أحد مقاتلي طالبان في العاصمة كابل
أحد مقاتلي طالبان في العاصمة كابل

بعد الصعود السريع مرة أخرى لحركة طالبان وإصرارهم على حكم أفغانستان مرة أخرى بما أسموه بقوانين الشريعة الإسلامية من حقنا أن نتسائل أين ذهب الإسلام؟ 

فشريعة طالبان - وهي لا تختلف كثيراً عن شريعة داعش - تجبر الناس على أداء الفروض الدينية وتمنع المرأة من التعليم وتقتل من يرفض الدين أو ينكر شيئاً فيه وتتجسس على الناس لتعاقبهم إن فعلوا شيئاً يخالف ما أسموه ب"الشريعة الإسلامية" و تعاقب المفطرين في رمضان وتقتل تاركي الصلاة أو منكريها وتجبر النساء على لبس البرقع وتدمر معابد غير المسلمين و...و...و... 

وهنا لنا وقفة لنسأل أنفسنا كما جاء في عنوان المقالة إين ذهب الإسلام الذي جاء به القرآن؟ 

فأين ذهبت آية "لا إكْرَاهَ فِيْ الدِّينِ قَدْ تَبيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغّيِّ" (سورة البقرة: 256)  

وأين ذهبت آية " وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ " (سورة الكهف آية 29)  

وأين ذهبت آية فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" (سورة الغاشية آية 22) 

 وأين ذهبت آية " وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ "(سورة يونس آية 99) 

 وأين ذهبت آية " وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ "سورة ق آية 45). 

وأين ذهبت آية " وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا " (سورة طه آية 114) وهي آية لم تفرق بين الرجل والمرأة في تلقي العلم. 

وأين ذهبت آية "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا " ( سورة الحجرات آية 12) 

ثم علينا أن نسأل من أين جائت طالبان وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرفة بقانون لمعاقبة المفطرين في رمضان بالرغم من قوله تعال " وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين" (سورة البقرة آية 184).    

ومن حقنا أيضاً أن نسأل من أعطاهم الحق في تدمير دور عبادة غير المسلمين بالرغم من أن الله أمرنا بالدفاع عنها كما جاء قوله تعال "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" (سورة الحج آية 40). 

فيبدوا أن طالبان وغيرها من جماعات التطرف والإرهاب تتبع دينا آخر غير الذي جاء به القرآن. 

وقد يقول قائل منهم أنهم يتبعون كتب الحديث فهل كتب الحديث عندهم أهم وأغلى من القرآن؟ 

هل هناك أي أمر في القرآن للناس أن يصدقوا كتاب البخاري أو أنويتبعوه؟ وماذا لو كان البخاري ممن قال فيهم القرآن "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ" (سورة الأنعام آية 112). فهل سينفعهم البخاري يوم القيامة إن كان ما قاله إفتراء على الله ورسوله؟ 

 وأتذكر في هذه اللحظة قوله تعال "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ  وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" (سورة البقرة أية 116-117). 

للأسف الشديد فقد إتبع الكثيرون فكر طالبان وداعش وبوكوحرام وغيرهم من الجماعات الإرهابية دون أن يقارنوا أفعالهم بما يقوله القرآن! 

فالقرآن الذي أباح حرية الفكر والعقيدة ومنع الرسول من إكراه الناس أو إجبارهم على الصلاة أو على الصوم ومنعه من التجسس على الناس تحول على أيدي طالبان وغيرها إلى ديانة الإكراه والإجبار والسيطرة والتجسس على الناس! 

فياحسرة على ماحدث وبصوت عالٍ أسأل السؤال لمرة أخرى " أين ذهب الإسلام" الذي جاء به القرآن! 

وللحديث بقية! 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.