أحد مقاتلي طالبان في كابل
أحد مقاتلي طالبان في كابل

شاهد العالم بأفواه فاغرة خروج الولايات المتحدة من أفغانستان ووقوعها بأيدي طالبان والتي أعلنت بسرعة تأسيس إمارتها الإسلامية للمرة الثانية. في الوقت نفسه، يحاول الآلاف من الأفغان الهروب من براثن طالبان. وأكدت الولايات المتحدة على شاشات التلفاز الامريكية وفي خطاب الرئيس الأمريكي وأيضا في تصريحات المسؤولين في الإدارة الامريكية، والبنتاغون خصوصا، انها سوف تساعد الالاف من الأفغان الذين عملوا معها، كمترجمين مثلا، للهجرة لأراضيها، وحتى الساعة تم إخراج الفين أفغاني. 

لا شك ان الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء لا حصر لها في أفغانستان، ولكن الشيء المثير للاستغراب تسارع المحللين السياسيين في العالم العربي لكتابة شهادة وفاة أميركا والإعلان عن هزيمتها الكاملة والشاملة، مذكرين بما حدث في سبعينات القرن الماضي في فيتنام. إن الذين يرون تسلسل الأحداث على هذا النحو يعيشون في وهم وربما آمال وأحلام سقوط الدولة العظمى الوحيدة في العالم. قرار الولايات المتحدة بترك فيتنام او أفغانستان جاء لحسابات داخلية لا علاقة لها بالدولتين، بل جاء نتيجة أسباب داخلية بحتة ذات علاقة بالانتخابات الأمريكية ومتطلبات الشعب الأمريكي الذي نادرا ما تهمه الأحداث الدولية. وبالرغم من رمزية الخروج المخيب للآمال على جميع الأصعدة، إلا أن هذا لا يعني، كما يتمنى الكثيرون، انتهاء الحقبة الأمريكية. 

فليتذكر الموقنون بفشل أميركا المزعوم، أمثال عبد الباري عطوان، بأن التاريخ يسطر أن أميركا ازدادت قوتها العسكرية بعد انسحابها من فيتنام في سبعينات القرن الماضي، بل وحققت نجاحات استراتيجية منها التغلب على الاتحاد السوفيتي. بالإضافة لكونها مضت لتتربع على عرش العالم من حيث التطور العلمي والتكنولوجي ومن حيث اختراعاتها للعالم (الإنترنت احدى هذه الاختراعات). اليوم، وبينما يواجه العالم وباء عالميا، لا منافس للولايات المتحدة في الطب ويُعد لقاحها الأكثر فاعلية، بعكس اللقاحات الصينية والروسية. أميركا بتعدديتها اللا مثيل لها وبسقف الحريات الذي يخاطر الآلاف بأرواحهم للتمتع بها لا تزال تتمتع بجميع مقومات النجاح ولا تزال الوجهة المفضلة للمهاجرين، بالرغم من عدم قدرتها على صنع أي تقدم في أفغانستان. فما دام هناك ديموقراطية تستطيع من خلالها أقلية مبدعة العطاء دون الخوف من دكتاتورية طالبانية او سوفيتية او شيوعية فسوف تستمر أميركا بالتقدم عالميا بالرغم من جميع  أخطائها. 

الذين يتلهفون لسقوط أقوى ديموقراطية في العالم، ربما أولى بهم التفكير  في سبب فشل العالم الإسلامي عقد بعد عقد في إيجاد منظومة سياسية تضمن أبسط الحقوق والحريات لمواطنيها. فقد شهد العالم الإسلامي عموما والعربي تحديدا فشلا ذريعا ونزولا من هاوية الى هاوية أعمق من سابقاتها، وسنة تلو أخرى، فأين نحن اليوم مقارنة مع سبعينات القرن الماضي؟ هل تقدمنا كما فعلت أميركا؟ ولكن ترى كاتبا كعبدالباري عطوان يتغنى في مقالته بالجينات المشبعة "بالكرامة وعزة النفس والروح القتالية العالية" لشعوب مثل أفغانستان واليمن. وربما على عطوان أن يضيف لهذه اللائحة ايضا العراق وليبيا وسورية، حيث لا تزال "الروح القتالية العالية" التي يمدحها تساهم في انعدام أي استقرار او ازدهار. لم يفسر عطوان كيف تسمح الكرامة وعزة النفس أن تقوم أقلية غير منتخبة من فرض ايديولوجيتها وأهوائها مرارا وتكرار على الأغلبية في معظم الدول العربية والاسلامية. طبعا عطوان يشجع على هذه الروح القتالية من العاصمة البريطانية لندن بدل أن يساهم بنفسه في الهجرة للإمارة الجديدة التي يرى أنها ربما ستصبح قوة مدعومة عالميا من قبل الصين وروسيا وربما أميركا نفسها. 

