الكاتبة خلال أحد اللقاءات
الكاتبة خلال أحد اللقاءات | Source: MBN

خلال زيارتي للولايات المتحدة هذا الصيف ضمن وفد من مجموعة "شراكة"، وهي منظمة غير حكومية أنشئت بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية في عام 2020 لتقريب العلاقات بين الشعوب، كانت رحلة العمل بين 29 يوليو و5 أغسطس، للشرح للجمهور العام في الولايات المتحدة عن أهمية "السلام بين الشعوب"، والتأكيد على أن السلام لا يكتمل إلا عندما يشمل عامة الشعب.

وتضمنت هذه الرحلة لقاءات رسمية وغير رسمية اتسمت بالدفء واكتشاف كل طرف للآخر، لكن أكثر ما لفت انتباهي كانت مقابلة إسرائيليين وأمريكيين يهود من أصول عربية ودهشت من التقارب الثقافي والاجتماعي بيننا، وأعجبت كثيرا بمدى نجاحهم المتميز في مجالاتهم، وأسفي على خسارة منطقتنا لهذه الطاقات.

الفعاليات غير الرسمية تمثلت في دعوات لتناول وجبة العشاء في يوم "السبت المقدس" والمعروف "Sabbath" مع عائلات يهودية أميركية مرموقة، وكان الحديث يدور عن خلفية الأعضاء المشاركين من مجموعة شراكة، وهم مسلمون من دولتي الإمارات والسعودية، وعضو أميركي-إسرائيلي يهودي، وعضو آخر عربي مسلم إسرائيلي، وخلاصة الحديث الدافئ الذي تم أثناء تناول العشاء أن الديانات التوحيدية متشابهة إلى حد كبير، وأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، بشرط ألا نخلط السياسة في العلاقات الاجتماعية.

أما الفعاليات الرسمية فكانت عبارة عن لقاءات مع منظمات لها تأثيرها الفعال في المجتمع الأميركي، وكانت زيارة المجموعة لثلاث ولايات: نيويورك وبوسطن وأتلانتا، وشملت: القنصليات الإسرائيلية في الولايات الثلاث بالإضافة إلى منظمات مؤثرة للغاية، لكن من أكثر الشخصيات الدبلوماسية التي لفتت انتباهي كانت القنصل الإسرائيلي في أتلانتا، عنات سلطان دادون، التي عملت سابقاً كنائب لرئيس البعثة في سفارة إسرائيل في كانبيرا، أستراليا.

والجدير بالذكر أنها ابنة للسفير الإسرائيلي المتقاعد دافيد سلطان، وهو دبلوماسي إسرائيلي، عمل سفيراً لإسرائيل لدى مصر وتركيا وكندا، ومن أصول مصرية ولد في حي مصر الجديدة، شرقي القاهرة، وهاجر إلى إسرائيل مع أسرته في سبتمبر 1949.

وقد كان من دواعي سروري أن أمضيت يومين احتشدا بجدول أعمال مزدحم في أتلاتنا، ومنظم بكل دقة وحرفية من قبل هذه الدبلوماسية الرائعة التي تتصف بالكياسة الدبلوماسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى من لطف وكرم إلى آخر يوم.

كما لفت انتباهي أيضا إدارتها الناجحة لخلق فريق عمل، شعلة من النشاط والتناغم، يهتم بأدق التفاصيل والمثير للإعجاب معاملتها التي تتسم بالمساواة والاحترام للجميع من أكبر موظف في القنصلية حتى السائق. إن إعجابي بشخصية عنات سلطان جعلني أبحث أكثر عن البيت الذي نشأت وتأثرت به وخاصة عن والدها الدبلوماسي دافيد سلطان.

وحين بحثت وجدت أن دافيد سلطان ليس دبلوماسياً مخضرماً فحسب، بل أيضا باحثاً في شأن الشرق الأوسط والمجتمعات العربية، ورغم أنه ترك مصر طفلا في سن الحادية عشر إلا أنه يعرف أدق التفاصيل عن المجتمع المصري، وهذا واضح من كتاباته فهو مؤلف كتاب: "بين القاهرة والقدس: التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل - الحالة المصرية"، كما له مقالات ودراسات عدة في مجلات علمية مثل المجلة الإسرائيلية للشؤون الخارجية وغيرها.

