وقفة بالشموع في مدينة لوس أنجلوس حزنا على سقوط أفغانستان بأيدي طالبان
"المجتمع الأفغاني فسيفساء صعبة، وليس سهلا تطويعه والسيطرة عليه"

ليلة سقوط كابل كانت مُريعة ومُخجلة، فالرئيس الأفغاني، أشرف غني، فر من البلاد بطائرة هليكوبتر مصطحبا عائلته وما استطاع أن يلوذ به من أموال، والجيش الأفغاني ورجال الشرطة الذين يقارب عددهم 300 ألف اختفوا بلمح البصر، ولم يدافعوا عن عاصمتهم. 

قبل 20 عاما أوقعت أميركا هزيمة بحركة طالبان، وسيطرت على أفغانستان تحت ذريعة تعاونها مع الإرهاب، واحتضانها لزعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، ورفضها تسليمه إلى الولايات المتحدة. 

يتكرر المشهد بعد 20 عاما، وقبيل ذكرى أحداث سبتمبر، فحركة طالبان تعود بنصر مؤزر إلى السلطة، وأميركا تشعر بالعار والهزيمة حين تحاول على عجل إزالة العلم الأميركي عن سفارتها بعد أن أصبح مقاتلو طالبان على بعد أمتار من جدران المبنى في كابل، وحين لا يسعفها الوقت بانسحاب مشرف تضمن إجلاء آمن لجنودها ورعاياها، والمتحالفين معها، فالصور الملتقطة للأفغان المتشبثين بسلالم الطائرات موجع ومخزٍ. 

مهما قيل من كلام، ومهما أطلقت من أوصاف فإن ما حدث يشي أن أميركا قد هُزمت، وأن كابل لا تختلف كثيرا عن سايغون في فيتنام، ويكفي توصيفا ما قاله الرئيس الأميركي، جون بايدن في خطابه "ما نراه يُثبت أن ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنها مقبرة الغزاة". 

ويعترف بايدن بمرارة الخذلان حين يكشف عن إنفاق الولايات المتحدة تريليوني دولار في أفغانستان على مدار 20 عاما، والنتيجة سقوط المدن الأفغانية واحدة تلو الثانية، وآخرها كابل بيد حركة طالبان كما تتساقط أحجار الدومينو. 

وزير الدفاع الأميركي كان دقيقا في تشخيص ما حدث حين أكد أنه لا يمكن شراء الإرادة، ولا يمكن شراء القيادة في إشارة إلى تخاذل الجيش، والقيادة الأفغانية. 

شمت الرئيس الأميركي السابق ترامب بالإدارة الأميركية الحالية، ووصف انسحاب الجيش بالعار، وأنه أكبر الهزائم في التاريخ الأميركي، مطالبا بايدن بالاستقالة، لكن المأزق الذي وصلت له واشنطن اليوم كان ثمار الاتفاق الذي وقعته إدارته في يناير 2019 في الدوحة مع حركة طالبان ضمن ما سُميّ "محادثات السلام"، ونص على انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وعدم السماح للتنظيمات الإرهابية باستخدام الأراضي الأفغانية كقاعدة، وملاذ آمن لها. 

ما بعد سقوط كابل ليس كما هو قبلها، فطالبان التي كانت تُحارب باعتبارها حركة إرهابية تستحوذ الآن على السلطة، والمجتمع الدولي سيكون مضطرا للتعامل معها، ومع استحقاقاتها، وما تفرضه من متغيرات على أرض الواقع. 

أكثر الأسئلة التي شغلت المتابعين، هل يعقل أن تتخلى وتغادر أميركا أفغانستان دون "صفقة تحت الطاولة" مع حركة طالبان تضمن تفاهمات محددة تحمي مصالحها؟ 

والسؤال الآخر، هل حركة طالبان التي وصلت السلطة في أفغانستان عام 1996، ودُحرت عام 2001، هي نفسها التي عادت الآن إلى السلطة بعد عقدين من الزمان؟ 

الاعتقاد السائد أن سياسة الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، بقيادة العربة من الخلف هي التي تسود نهج الولايات المتحدة، ولهذا فإن الخروج من المستنقع الأفغاني أصبح مطلبا، وهو يُنهي أطول حرب في تاريخ أميركا. 

كل ما تُريده وتحتاجه أميركا الآن، ألا تكون أفغانستان ملاذا آمنا لأي من التنظيمات الإرهابية، وهي الضمانات التي تكرست في الاجتماعات العلنية والسرية بين واشنطن وقيادات طالبان برعاية قطرية. 

الرهانات والتحليلات ترى أن زمن "الأفغان العرب"، أو المجاهدين العرب قد انتهى، وكذا الأمر فإن زمن تنظيم القاعدة وأي من تفريخاته قد ولى بمقتل أسامة بن لادن، وأن قيادة طالبان الجديدة التي لم تكن بالسلطة من قبل، لن تكون بالحماقة التي تُعطي ذريعة لتُشن حرب دولية عليها، أو عزلها مرة أخرى. 

