قيمة الليرة اللبنانية انهارت بمقدار 15 ضعفا على مدى العام الماضي.
قيمة الليرة اللبنانية انهارت بمقدار 15 ضعفا على مدى العام الماضي.

"مات أهلي جائعين، ومن لم يمت منهم جوعاً ُفني بحدّ السيف، وأنا في هذه البلاد القصية أسير بين قوم فرحين مغبوطين يتناولون المآكل الشهية والمشارب الطيبة وينامون على الأسرّة الناعمة ويضحكون للأيام والأيام تضحك لهم" (جبران خليل جبران-1917).

——-

إذا جاءني أحدهم "يتلصّص" على الكلمات التي أخطّها، وأنا جالس على هذه الصخرة البحرية الملساء أتلحّف فضّة الفجر، سوف ينقلب على ظهره لكثرة الضحك، ليصرخ في وجهي، عندما يستعيد أنفاسه:" كيف يُعقل أن تبكي جحيماً، وأنتَ تتنعّم هنا بواحد من أجمل شواطئ جنوب فرنسا وأكثرها تَرَفاً وازدهاراً؟".

تخيّلي لهذه السخرية ليس جلداً للذات، ولا توهّمات مجنونة، بل هو نقاش موضوعي مع "الأنا" التائهة بين أرض لفظتكَ وأرض لم تترسّخ فيها.

وقد تبيّن لي أنّ غالبية كاسحة من اللبنانيين والسوريين والعراقيين واليمنيين والإيرانيين والفلسطينيين والليبيين الذين اضطرتهم ظروفهم إلى مغادرة بلدانهم، يجرون مثل هذا النقاش، كلّ يوم، وأحياناً على مدار الساعة.

وهذه الوضعية النفسية ليست واقعاً جديداً مرتبطاً بالثورة التكنولوجية التي ابتدعت الإعلام الرقمي، بل هي وضعية قديمة نسبياً، وتكفي مراجعة "أدب المهجر" ولا سيما "جوهرة" جبران خليل جبران بعنوان "مات أهلي" لإدراك ذلك.

جبران خليل جبران كان مثلي ومثل الملايين الآخرين من أترابي، يعيش في الخارج، بأمان وبحبوحة وهناء ورخاء، عندما اجتاح الجوع الكبير أهله في وطنه الأم، ممّا دفعه دفعاً إلى أن ينزوي في جنّته، حيث راح يبكي ويشكو ويئن ويصرخ ويستصرخ الضمائر.

في عابر السنوات، وكنتُ لمّا أزل مقيماً في لبنان حيث الأمان مجرّد "هدنة مؤقته"، قرأتُ جبران خليل جبران وأترابه من "رابطة القلم"، فلم أستسِغ "بكائياتهم"، إذ كيف يُعقل لـ"المُتخم" أن يشعر بالجائع، و"المُترف" أن يفهم المحروم، و"المَحمي" أن يستوعب المهدّد؟

حالياً، بتّ أفهم.

بتُّ أفهم، عندما تضاعفت أوجاعي، لحظة ناولني الصيدلي، بسرعة، الدواء الذي تمّ وصفه لي، وعندما دمعت عيناي، لحظة ملأتُ، بلا انتظار، خزّان سيارتي بما يحتاجه من وقود، وعندما وقفتُ أمام الخبّاز، أفاضل بين أنواع الأرغفة المعروضة عليّ، وحين رحتُ في السوبرماركت، أتدلّع، على "ماركات" المواد الغذائية، وحين جلستُ أُشاهد عرضاً ممتعاً في إطار منافسات الألعاب النارية، وحين عدتُ الى المنزل ووجدتُ الكهرباء تملأ غرفه غير المشغولة، وحين أدرتُ المكيّف لحظة اشتدّ الحر، وحين شربتُ الماء البارد من الثلّاجة، وحين استمعتُ إلى نقاشات حول التظاهرات التي تخرج في باريس ضد "ديكتاتورية" البطاقة الصحية المفروضة في سياق مكافحة جائحة كوفيد-19، وحين شاهدتُ كبار السياسيين يُساقون أمام قضاة التحقيق، وحين قرأتُ مقررات الحكومة التي تحلّ تيارات يمينية تتطاول، في اطار التصدّي لموجات الهجرة،  على صلاحيات المرجعيات الأمنية المختصة، وحين اكتشفت أنْ لا فرق بين من يتجسّس لمصلحة دولة صديقة وبين من يتجسّس لمصلحة دولة عدوة.