وكون الهدف من رحلتنا هو مناقشة السلام الدافئ بين الشعوب والتطبيع، ركزت في قراءاتي لكتاباته من هذا المنطلق لأفهم بشكل أفضل لماذا كان السلام بين مصر وإسرائيل "بارداً"؟ ولما هذه الضغينة بين المجتمع المصري؟ وقد شرح الدبلوماسي المحنك في إحدى أوراقه البحثية أن هناك اختلافا عن دافع التطبيع بين الجانبين، فالتطبيع بالنسبة للجانب الإسرائيلي كان هدفاً طالما يسعى لتحقيقه ولم تضطر إسرائيل له، لكن بالنسبة للجانب المصري كان ثمناً يجب دفعه من أجل استعادة السيطرة على شبه جزيرة سيناء، التي احتلتها إسرائيل عام 1967. 

وعلاوة على ذلك، وقعت الكثير من الأحداث السياسية التي زادت من عملية التطبيع مع الشعب المصري تعقيداً، فبمجرد إنهاء إسرائيل انسحابها من سيناء في أبريل 1982 كما هو منصوص عليه، إلا وبدأت الحرب مع لبنان. وقد تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات شديدة من قبل جميع الدول العربية، التي اتحدت في إصرارها على أن دخول الإسرائيليين إلى عاصمة عربية، بيروت، هو فقط بسبب سلام القاهرة مع القدس.

وهذا يضاف إلى التعقيدات مع الفلسطينيين مثل أعمال الشغب في الحرم القدسي عام 1990 والمذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994، وحتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، التي مهدت الطريق لإنشاء سلطة فلسطينية، اندلعت الانتفاضة الثانية بعدها في عام 2000. كل هذه الأحداث قلبت الرأي العام المصري ضد إسرائيل ومعاهدة السلام، أما اتفاقيات التطبيع فسرعان ما تحولت جميعها إلى حبر على ورق.

ورغم الضغط الشعبي، استمرت مصر في التمسك بالمعاهدة مع إسرائيل لأنها تدرك أن من مصلحتها الحفاظ عليها فقد نهت سلسلة الحروب مع إسرائيل التي استنزفت مصر ومواردها، لكنها اختارت تجاهل اتفاقيات التطبيع وخاصة السلام بين الشعوب، وقد سمحت الدولة المصرية بالتنفيس عن الغضب الشعبي من خلال الهجمات اللاذعة ضد إسرائيل في وسائل الإعلام بغرض استقرار النظام.

لكن من الأشياء الطريفة التي ذكرها سعادة السفير في ورقته أنه في عام 1992 أثناء تقديم أوراق اعتماده كسفير إسرائيلي لمصر، قبض الرئيس الراحل حسني مبارك على الميكروفون ليسأل وزير الخارجية عمرو موسى: "هل هو أحدنا (تبعنا) أم أنه أوروبي؟" هنا نجد الحنين إلى اليهود المصريين مازال موجوداً على أنهم من ضمن فئات المجتمع المصري، لكن بالطبع كان للأحداث السياسية تداعياتها على العلاقات الاجتماعية.

وهذا ما أكدت عليه رئيسة الطائفة اليهودية في مصر، ماجدة هارون: "أفراد الطائفة هاجروا من مصر بعد حرب عام 1948، وإقامة دولة إسرائيل، حيث تغيرت النظرة لليهود في ذلك الوقت وساد الاعتقاد بأن ولاءهم سيكون لدولة إسرائيل". لكن الضربة الحاسمة ليهود مصر جاءت مع حرب عام 1956، التي شاركت فيها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر، "فتمّ اعتقال عدد كبير منهم بطريقة عشوائية، ووُضعت أموالهم تحت الحراسة".

