مشاهد المدنيين العزل في أفغانستان وهم يلهثون خلف الطائرات العسكرية الأميركية أو يرمون أطفالهم باتجاه الجنود هربا من حكم طالبان، فيها إدانة صارخة لكل من أوصل لهذا الواقع وهو مؤشر مرحلة سوداوية للبلاد بعدما غسل الأميركيون يدهم منها وانتقلوا لتحديات أقل كلفة وأكثر تعقيدا من حكم كابول.
تاريخ أفغانستان المحاصر بذاكرة الاستعمار والجهاديين دخل مرحلة جديدة بشكلها إنما قديمة بمضمونها وبحيث فتح الخروج الأميركي أبواب عودة طالبان إلى الحكم، وسط تمزق وتشرذم بين هويات وتطلعات وطموحات متضاربة في البلاد.
صعود طالبان ما كان ليتم لولا اتفاقها مع الأميركيين وإدارة دونالد ترامب تحديدا في قطر في ٢٠٢٠. أن تجلس أميركا، الدولة العظمى، مع حركة جهادية إسلامية كانت واشنطن دخلت الحرب في ٢٠٠١ لإسقاطها من الحكم، هو تطور غير مسبوق. إنما التفكير الأميركي وبعد أربع إدارات غرقت في الحرب في أفغانستان، كان الخروج منها.
جو بايدن كما دونالد ترامب يتحرك ببرودة سياسية وانتهازية في الخارج. حرب أفغانستان باتت عبئا ثقيلا وغير ضروري لواشنطن المنشغلة بتحديات أكبر مثل مواجهة الصين، وتطوير دفاعاتها التكنولوجية. لهذا السبب أبقى بايدن على زلماي خليل زاد مبعوثا لأفغانستان كونه يعرف مضمون الصفقة مع طالبان، وضليع بالمفاوضات مع الملا بارادار.
المهمة الأميركية بالخروج سهلها فشل أشرف غني في التوصل لاتفاق مع طالبان، ومن ثم الهرب من كابول. الإذاعة البريطانية نقلت أن غني رحل وفي جعبته ١٦٩ مليون دولار نقدا. وهو اليوم ضيف أو بالأحرى لاجئ سياسي في الإمارات العربية المتحدة، إنما خروجه وبهذه الطريقة هو طعنة بالظهر لكل مدني أفغاني عالق تحت حكم طالبان.
غني وقواته لم يطلقوا رصاصة واحدة باتجاه طالبان، وسلموا معداتهم وسلاحهم وقصورهم لحركة إسلامية جهادية سلطوية خنقت أفغانستان لعقود. الرئيس الأفغاني السابق تحجج أنه لا يريد سفك دماء الأفغان في حرب مع طالبان، إذا لماذا لم يفاوض الحركة؟ لماذا هرب محملا بأكياس المال إلى الإمارات؟
معضلة أفغانستان ومدنييها اليوم هي في أنهم عالقون بين أنياب طالبان وجشع غني وفريقه. إيديولوجية طالبان لن تكون قادرة على حكم أفغانستان بشكل قوي بسبب التشرذم الداخلي والميليشيات والتوجهات المتضاربة لمجموعات وهويات مختلفة في البلاد. في نفس الوقت طالبان لا تريد مواجهة مع الولايات المتحدة وتعلمت من ٢٠٠١ سر البقاء في الحكم بالتعاون بحد أدنى مع أميركا بمحاربة الإرهاب المتمثل اليوم بداعش والقاعدة.
هذا الأمر يرجح تفاهما ضمنيا بين واشنطن وطالبان مع تأكيد وزارة الدفاع الأميركية الخميس أنها على اتصال بالحركة، وأنها تسهل ولا تعرقل عمليات إجلاء المواطنين الأميركيين وكل من ساعد واشنطن في العشرين سنة الفائتة في أفغانستان.
خلاص أفغانستان وتضميد جروح الاستعمار وبناء دولة مدنية لن يأت على يد حركة تواطأت مع القاعدة وقمعت وجلدت النساء وفجرت تراث باميان. وهو لن يتم على يد قيادات فاسدة ومنافقة، تلاعبت مع وبالأميركيين وهرولت ساعة هموا بالانسحاب. الخلاص قد يستلزم عقودا وسيأتي من البذور الداخلية الوطنية اليوم التي تعارض طالبان والوجود الأميركي وأي تدخل خارجي في البلاد.
