كمثل أي فرد يائس في هذا الشرق البائس، باتت يومياتك مجرد لهاث خلف تفاصيل غير ذات معنى، تقضيها بين ليل دامس ونهار عابس، حيث لابهجة عامرة أو متعة عابرة، ولا حياة اجتماعية أو ثقافية أو ترفيهية، ولا أحلام بالمستقبل أو آمال واهية بغد أفضل.
وقد استسلمت كغيرك بعد جهود مضنية، وشهدت انسداد الأفق أمام الجميع، ولم يُترك لك سوى العالم الافتراضي ونوافذ تواصله الاجتماعي للفرجة، تطل منها على الأحداث، وكأنك تشرف على حواف الجحيم، تتابع مسارات الخراب، دون أن يلوح فرج قريب.
بأسف وصدمة تلو الأخرى، تتابع أحوال اللبنانيين وكوارثهم اليومية بين أزمات الوقود والانفجارات وانقطاع الكهرباء والمياه والدواء، وسرقة الودائع والوقوف لساعات لأجل رغيف، والفقر وموجات جائحة كورونا، وجعجعة الإعلام والمحطات والمسؤولين حول كل ما تقدم.
تنتقل شرقاً لتتفقد أحوال السوريين والعراقيين واليمنيين، لتجد أن الحال ليس مشابهاً تماماً، بل أسوأ بكثير أو أفضل بقليل القليل. تتابع مسارك الافتراضي وتتوقف عند معاناة الشعب الإيراني والباكستاني والكازاخستاني وغيرها من دول آسيا المثقلة بالأزمات والفقر والمعاناة، لتصل إلى الحدث الأفعاني الذي سيوقف فجأة الاهتمام بأي أمر آخر، ويجمد نظر العالم برمته أمامه.
أمام ما ترصده من ردود فعل منقسمة تلهب أجواء منصات وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام دون انقطاع، تتساءل: هل حقاً كان الحدث الأفغاني المتمثل باستيلاء حركة طالبان على مقاليد الحكم مفاجئاً؟
يفترض المنطق أن المقدمات تقود إلى النتائج، وإذا استعرضنا أمزجة هذه البلاد، ستجد أنها ومنذ أكثر من عقدين على الأقل، مهدت معظم حاضناتها الشعبية لاستقبال أمثال حركة طالبان وكل أخواتها الكامنات الصابرات التي تنتظر فرصها القادمة، وما الترحيب الذي ساد الأجواء الواقعية والافتراضية معاً لنجاح طالبان والمباركة لها من قبل فئات وقيادات دينية وسياسية واسعة إلا ترجمة لما تقدم.
كل محاولات التنوير الديني والفكري قوبلت بالريبة والشكوك والوساوس، أو الرفض والغضب، أو التكفير. لم تتقبل معظم حكومات وشعوب هذه البلاد أفكار التغيير والتحديث إلا في ما يخص الأدوات، فأقبلت بنهم على استخدام التكنولوجيا الحديثة وتعلم أسرارها، لكن ليس لتطوير مجتمعاتها والنهوض بها، ولا للتفاعل الإيجابي مع العالم والانفتاح عليه، بل لاستخدامها مطية لنشر الترهيب ومناهضة الآخرين، وقض مضاجعهم وتحويل أوقاتهم إلى ذعر مستمر.
في الجانب الآخر للحدث، تتساءل مجدداً هل حركة طالبان ستتسبب في غياب الحريات لتستحق كل هذا الرعب؟ وهل تنعم شعوب هذه البلاد بالحريات أساساً إلى حد الترف حتى تخشى من فقدانها؟ هل نال رجال ونساء هذه البلاد حقوقهم في المساواة والعدالة والكرامة؟ وهل تعيش المجتمعات في سعادة وسلام وأمان ورفاهية ورغد العيش وكأنها في فردوس يُخشى من ضياعه؟
أسئلة كثيرة يجيب عليها مثل شعبي يقول: "لا يعيب المصفاة ثقب جديد"، وما تعيشه شعوب هذه البلاد، هو أنها تسكن داخل هذه المصفاة الكبرى منذ سنوات، وكل مافعلته حركة طالبان هو أنها أضافت ثقباً جديداً لمشهد المصفاة العام، قد يكون أكثر اتساعاً كالهوة، وقد يكون ثقب المصفاة الأسود، وببعض التفاؤل، قد لا يعدو أن يكون ثقباً عادياً لا يختلف عن الثقوب الأخرى إلا بتوقيته وشكله، ولن تحسم نوعية هذا الثقب إلا بمرور بعض الوقت.
مصفاة، تشبه ما وصفه الروائي السوري، فواز حداد، في روايته الأخيرة "يوم الحساب" بأن هذه البلاد الممتدة، أخليت تباعاً من الجمال، لتصير فقط أرضاً للنفط والثروات والصراع عليها، وساحة حرة للجيوش والسلاح غير الشرعي والجهاديين والديكتاتوريات، بحيث تتحول حياة من تبقى من أفرادها، إلى حالة صراع وجودي مستمر وهم يمضون في رحلة انتحارهم البطيئة لاجتراع كأس السم الكبير.
في واقع الأمر، وبعيداً عن زرع الآمال الكاذبة، استُنفذت كل الفرص، ولم يعد هناك متسع من الوقت، ولا المقدرة، لسد الثقوب الكثيرة الموجودة في مصافي معظم هذه البلاد. وهي ثقوب تتحمل الحكومات الفاسدة وزر آثامها، وإن حل بها ثقب جديد أشبه بحركة طالبان، لن يكون الأمر مفاجئاً، فكثير من "الطالبانيين" بصبغاتهم المحلية ينتظرون الفرصة، وهم يستندون إلى أرضية صلبة من أغلبية شعبية مرحبة بهم لاعتقادها أنهم " المخلصون". أغلبية شعبية بات ميؤوس منها بدورها، غير قابلة للانفتاح، مثل جدار أصم.
كمثل أي فرد يائس في هذا الشرق البائس، وقد باتت يومياتك مجرد لهاث خلف تفاصيل غير ذات معنى، تقضيها بين ليل دامس ونهار عابس، لم يتبق أمامك إلا الفرجة على المصفاة وهي تزداد ثقوبا،ً وتؤول شيئاً فشيئاً إلى الغرق، القريب.