وبعد حرب 1967 بين مصر وإسرائيل وُجِّهت لليهود في مصر ضربات أكثر حدة فتقلص عددهم في البلاد بشكل غير مسبوق. وأضافت ماجدة هارون أن الطائفة اليهودية في مصر اليوم في طريقها إلى الزوال، وعلى الجميع أن يتعاونوا لحماية التراث اليهودي والحفاظ عليه باعتباره جزءاً من تاريخ هذا البلد، ومطمعا تسعى "دول بعينها" للاستيلاء عليه بهدف تزييف تاريخ المنطقة.

لكن ما يلاحظ في الآونة الأخيرة أن مصر تشهد الآن ما قد يبدو في أعين البعض تغييراً في طبيعة العلاقة بين اليهود ومصر التي عاش فيها عشرات الآلاف منهم في النصف الأول من القرن العشرين قبل أن تتدخل السياسة والحروب، وهذا مما يجعلنا نتساءل هل هذا التغيير بسبب ترسيخ الصورة المتسامحة لمصر؟ أم أن الاتفاقيات الإبراهيمية والسلام الدافئ الذي حدث مؤخراً وخاصة بين الإمارات وإسرائيل له تأثير على هذا التغيير؟

فالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تحدث في أكثر من مناسبة عن ترحيبه بـ "عودة اليهود المصريين" وتعهد بتنظيف المقابر وحماية التراث. وقد أعادت الحكومة المصرية افتتاح معبد إلياهو هانبي في شارع النبي دانيال بوسط الإسكندرية في يناير 2020، وذلك بعد إغلاقه لأكثر من عامين، وتكلفت عملية الترميم نحو 70 مليون جنيه مصري أي نحو 4 ملايين دولار تحملتها الحكومة المصرية بالكامل، بعد أن رفضت تلقي أي تبرعات من جهات أجنبية.

هذا التغيير دفع بأعداد من اليهود المصريين، الذين رحلوا قبل نحو 70 عاما، وأسرهم، إلى العودة -ولو على الأقل لزيارة- الوطن الأم.

وقد تناول الأستاذ الدكتور محمد أبوالغار، الأستاذ بكلية طب قصر العيني، في كتابه "يهود مصر في القرن العشرين.. كيف عاشوا ولماذا خرجوا؟" والذي كان حفل توقيعه في 10 يوليو، 2021: "إن التاريخ وقراءته وفهمه وأخذ الدروس منه هو أول خطوة للأمام في المستقبل، واليهود المصريون أثروا في مصر وتأثروا بها من ناحية الثقافة والأدب والفن والاقتصاد والتجارة والصناعة، واليهود في العالم اليوم قوة اقتصادية وثقافية مهمة يجب أن نعرفها ونستثمرها".

لقد فقدت الدول العربية ثروة بشرية هائلة بطرد اليهود العرب من المنطقة بسبب الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني. فقد كان الكثير من هؤلاء اليهود مصدراً مهماً للدخل القومي لبلادهم، حيث كانوا محترفين ناجحين وماهرين كأطباء وسياسيين واقتصاديين وتجار وفنانين وغير ذلك. وإذا أمعنا النظر للتاريخ، سنجد هناك علاقة بين انتشار معاداة اليهود في المنطقة وعدم الاستقرار والإرهاب والافتقار إلى التنمية. وذلك لأن الكراهية تجاه اليهود ولدت كراهية ضد الأديان والطوائف الأخرى حتى وصلت المنطقة إلى هذا الحد من التطرف والطائفية ووصل الحال إلى سيطرة الميليشيات والجماعات المتطرفة الإرهابية على الدول كما نشاهده الآن في أفغانستان.

فبعد مقابلتي للدبلوماسية اللامعة، عنات سلطان دادون، أيقنت خطر أن تكون أي فئة أو طائفة في المجتمعات رهينة الأحداث السياسية، كما أدركت أكثر أهمية توصيل الرسالة لشعوب الشرق الأوسط بأن يفهموا، أو على الأقل يمنحوا فرصة لفكرة أن السلام الدافئ بين الشعوب شرط أساسي لحل النزاعات، وكذلك لمكافحة التطرف في المنطقة، لأن الكثير من المتطرفين والانتهازيين قد استخدموا القضية الفلسطينية لتحقيق أهدافهم السياسية.. والشعوب هي التي دفعت الثمن.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.