منذ لحظة سيطرتها على العاصمة كابل، أطلقت قيادة الحركة سلسلة من رسائل التطمين للداخل والخارج، فالمتحدث باسم طالبان يؤكد أن الحركة تريد علاقات مع المجتمع الدولي، ولا تريد العيش بعزلة، ولا خطر يُهدد السفارات أو البعثات الأجنبية، ولن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد أي جهة. 

وفي رسائله إلى الداخل الأفغاني المضطرب، فإن الحركة أعلنت عفوا عن كل المسؤولين السابقين، وأكدت احترامها لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها حقوق المرأة، وحرية التعبير. 

تتواتر المعلومات عن محادثات تجريها حركة طالبان لتشكيل حكومة شاملة، وحامد كرزاي أول رئيس لأفغانستان بعد الاحتلال الأميركي يعلن عن تشكيل لجنة من ثلاثة أشخاص لضمان انتقال سلمي للسلطة، تضم إضافة له كلا من: رئيس لجنة المصالحة عبد الله عبد الله، وقلب الدين حكمتيار رئيس الحزب الإسلامي. 

دول العالم تترقب ما سيحدث في أفغانستان، وهي بالتأكيد لن تُبادر إلى الاعتراف بشرعية حركة طالبان قبل أن ترى أفعالها، وسلوكها على أرض الواقع، وباستثناء ترحيب صيني بالتعاون معها سعيا لعلاقات ودية، فإن دول العالم بما فيها دول الجوار لن تمنحها "شيك على بياض". 

من المُبكر الآن الحكم على النهج الذي ستسلكه حركة طالبان، وهي تعترف وتُجيب على تساؤلات طرحت عليها، بأنها لا تعرف بشكل نظام الحكم الذي سيُطبق في أفغانستان، ومحاولتها رسم صورة جديدة لها تختلف عن "إمارة طالبان" لم تهدئ المخاوف الدولية، فالحركة التي يحكمها جناح عسكري، وآخر سياسي لم تخرج وتبتعد بأفكارها عن المدرسة الدينية، والمقاربة التي ستحكم سلوكها السياسي ستعتمد على أسس دينية حتى لو لونتها بلبوس سياسي برغماتي. 

الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يدعو حركة طالبان إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس لحماية حقوق وحريات جميع الناس، وديفيد بتريوس، مدير المخابرات الأميركية وقائد القوات العسكرية السابق في أفغانستان، يرى أن استيلاء طالبان على السلطة أمر صادم وكارثي، والأنظار تتجه الآن إلى القيادة الأفغانية الجديدة بزعامة هيبة الله أخوند زاده، ورفاقه، وكيف ستُدير معركتها السياسية والدبلوماسية بعد أن ظفرت بسيطرتها العسكرية. 

الاختبار الأهم، سياق العلاقات بين حركة طالبان ودول الجوار، فباكستان كانت الحليف التاريخي لها، فهل ستبقى عُرى هذا التحالف قائما، ومع إيران قد تتقدم لغة المصالح، والعداء المشترك لواشنطن على الحساسيات النمطية عن صراع الإسلام السني- الشيعي، وتظل الكثير من الأسئلة العالقة التي لا تجد إجابات شافية عن مستقبل علاقة طالبان مع جوارها: الهند، والصين، وروسيا، وطاجكستان. 

بعد أن هزم "المجاهدون" الاتحاد السوفيتي في أفغانستان بدعم أميركي لم تسلم البلاد من حرب أهلية طاحنة امتدت لسنوات بين زعماء القبائل والميليشيات العسكرية، حتى استقر المطاف بسيطرة طالبان التي أسقطتها القوات الأميركية بعد أحداث سبتمبر. 

من السهل أن تغزو أفغانستان وتحتلها، ولكن من الصعب أن تخرج منها منتصرا، وما استقر وأصبح حقيقة أن أفغانستان تحولت لمقبرة للغزاة، والإمبراطوريات التي تعاقبت على حكمها (بريطانيا، الاتحاد السوفيتي، وأميركا) جميعها رحلت تجر أذيال الهزيمة والخيبة. 

في أفغانستان، وتحديدا في قندهار موطن حركة طالبان هناك مسابقة تُسمى "إطفاء الجمر"، ومن يفوز بها هو من يبقى حاملا الجمر بيديه حتى ينطفئ دون أن يتحرك، أو يتألم، أو يتأوه، وطالبان تخضع لاختبار الصبر، وقدرتها على الصمود وهي تمسك الجمر، فالعالم يحيط بها بأسلحته، والمجتمع الذي حكمته قبل 20 عاما تغير، ولن تجد منه السمع والطاعة إذا صادرت حقوقه، والمجتمع الأفغاني فسيفساء صعبة، وليس سهلا تطويعه والسيطرة عليه، وخطأ تكتيكي بسيط قد يكون سببا كافيا لحرب أهلية دامية تدوم لسنوات. 

بعد 20 عاما على حكم واشنطن سقطت كابل بلمح البصر، وهرب رئيسها، والحكمة والدرس المستفاد أن السلطة مُعرّضة للزوال في أي لحظة، إذا كانت تعتمد على حماية أجنبية فقط، ولا يحميها شعبها. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.