وقفة بالشموع في مدينة لوس أنجلوس حزنا على سقوط أفغانستان بأيدي طالبان
"المجتمع الأفغاني فسيفساء صعبة، وليس سهلا تطويعه والسيطرة عليه"

ليلة سقوط كابل كانت مُريعة ومُخجلة، فالرئيس الأفغاني، أشرف غني، فر من البلاد بطائرة هليكوبتر مصطحبا عائلته وما استطاع أن يلوذ به من أموال، والجيش الأفغاني ورجال الشرطة الذين يقارب عددهم 300 ألف اختفوا بلمح البصر، ولم يدافعوا عن عاصمتهم. 

قبل 20 عاما أوقعت أميركا هزيمة بحركة طالبان، وسيطرت على أفغانستان تحت ذريعة تعاونها مع الإرهاب، واحتضانها لزعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، ورفضها تسليمه إلى الولايات المتحدة. 

يتكرر المشهد بعد 20 عاما، وقبيل ذكرى أحداث سبتمبر، فحركة طالبان تعود بنصر مؤزر إلى السلطة، وأميركا تشعر بالعار والهزيمة حين تحاول على عجل إزالة العلم الأميركي عن سفارتها بعد أن أصبح مقاتلو طالبان على بعد أمتار من جدران المبنى في كابل، وحين لا يسعفها الوقت بانسحاب مشرف تضمن إجلاء آمن لجنودها ورعاياها، والمتحالفين معها، فالصور الملتقطة للأفغان المتشبثين بسلالم الطائرات موجع ومخزٍ. 

مهما قيل من كلام، ومهما أطلقت من أوصاف فإن ما حدث يشي أن أميركا قد هُزمت، وأن كابل لا تختلف كثيرا عن سايغون في فيتنام، ويكفي توصيفا ما قاله الرئيس الأميركي، جون بايدن في خطابه "ما نراه يُثبت أن ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنها مقبرة الغزاة". 

ويعترف بايدن بمرارة الخذلان حين يكشف عن إنفاق الولايات المتحدة تريليوني دولار في أفغانستان على مدار 20 عاما، والنتيجة سقوط المدن الأفغانية واحدة تلو الثانية، وآخرها كابل بيد حركة طالبان كما تتساقط أحجار الدومينو. 

وزير الدفاع الأميركي كان دقيقا في تشخيص ما حدث حين أكد أنه لا يمكن شراء الإرادة، ولا يمكن شراء القيادة في إشارة إلى تخاذل الجيش، والقيادة الأفغانية. 

شمت الرئيس الأميركي السابق ترامب بالإدارة الأميركية الحالية، ووصف انسحاب الجيش بالعار، وأنه أكبر الهزائم في التاريخ الأميركي، مطالبا بايدن بالاستقالة، لكن المأزق الذي وصلت له واشنطن اليوم كان ثمار الاتفاق الذي وقعته إدارته في يناير 2019 في الدوحة مع حركة طالبان ضمن ما سُميّ "محادثات السلام"، ونص على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وعدم السماح للتنظيمات الإرهابية باستخدام الأراضي الأفغانية كقاعدة، وملاذ آمن لها. 

ما بعد سقوط كابل ليس كما هو قبلها، فطالبان التي كانت تُحارب باعتبارها حركة إرهابية تستحوذ الآن على السلطة، والمجتمع الدولي سيكون مضطرا للتعامل معها، ومع استحقاقاتها، وما تفرضه من متغيرات على أرض الواقع. 

أكثر الأسئلة التي شغلت المتابعين، هل يعقل أن تتخلى وتغادر أميركا أفغانستان دون "صفقة تحت الطاولة" مع حركة طالبان تضمن تفاهمات محددة تحمي مصالحها؟ 

والسؤال الآخر، هل حركة طالبان التي وصلت السلطة في أفغانستان عام 1996، ودُحرت عام 2001، هي نفسها التي عادت الآن إلى السلطة بعد عقدين من الزمان؟ 

الاعتقاد السائد أن سياسة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بقيادة العربة من الخلف هي التي تسود نهج الولايات المتحدة، ولهذا فإن الخروج من المستنقع الأفغاني أصبح مطلبا، وهو يُنهي أطول حرب في تاريخ أميركا. 

كل ما تُريده وتحتاجه أميركا الآن، ألا تكون أفغانستان ملاذا آمنا لأي من التنظيمات الإرهابية، وهي الضمانات التي تكرست في الاجتماعات العلنية والسرية بين واشنطن وقيادات طالبان برعاية قطرية. 

الرهانات والتحليلات ترى أن زمن "الأفغان العرب"، أو المجاهدين العرب قد انتهى، وكذا الأمر فإن زمن تنظيم القاعدة وأي من تفريخاته قد ولى بمقتل أسامة بن لادن، وأن قيادة طالبان الجديدة التي لم تكن بالسلطة من قبل، لن تكون بالحماقة التي تُعطي ذريعة لتُشن حرب دولية عليها، أو عزلها مرة أخرى. 

