من نتائج التغير المناخي واشتداد موجات الحرارة، اجتياح الحرائق في مواسم الصيف لعدد من المناطق عبر العالم، حتى صارت خبرا في عداد الأحداث اليومية شبه العادية. كل عام تشب حرائق الغابات مستعرة بصورة تزيد عن المعدلات. وتمتد من كندا والولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا وروسيا وإيران، مرورا بتركيا واليونان وقبرص، وصولا إلى العراق وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب، وغيرها من الأقطار والبلدان. في ساعات قليلة تأتي النيران على الأخضر واليابس، وتحول أراضٍ ومساحات شاسعة إلى سواد ودمار بعد عين.
هذا العام أيضا كانت الحرائق مهولة، وتفاوتت في الخسائر البشرية والمادية. يقول خبراء علوم البيئة أن حرائق الغابات في فصل الصيف أمر طبيعي، بل وضروري وإيجابي لتحقيق التوازن البيئي. وربَّ ضارة نافعة.
لم تنج الخريطة العربية من هذه الكوارث الطبيعية، كأن دخان الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة والمتفاقمة بالمنطقة لا يكفي، فكان لا بد من حرائق حقيقية، فـ" لا دخان بدون نار" يقول مثل عربي، فلتشعل النيران لترقص الأزمات على صفيح اللظى والأجيج، حتى نصدق حقيقة الانهيار ونقمة الأقدار.
إذا اختصرنا الحديث عن "الحرائق العربية"، التي تسارعت وتيرتها ورصدتها أخبار الوكالات هذا الشهر والذي قبله، سنكتفي هنا بالإشارة إلى حريق بمستشفى بجنوب العراق أسفر عن مقتل أزيد من ستين شخصا. وحريق في محافظة اللاذقية بسوريا عبرت نيرانه دون تأشيرة من تركيا، فتدخلت فرق إطفاء تركية للمساهمة في إخماده. في نفس الشهر أتت الحرائق على مساحات شاسعة بغابات شفشاون شمال المغرب.
في منطقة تيزي وزو بالجزائر، في شهر آب الجاري، كانت الكارثة أكبر، وخلفت حوالي مائة قتيل وعددا من الجرحى. كانت فرصة لتعميق أجواء المصالحة التي لاحت تباشيرها في الأفق من جديد بين المغرب والجزائر، المصالحة التاريخية التي يتطلع إليها الشعبان الشقيقان في كلا البلدين من عقود، إذ بادر العاهل المغربي محمد السادس إلى عرض مساعدات لوجيستية على الدولة الجزائرية للتغلب على أضرار الكارثة.
غالبا ما ترتبط حرائق الغابات بالجفاف الشديد وموجات ارتفاع درجات الحرارة، وقد تحصل من جراء صواعق البرق. إلا أنه في لبنان، حيث يصارع هذا البلد منذ سنوات أزمات طائفية وسياسية واقتصادية معقدة، انعكست أخطارها في الآونة الأخيرة بشكل حاد وصارخ على الحياة اليومية للناس، خصوصا مع تفاقم أزمة موارد الطاقة (الكهرباء والبنزين).
بداية هذا الأسبوع حدث في منطقة عكار المتاخمة لسوريا، انفجار بصهريج بنزين في ملكية أحد مهربي المحروقات إلى سوريا. ما أدى إلى تفحم ومقتل ما يزيد عن الثلاثين شخصا وجرح العشرات.
بنفس المنطقة، قبيل عشرة أيام، اندلع حريق بإحدى غابات قضاء عكار، توفي إثره على الأقل مواطن واحد، وأصيب حوالي عشرون آخرون بحالات اختناق، متأثرين بالدخان.
ويذكر أنه قبل اندلاع "ثورة 17 تشرين" 2019 عمَّت وطن الأرز سلسلة من حرائق الأشجار، ساهمت في التعجيل بإذكاء لهب الغضب والثورة ضد الطبقة الحاكمة.
كأن انفجار مرفأ بيروت المدمر في 4 آب من 2020، المعادل لقنبلة نووية والذي خلف ضحايا بالجملة، (223 قتيل ومئات الجرحى وآلاف المنكوبين بلا مساكن)، لم يكن كافيا ليسدد اللبنانيون فاتورة طويلة عريضة لا يتوقف تصاعد أرقامها، وقد تم تسجيلها بالبهتان وبالباطل في حساب أفراد الشعب، حسابات مٌجَدْولَة في أعناق الناس البسطاء وسلالاتهم القادمة، وهي ليست منهم ولا إليهم. لكنهم في نظر السلطة، دائما جاهزون لدور كبش المحرقة. والأنكى أنه لا موعد في القريب المنظور لغلق هذا الحساب الثقيل، ويظهر أنه "سيستمر إلى يوم الحساب" كما قالت امرأة خمسينية من صيدا. أما مدون من طرابلس فعلق بسخرية مريرة:
ــ "لا بأس أن تلتهمنا النيران، بعد الجوع والعطش والمرض والوباء ونفاد الأدوية وشح البنزين والكهرباء، لكننا لن نقبل أن نحرق ونموت بغير "نيران صديقة"، نيران "ماركة مسجلة" باسم زعمائنا المبجلين، من يحكموننا ويوزعون المحرقة علينا بالعدل والقسطاس، وبكل نزاهة وشرف.. يا عيب الشوم...".
