 يوليو، 2021: "إن التاريخ وقراءته وفهمه وأخذ الدروس منه هو أول خطوة للأمام في المستقبل، واليهود المصريون أثروا في مصر وتأثروا بها من ناحية الثقافة والأدب والفن والاقتصاد والتجارة والصناعة، واليهود في العالم اليوم قوة اقتصادية وثقافية مهمة يجب أن نعرفها ونستثمرها".

لقد فقدت الدول العربية ثروة بشرية هائلة بطرد اليهود العرب من المنطقة بسبب الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني. فقد كان الكثير من هؤلاء اليهود مصدراً مهماً للدخل القومي لبلادهم، حيث كانوا محترفين ناجحين وماهرين كأطباء وسياسيين واقتصاديين وتجار وفنانين وغير ذلك. وإذا أمعنا النظر للتاريخ، سنجد هناك علاقة بين انتشار معاداة اليهود في المنطقة وعدم الاستقرار والإرهاب والافتقار إلى التنمية. وذلك لأن الكراهية تجاه اليهود ولدت كراهية ضد الأديان والطوائف الأخرى حتى وصلت المنطقة إلى هذا الحد من التطرف والطائفية ووصل الحال إلى سيطرة الميليشيات والجماعات المتطرفة الإرهابية على الدول كما نشاهده الآن في أفغانستان.

فبعد مقابلتي للدبلوماسية اللامعة، عنات سلطان دادون، أيقنت خطر أن تكون أي فئة أو طائفة في المجتمعات رهينة الأحداث السياسية، كما أدركت أكثر أهمية توصيل الرسالة لشعوب الشرق الأوسط بأن يفهموا، أو على الأقل يمنحوا فرصة لفكرة أن السلام الدافئ بين الشعوب شرط أساسي لحل النزاعات، وكذلك لمكافحة التطرف في المنطقة، لأن الكثير من المتطرفين والانتهازيين قد استخدموا القضية الفلسطينية لتحقيق أهدافهم السياسية.. والشعوب هي التي دفعت الثمن.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!