هذا النوع من التحليل يساهم في خلق مجتمعات متملصة تماما من مسؤوليتها في صنع الأحداث، وترى نفسها دوما ضحية مسلوبة الإرادة لقوى خارجية، ما عدى القتلة أمثال طالبان والدواعش الذين ترى فيهم روح المقاومة التي يحتفي بها مثقفون أمثال كاتبنا هذا. في الوقت نفسه، تقوم هكذا خطابات على تعبئة المجتمعات بكم هائل من الكراهية للآخر الذي تصوره بأنه متحكم في إرادتها تماما. بينما الأولى لنا ان نحاول استثمار أي طاقة لدينا نحو بناء الأوطان وإنتاج بنية فكرية قادرة فعلا على خلق مجتمعات وأنظمة تحمي كرامة مواطنيها وتمكنهم من المشاركة الفعلية والسلمية، في اختيار الأفضل من كفاءات مجتمعاتهم للقيادة ولحل المشاكل التي يواجهها العالم الإسلامي، لا بل العالم بأسره، كالاحتباس الحراري والبطالة وتوفير مستوى عيش كريم للجميع. 

يتقدم العالم العربي جميع بقاع المعمورة في البطالة بينما تتربع دوله على موارد مالية واستراتيجية وتاريخية هائلة تكاد تكون مهدورة تماما او مستثمرة بخلق أيديولوجيات تغذي العنف والدمار حول العالم. فلا ننسى كيف قام عبدالله عزام أستاذ الشريعة وغيره بجمع الملايين لتأسيس مكتب الخدمات في أفغانستان وإحضار آلاف الشباب العرب لتأهيلهم للجهاد. ومن يدري فقد يتم تهجير موجة جديدة من الشباب العربي العاطل عن العمل إلى أفغانستان لتغذية الروح الجهادية والقتالية التي تغنى بها أمثال عطوان، ودائما نستطيع ان نلوم أميركا بدل ان نقوم بمراجعة افعالنا واتخاذ قرارات من شأنها فعلا ان تغير عالمنا للأفضل. وكما حققت أميركا إنجازات هائلة منذ انسحابها من فيتنام، فإنها على الاغلب ستستمر في تحقيق نجاحات، بعضها قد تفيد البشرية بأسرها، بينما يستمر بعض مثقفينا العرب الموالين للإستبداد في التشجيع على تغذية الروح القتالية من جهة ولوم أميركا من جهة اخرى.  

سارعت طالبان بإصدار خطابات مطمئنة لعالم مفزوع منها، تقول إنها سوف تحترم حقوق الانسان وخصوصا حقوق المرأة. وطبعا لا شخص يتمتع بقواه العقلية يتوقع ان طالبان والتي اكدت انها ستقيم الشريعة الإسلامية، سوف تحترم أي حقوق على الاطلاق، سواء حقوق المرأة او حقوق الصحافة أو حقوق الانسان بشكل عام، فالمكتوب معروف من عنوانه. فطالبان ذات التاريخ الحافل بالجرائم استولت على الحكم ليس باختيار الشعب وصناديق الاقتراع، بل، وكما فعلت المرة الأولى، بالإرهاب والعنف وقتل كل من جاء في طريقها، حتى النساء العزل منهن. هكذا وصلت إلى كابول والعنف وحده من سيبقيها فيها فهي كجميع الحركات السلطوية، حتى التي وصلت منها للحكم عن طريق الصناديق، لا تستطيع البقاء في السلطة سوى عن طريق القمع والعنف، فهي وان فازت مرة او حتى مرات فإنها في النهاية ستعمل على تدمير أي منظومة تهدد تشبثها الابدي والإقصائي بالسلطة.  

لكن ربما تكون هذه حقبة جديدة فعلا لطالبان. فبينما يتساءل العالم عما ينتظر أفغانستان تحت حكم طالبان، وبينما يعبر ملايين الناس حول العالم عن تعاطفهم مع الشعب الافغاني الذي عانى من حروب لعقود طويلة، ربما تجد طالبان ان أفغانستان اليوم ليس أفغانستان الثمانينات. فبالرغم من هجوم طالبان المتكرر خلال العشرين سنة الماضية على المدارس وقتلها لآلاف الطلاب العزل، هناك جيل كامل نشأ يتمتع بهواتف ذكية ومواقع تواصل اجتماعية، جيل يستطيع ان يفكر بنفسه ولنفسه. لن يقبل ان يأتي شخص غير منتخب ويتوقع منه الطاعة العمياء. 

قد تستطيع طالبان ان تقتل وتنكل وتخيف، ولكنها لن تتمتع بمصداقية، سواء داخليا أو خارجيا. وفي الآن نفسه، على الشعب الافغاني وعلى جميع الشعوب المقهورة والمظلومة ان تعمل على تغيير حاضرها ومستقبلها بدل ان تضيع وقتها بلوم القوى التي فعلا خارج سيطرتها. فحتى لو فشلت أميركا، هل سيكون العالم أفضل؟ اشك في ذلك. لكن، هل سيكون العالم افضل مع طالبان؟ ربما يجب ان تسألوا فتيات أفغانستان. 

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.