وكأن البشر لن يبرأ مطلقا من ملازمة اكتشافه المتجدد بأن لا شيء يسير في هذا الكون من دون نار. النار هي الأصل. هي المحرك الأول والأخير، ولا محرك يدور بغير شررها المتطاير. فالحرارة والدفء نار، والضوء نار، والطاقة التي تدار بها محركات المصانع نار، والسيارات والطائرات تسير باحتراق نار البنزين، والحروب نار بالنار.
التاريخ إذن هو تاريخ النار. منذ تمكن الإنسان من اكتشاف النار وإشعالها أول مرة، وسيطر عليها للاستفادة منها. ويبدو أن الحضارة التي نشأت بفضل النار ستفنى وتحترق بفعل النار. أكانت النار طبيعية وصواعق برق، أم أسلحة نارية ومتفجرات. وقد وصل الزمن الذي تم فيه تحويل البشر إلى كائنات تحمل رؤوسها فوق أكتافها وتمشى على قدمين، مخلوقات قابلة للانفجار والتفجير. وفي الأمثال العامية المغربية مثل سائر معناه بالفصحى: "بالسر ذاته الذي قتلت به الكائنات، ستموت يا ملاك الموت".
يوضح المؤرخون أن عجلة التاريخ لا تتحرك من دون دماء وحرائق، وهي الحروب والصراعات والنزاعات بين القبائل والجماعات والشعوب والأمم. هكذا يعيش العالم منذ فجر التاريخ، حرائق متلاحقة بلا حصر عرفها العالم من قديم ولا يزال، ربما هي بلا نهاية، ولن يخمد أوارها إلا بإخماد أنفاس الوجود البشري فوق هذه الأرض وفنائه.
تبرز الحرائق في مقدمة قوائم الكوارث الكبرى والخطيرة التي روعت التاريخ. لعل أشهرها إحراق نيرون لمدينة روما. وتطول قائمة الحرائق التي غيرت ألسنة نيرانها الملتهمة وجهة التاريخ ومسارات الأحداث ومآلات الشعوب. مثلما عجل حريق القاهرة في الأسبوع الأخير من يناير 1952 بإسقاط النظام الملكي في مصر في 23 يوليو من السنة نفسها. وفي 2011 تسببت النار التي أشعلها الشاب التونسي محمد البوعزيزي في جسده احتجاجا، في اندلاع ثورات الربيع العربي وإنهاء عهد أكثر من رئيس عربي.
وتأسيسا على هذا المضمون والمنطق، يطرح سؤال هل ترصف حرائق لبنان وانفجاراته المتتالية لطريق متغيرة ومشهدا جديدا للكيان اللبناني ينبعث من رماد القرابين الجماعية، ويستجيب لصدى الأحلام المصادرة وللتضحيات؟!
هل نصدق أن أوراق الأزمة تحترق وتندثر، لنردد مع الشاعر العراقي محمد المهدي الجواهري: (وطن تشيده الجماجم والدم.. تتهدم الدنيا ولا يتهدم).
"نار يا حبيبي نار.. حبك نار.. بعدك نار.."، بلوعة عشاق من صنف آخر يرددها اللبنانيون مع عبد الحليم حافظ. بعد أن أحبوا وطنهم درجة العبادة، ترغمهم اليوم نيران الأسعار ونيران الأحقاد الطائفية وحرائق الانفجارات على الكفر به والهرب من أحضانه، لتحمل نيران الهجرة ومعاناة الاغتراب وقساوة المنافي. ومن بقوا مكرهين في وطنهم يرفعون الآن أكفهم إلى السماء ويتضرعون مع نبي الله ابراهيم الخليل: "يا نار كوني بردا وسلاما.."...
إلى أين أيها الكائن العربي المغبون؟ على قلق كأن الحرائق من تحتك ومن فوقك، ومن ورائك وأمامك، وليس لك والله بعد انهيار المُثُل والأحلام والأوطان، سوى أن تستحم باللظى المقدس، وتكفر بطغاة صاروا بقهرك أنصاف آلهة. إلى متى وأنت تستجير من النار بالنار، ولهاثك "نار تحت الجلد"، كما كتب مرة الشاعر المغربي أحمد بنميمون عنوانا لمسرحية شعرية. إلا أن درامية الواقع العربي وعمق مأساويته ليست من الشعر أو المسرح، بل هي من بؤس وقهر وبطش وهشاشة وظلم ومذابح ومآسِ مروعة، لها كل معاني المرادافات البشعة للشقاء الإنساني، ومن بينها الحَطَمَة، أي الجحيم. "وما أدراك ما الحَطَمَة، نار الله الموقدة" (نص قرآني).
رغم كل شيء، لا مناص من اللجوء إلى الشعر والموسيقى والغناء، والتفاؤل مع زياد الرحباني، مستمعين إلى فيروز التي آمنت إيمانا وثنيا بلبنان، والإنشاد معها بأمل يشمل كل البلاد العربية والعالم، "إيه فيه أمل".
نعم.. ويبقى الأمل.

