في غضون أسابيع قليلة، دمرت طالبان العديد من المدارس وأجبرت مليوني فتاة على ترك المدرسة مرة أخرى
في غضون أسابيع قليلة، دمرت طالبان العديد من المدارس وأجبرت مليوني فتاة على ترك المدرسة مرة أخرى

فيما يلي، سنقرأ مقاطع من رسالة عممتها المخرجة الأفغانية صحراء كريمي على عدد من وسائل الإعلام بعد الأحداث الأخيرة في بلدها. الترجمة حرة وسنسعى، في هذا المقال، لأن نبقى الأقرب لما قالته: 
"اسمي صحراء كريمي، مخرجة ومدير عامة لمؤسسة الفيلم الأفغاني، وهي شركة الأفلام الوحيدة التي تأسست عام 1968. 
أكتب إليكم بقلب مكسور وأمل عميق في أن تتمكنوا من الانضمام إلي في حماية شعبي (...).
في الأسابيع الأخيرة، سيطرت طالبان على العديد من المقاطعات. لقد ذبحوا شعبنا وخطفوا الكثير من الأطفال وباعوا الفتيات كعرائس لرجالهم، وقتلوا امرأة من أجل لباسها، وعذبوا وقتلوا أحد فناني الكوميديا المحبوبين لدينا. (...) قتلوا رئيس هيئة الثقافة والإعلام، وشنقوا بعض رجالنا علناً، وشردوا مئات الآلاف من العائلات.
تعيش العائلات في مخيمات في كابول بعد فرارها من هذه المقاطعات، وهم في حالة غير صحية. هناك نهب في المعسكرات ويموت الأطفال بسبب النقص في الحليب.
ـ(...) الآن، بعد عشرين عامًا من المكاسب الهائلة لبلدنا وخاصة لأجيالنا الشابة، يمكن أن نضيع كل شيء مرة أخرى. (...) لقد تعامل الطالبان بوحشية مع شعبنا طوال عملية التفاوض. إذا سيطرت طالبان على البلد، فسوف يحظرون كل الفنون. قد أكون أنا وغيري من صانعي الأفلام ضمن الأسماء المقبلة على قائمة القتل الخاصة بهم. سوف يمنعون حقوق النساء، وسوف يخنق تعبيرنا في صمت...
عندما كانت طالبان في السلطة، لم تكن هناك فتيات في المدرسة. منذ ذلك الحين، التحقت بالمدارس أكثر من 9 ملايين فتاة أفغانية. إنه لأمر مدهش أن "هرات"، ثالث أكبر مدينة سقطت في يد طالبان، كان لديها ما يقرب من 50٪ من النساء في جامعتها. هذه مكاسب لا يعرفها العالم بالشكل الكافي. في غضون أسابيع قليلة، دمرت طالبان العديد من المدارس وأجبرت مليوني فتاة على ترك المدرسة مرة أخرى (...)".

هذا جزء من رسالة طويلة كتبتها إذن المخرجة الأفغانية صحراء كريمي تطلب فيها دعم الفنانين والحقوقيين عبر العالم لإنقاذ الأفغان وخصوصا منهم الفنانون، المثقفون والنساء، من بطش طالبان. 

من السهل طبعا أن نجلس لنُنَظّر من نيويورك أو باريس، حيث نتمتع بحقوق مدنية كثيرة، أو حتى من الدار البيضاء أو القاهرة، حيث يتوفر أيضا لمعظمنا حد أدنى من الحقوق والمؤسسات، مقارنة مع ما يحدث حاليا في أفغانستان... وأن نزايد في حقوق هؤلاء أو أن "نبارك" لهم الخلافة الإسلامية ونهلل، ونحن ندرك تماما ما الذي ينتظرهم.  من السهل أن نتمشى بحرية في شوارع مدننا ونحن ننتقد "التضخيم الإعلامي" لما حدث في أفغانستان ونعتبر أن كل شعب معني بقضاياه أو أن طالبان صنيعة أميركية... 

استولت هذه الحركة الإرهابية على عدد من المدن في أفغانستان، وتابع معظمنا صورا مؤلمة لهروب آلاف المواطنين للخيام على هوامش المدن أو في المطارات، مغامرين بحياتهم... لكن، خارج كل هذه التفاصيل التي قد نشاهدها عن بعد، ماذا لو وضعنا أنفسنا مكان كل فرد منهم؟ ماذا لو تخيلنا تفاصيل فردية لأشخاص بسطاء ستنقلب حياتهم رأسا على عقب...

تفاصيل أب يريد أن يحمي أسرته، شاب فنان، فتاة تتابع دراستها في الجامعة، طفلة تحلم بمتابعة دراستها، شابة قد تزوَّج غصبا لشخص لا تريده باسم تطبيق الشريعة، امرأة قد ترجم بسبب تهمة الخيانة، شاب قد يقتل بسبب الاشتباه في مثليته، فنان قد يقتل (كما قتلت طالبان منذ أسابيع قليلة كوميديا أفغانيا معروفا)، وغيرها من تفاصيل أفراد يشبهونك ويشبهونني... أشخاص كانت لهم أحلام وتفاصيل صغيرة ومشاريع للدراسة والعمل والسفر والزواج... لكن حياتهم ستنقلب رأسا على عقب!

ونحن موزعون بين المباركة وبين اللامبالاة لأن أفغانستان بعيدة ولا تعنينا كثيرا.... أتمنى فقط أن لا يأتي علينا يوم نقول فيه: "أكلت يوم أكل الثور الأبيض"!

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.