في ساعات قليلة تأتي النيران على الأخضر واليابس، وتحول أراضٍ ومساحات شاسعة إلى سواد ودمار بعد عين
في ساعات قليلة تأتي النيران على الأخضر واليابس، وتحول أراضٍ ومساحات شاسعة إلى سواد ودمار بعد عين

من نتائج التغير المناخي واشتداد موجات الحرارة، اجتياح الحرائق في مواسم الصيف لعدد من المناطق عبر العالم، حتى صارت خبرا في عداد الأحداث اليومية شبه العادية. كل عام تشب حرائق الغابات مستعرة بصورة تزيد عن المعدلات. وتمتد من كندا والولايات المتحدة الأميركية، وأستراليا وروسيا وإيران، مرورا بتركيا واليونان وقبرص، وصولا إلى العراق وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب، وغيرها من الأقطار والبلدان. في ساعات قليلة تأتي النيران على الأخضر واليابس، وتحول أراضٍ ومساحات شاسعة إلى سواد ودمار بعد عين.
هذا العام أيضا كانت الحرائق مهولة، وتفاوتت في الخسائر البشرية والمادية. يقول خبراء علوم البيئة أن حرائق الغابات في فصل الصيف أمر طبيعي، بل وضروري وإيجابي لتحقيق التوازن البيئي. وربَّ ضارة نافعة.

لم تنج الخريطة العربية من هذه الكوارث الطبيعية، كأن دخان الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة والمتفاقمة بالمنطقة لا يكفي، فكان لا بد من حرائق حقيقية، فـ" لا دخان بدون نار" يقول مثل عربي، فلتشعل النيران لترقص الأزمات على صفيح اللظى والأجيج، حتى نصدق حقيقة الانهيار ونقمة الأقدار.

إذا اختصرنا الحديث عن "الحرائق العربية"، التي تسارعت وتيرتها ورصدتها أخبار الوكالات هذا الشهر والذي قبله، سنكتفي هنا بالإشارة إلى حريق بمستشفى بجنوب العراق أسفر عن مقتل أزيد من ستين شخصا. وحريق في محافظة اللاذقية بسوريا عبرت نيرانه دون تأشيرة من تركيا، فتدخلت فرق إطفاء تركية للمساهمة في إخماده. في نفس الشهر أتت الحرائق على مساحات شاسعة بغابات شفشاون شمال المغرب.

في منطقة تيزي وزو بالجزائر، في شهر آب الجاري، كانت الكارثة أكبر، وخلفت حوالي مائة قتيل وعددا من الجرحى. كانت فرصة لتعميق أجواء المصالحة التي لاحت تباشيرها في الأفق من جديد بين المغرب والجزائر، المصالحة التاريخية التي يتطلع إليها الشعبان الشقيقان في كلا البلدين من عقود، إذ بادر العاهل المغربي محمد السادس إلى عرض مساعدات لوجيستية على الدولة الجزائرية للتغلب على أضرار الكارثة. 

غالبا ما ترتبط حرائق الغابات بالجفاف الشديد وموجات ارتفاع درجات الحرارة، وقد تحصل من جراء صواعق البرق. إلا أنه في لبنان، حيث يصارع هذا البلد منذ سنوات أزمات طائفية وسياسية واقتصادية معقدة، انعكست أخطارها في الآونة الأخيرة بشكل حاد وصارخ على الحياة اليومية للناس، خصوصا مع تفاقم أزمة موارد الطاقة (الكهرباء والبنزين). 

بداية هذا الأسبوع حدث في منطقة عكار المتاخمة لسوريا، انفجار بصهريج بنزين في ملكية أحد مهربي المحروقات إلى سوريا. ما أدى إلى تفحم ومقتل ما يزيد عن الثلاثين شخصا وجرح العشرات. 

بنفس المنطقة، قبيل عشرة أيام، اندلع حريق بإحدى غابات قضاء عكار، توفي إثره على الأقل مواطن واحد، وأصيب حوالي عشرون آخرون بحالات اختناق، متأثرين بالدخان.

ويذكر أنه قبل اندلاع "ثورة 17 تشرين" 2019 عمَّت وطن الأرز سلسلة من حرائق الأشجار، ساهمت في التعجيل بإذكاء لهب الغضب والثورة ضد الطبقة الحاكمة.

كأن انفجار مرفأ بيروت المدمر في 4 آب من 2020، المعادل لقنبلة نووية والذي خلف ضحايا بالجملة، (223 قتيل ومئات الجرحى وآلاف المنكوبين بلا مساكن)، لم يكن كافيا ليسدد اللبنانيون فاتورة طويلة عريضة لا يتوقف تصاعد أرقامها، وقد تم تسجيلها بالبهتان وبالباطل في حساب أفراد الشعب، حسابات مٌجَدْولَة في أعناق الناس البسطاء وسلالاتهم القادمة، وهي ليست منهم ولا إليهم. لكنهم في نظر السلطة، دائما جاهزون لدور كبش المحرقة. والأنكى أنه لا موعد في القريب المنظور لغلق هذا الحساب الثقيل، ويظهر أنه "سيستمر إلى يوم الحساب" كما قالت امرأة خمسينية من صيدا. أما مدون من طرابلس فعلق بسخرية مريرة:  
ــ "لا بأس أن تلتهمنا النيران، بعد الجوع والعطش والمرض والوباء ونفاد الأدوية وشح البنزين والكهرباء، لكننا لن نقبل أن نحرق  ونموت بغير "نيران صديقة"، نيران "ماركة مسجلة" باسم زعمائنا المبجلين، من يحكموننا ويوزعون المحرقة علينا بالعدل والقسطاس، وبكل نزاهة وشرف.. يا عيب الشوم...".