منذ لحظة سيطرتها على العاصمة كابل، أطلقت قيادة الحركة سلسلة من رسائل التطمين للداخل والخارج، فالمتحدث باسم طالبان يؤكد أن الحركة تريد علاقات مع المجتمع الدولي، ولا تريد العيش بعزلة، ولا خطر يُهدد السفارات أو البعثات الأجنبية، ولن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أي جهة. 

وفي رسائله إلى الداخل الأفغاني المضطرب، فإن الحركة أعلنت عفوا عن كل المسؤولين السابقين، وأكدت احترامها لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقوق المرأة، وحرية التعبير. 

تتواتر المعلومات عن محادثات تجريها حركة طالبان لتشكيل حكومة شاملة، وحامد كرزاي أول رئيس لأفغانستان بعد الاحتلال الأميركي يعلن عن تشكيل لجنة من ثلاثة أشخاص لضمان انتقال سلمي للسلطة، تضم إضافة له كلا من: رئيس لجنة المصالحة عبد الله عبد الله، وقلب الدين حكمتيار رئيس الحزب الإسلامي. 

دول العالم تترقب ما سيحدث في أفغانستان، وهي بالتأكيد لن تُبادر إلى الاعتراف بشرعية حركة طالبان قبل أن ترى أفعالها، وسلوكها على أرض الواقع، وباستثناء ترحيب صيني بالتعاون معها سعيا لعلاقات ودية، فإن دول العالم بما فيها دول الجوار لن تمنحها "شيك على بياض". 

من المُبكر الآن الحكم على النهج الذي ستسلكه حركة طالبان، وهي تعترف وتُجيب على تساؤلات طرحت عليها، بأنها لا تعرف بشكل نظام الحكم الذي سيُطبق في أفغانستان، ومحاولتها رسم صورة جديدة لها تختلف عن "إمارة طالبان" لم تهدئ المخاوف الدولية، فالحركة التي يحكمها جناح عسكري، وآخر سياسي لم تخرج وتبتعد بأفكارها عن المدرسة الدينية، والمقاربة التي ستحكم سلوكها السياسي ستعتمد على أسس دينية حتى لو لونتها بلبوس سياسي برغماتي. 

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدعو حركة طالبان إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لحماية حقوق وحريات جميع الناس، وديفيد بتريوس، مدير المخابرات الأميركية وقائد القوات العسكرية السابق في أفغانستان، يرى أن استيلاء طالبان على السلطة أمر صادم وكارثي، والأنظار تتجه الآن إلى القيادة الأفغانية الجديدة بزعامة هيبة الله أخوند زاده، ورفاقه، وكيف ستُدير معركتها السياسية والدبلوماسية بعد أن ظفرت بسيطرتها العسكرية. 

الاختبار الأهم، سياق العلاقات بين حركة طالبان ودول الجوار، فباكستان كانت الحليف التاريخي لها، فهل ستبقى عُرى هذا التحالف قائما، ومع إيران قد تتقدم لغة المصالح، والعداء المشترك لواشنطن على الحساسيات النمطية عن صراع الإسلام السني- الشيعي، وتظل الكثير من الأسئلة العالقة التي لا تجد إجابات شافية عن مستقبل علاقة طالبان مع جوارها: الهند، والصين، وروسيا، وطاجكستان. 

بعد أن هزم "المجاهدون" الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بدعم أميركي لم تسلم البلاد من حرب أهلية طاحنة امتدت لسنوات بين زعماء القبائل والميليشيات العسكرية، حتى استقر المطاف بسيطرة طالبان التي أسقطتها القوات الأميركية بعد أحداث سبتمبر. 

من السهل أن تغزو أفغانستان وتحتلها، ولكن من الصعب أن تخرج منها منتصرا، وما استقر وأصبح حقيقة أن أفغانستان تحولت لمقبرة للغزاة، والإمبراطوريات التي تعاقبت على حكمها (بريطانيا، الاتحاد السوفيتي، وأميركا) جميعها رحلت تجر أذيال الهزيمة والخيبة. 

في أفغانستان، وتحديدا في قندهار موطن حركة طالبان هناك مسابقة تُسمى "إطفاء الجمر"، ومن يفوز بها هو من يبقى حاملا الجمر بيديه حتى ينطفئ دون أن يتحرك، أو يتألم، أو يتأوه، وطالبان تخضع لاختبار الصبر، وقدرتها على الصمود وهي تمسك الجمر، فالعالم يحيط بها بأسلحته، والمجتمع الذي حكمته قبل 20 عاما تغير، ولن تجد منه السمع والطاعة إذا صادرت حقوقه، والمجتمع الأفغاني فسيفساء صعبة، وليس سهلا تطويعه والسيطرة عليه، وخطأ تكتيكي بسيط قد يكون سببا كافيا لحرب أهلية دامية تدوم لسنوات. 

بعد 20 عاما على حكم واشنطن سقطت كابل بلمح البصر، وهرب رئيسها، والحكمة والدرس المستفاد أن السلطة مُعرّضة للزوال في أي لحظة، إذا كانت تعتمد على حماية أجنبية فقط، ولا يحميها شعبها. 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.