بتّ أفهم بكائيات "أدب المهجر"، عندما أزعجتني قهقهات الجالسين في المقهى، وحسبتُهم، في لحظة "هلوسة" جغرافية، يفتقدون للأحاسيس الإنسانية، إذ كيف يضحكون فيما نحن في لبنان نبكي؟ 

وكذلك فعلت، عندما غضبتُ على صديق، بعدما دعاني إلى شكر الله على الخروج وعائلتي من لبنان، لأنّه، في هذه اللحظات، سكن ذاكرتي جميع هؤلاء الذين أحبّهم، ويعانون الأمرّين في لبنان، وبعضهم أبلغوني أنّهم لم يتردّدوا في طلب الخلاص من عزرائيل، ملاك الموت.

ومنذ حلّت الكارثة الكبرى على شعبنا، لم نعد، في مجالسنا، سواء ضمّت لبنانيين أو عرباً أو "أجانب"، نتحدّث لا في الأدب ولا في السياحة ولا في التكنولوجيا ولا في فنَ الطبخ ولا في حسن الاستثمار، بل بتنا نتبادل التأوّهات والحسرات والمآسي، وأصبحنا، كلّ يوم، نكتشف أنّ واحداً منّا مصاب باكتئاب عميق.

ووفق أطباء علم النفس، فهذا اكتئاب مبرّر، لأنّك، في مهجرك، تجد نفسك تخسر وطنك، مرة جديدة. المرة الأولى، كانت محكومة بالأمل، وكثيرون لم يكونوا يتوقفون عن التكرار بأنّهم سيعودون نهائياً، يوماً ما. هذه المرّة، الخسارة أكثر مرارة، لأنّها تغلق نافذة الأمل، رجاء العودة وإمكانية النجاة.

ومقاربة المقيمين خارج أوطانهم للوقائع، أكثر جذرية من المقيمين فيها.

المقيمون في أوطانهم يقتلون أوقاتهم في جهد كبير من أجل توفير ما يبقيهم على قيد الحياة. المقيمون خارج أوطانهم لديهم ما يكفي من وقت ليندمجوا بعذابات من يحبون، وليتأمّلوا سلوك المسؤولين المعيب في وطنهم الأم، وهم يقارنونها بسلوك المسؤولين السوي في الدول التي تحتضنهم.

المهاجرون لديهم ما يكفي من ترف ليكتئبوا، وليجدوا أنّ جيناتهم تتّصل بجينات أهاليهم المعذّبة، وأنّ نيران الجحيم يمكن أن تحرق من يسكنون الجنّة!

في مهجرك، وحالة وطنك الأم على ما هي عليه، يؤذيك الجمال، تؤنبّك الابتسامة، توجعك الخدمات المتوافرة.

في مهجرك، تتساءل عن جدواك، فلا أنتَ قوة تغيير، فلعبة الأمم تهزأ بأنينك، ولعبة المال تبخّر مداخيلك، ولا أنتَ، إنْ عدتَ قوّة إنجاز، فالشياطين الذين دفعوك، يوماً الى الهجرة، أصبحوا أصلب وأقوى وأكثر شرّاً، والناس الذين تحمل همومهم يصنّفونك، وهذا حقهم، في خانة، الآتي إليهم من كوكب آخر.

إذا لم يكن كل هذا شقاء، فماذا يكون الشقاء، إذن؟

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.