وكأن البشر لن يبرأ مطلقا من ملازمة اكتشافه المتجدد بأن لا شيء يسير في هذا الكون من دون نار. النار هي الأصل. هي المحرك الأول والأخير، ولا محرك يدور بغير شررها المتطاير. فالحرارة والدفء نار، والضوء نار، والطاقة التي تدار بها محركات المصانع  نار، والسيارات والطائرات تسير باحتراق نار البنزين، والحروب نار بالنار.

التاريخ إذن هو تاريخ النار. منذ تمكن الإنسان من اكتشاف النار وإشعالها أول مرة، وسيطر عليها للاستفادة منها. ويبدو أن الحضارة التي نشأت بفضل النار ستفنى وتحترق بفعل النار. أكانت النار طبيعية وصواعق برق، أم أسلحة نارية ومتفجرات. وقد وصل الزمن الذي تم فيه تحويل البشر إلى كائنات تحمل رؤوسها فوق أكتافها وتمشى على قدمين، مخلوقات قابلة للانفجار والتفجير. وفي الأمثال العامية المغربية مثل سائر معناه بالفصحى: "بالسر ذاته الذي قتلت به الكائنات، ستموت يا ملاك الموت". 

يوضح المؤرخون أن عجلة التاريخ لا تتحرك من دون دماء وحرائق، وهي الحروب والصراعات والنزاعات بين القبائل والجماعات والشعوب والأمم. هكذا يعيش العالم منذ فجر التاريخ، حرائق متلاحقة بلا حصر عرفها العالم من قديم ولا يزال، ربما هي بلا نهاية، ولن يخمد أوارها إلا بإخماد أنفاس الوجود البشري فوق هذه الأرض وفنائه.

تبرز الحرائق في مقدمة قوائم الكوارث الكبرى والخطيرة التي روعت التاريخ. لعل أشهرها إحراق نيرون لمدينة روما. وتطول قائمة الحرائق التي غيرت ألسنة نيرانها الملتهمة وجهة التاريخ ومسارات الأحداث ومآلات الشعوب. مثلما عجل حريق القاهرة في الأسبوع الأخير من يناير 1952 بإسقاط النظام الملكي في مصر في 23 يوليو من السنة نفسها. وفي 2011 تسببت النار التي أشعلها الشاب التونسي محمد البوعزيزي في جسده احتجاجا، في اندلاع ثورات الربيع العربي وإنهاء عهد أكثر من رئيس عربي. 

وتأسيسا على هذا المضمون والمنطق، يطرح سؤال هل ترصف حرائق لبنان وانفجاراته المتتالية لطريق متغيرة ومشهدا جديدا للكيان اللبناني ينبعث من رماد القرابين الجماعية، ويستجيب لصدى الأحلام المصادرة وللتضحيات؟! 
هل نصدق أن أوراق الأزمة تحترق وتندثر، لنردد مع الشاعر العراقي محمد المهدي الجواهري: (وطن تشيده الجماجم والدم.. تتهدم الدنيا ولا يتهدم). 

"نار يا حبيبي نار.. حبك نار.. بعدك نار.."، بلوعة عشاق من صنف آخر يرددها اللبنانيون مع عبد الحليم حافظ. بعد أن أحبوا وطنهم درجة العبادة، ترغمهم اليوم نيران الأسعار ونيران الأحقاد الطائفية وحرائق الانفجارات على الكفر به والهرب من أحضانه، لتحمل نيران الهجرة ومعاناة الاغتراب وقساوة المنافي. ومن بقوا مكرهين في وطنهم يرفعون الآن أكفهم إلى السماء ويتضرعون مع نبي الله ابراهيم الخليل: "يا نار كوني بردا وسلاما.."...

إلى أين أيها الكائن العربي المغبون؟ على قلق كأن الحرائق من تحتك ومن فوقك، ومن ورائك وأمامك، وليس لك والله بعد انهيار المُثُل والأحلام والأوطان، سوى أن تستحم باللظى المقدس، وتكفر بطغاة صاروا بقهرك أنصاف آلهة. إلى متى وأنت تستجير من النار بالنار، ولهاثك "نار تحت الجلد"، كما كتب مرة الشاعر المغربي أحمد بنميمون عنوانا لمسرحية شعرية. إلا أن درامية الواقع العربي وعمق مأساويته ليست من الشعر أو المسرح، بل هي من بؤس وقهر وبطش وهشاشة وظلم ومذابح ومآسِ مروعة، لها كل معاني المرادافات البشعة للشقاء الإنساني، ومن بينها الحَطَمَة، أي الجحيم. "وما أدراك ما الحَطَمَة، نار الله الموقدة" (نص قرآني).

رغم كل شيء، لا مناص من اللجوء إلى الشعر والموسيقى والغناء، والتفاؤل مع زياد الرحباني، مستمعين إلى فيروز التي آمنت إيمانا وثنيا بلبنان، والإنشاد معها بأمل يشمل كل البلاد العربية والعالم، "إيه فيه أمل". 
نعم.. ويبقى الأمل.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.