"ثلاثة أسابيع هزّت عوالم الإسلاميين"
"ثلاثة أسابيع هزّت عوالم الإسلاميين"

بين الخامس والعشرين من يوليو في تونس، والخامس عشر من أغسطس في كابل، مسافة قصيرة في الزمن، بيد أنها مديدة وعميقة لجهة تأثيراتها وانعكاساتها على حركات الإسلام السياسي والمسلح في عموم المنطقة والعالم.. "ثلاثة أسابيع هزّت عوالم الإسلاميين" من مختلف المدارس وفي شتى الأقطار، ودفعت بهم سريعاً للمراجعة واستخلاص الدروس، الأمر الذي سيكون له أكبر الأثر على أمن الإقليم واستقراره، وسيقرر بصورة أو بأخرى، شكل وطبيعة العلاقات بين الإسلاميين بعضهم ببعض، وبينهم جميعا من جهة وحكومات دولهم من جهة ثانية.

لقد أعفتني مقالة مهمة حملت توقيع هارون زيلين من معهد واشنطن وعنوانها "شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس"، من عناء تتبع ما قاله الجهاديون بالحدث التونسي، وما توصلوا إليه من خلاصات ونتائج، فقد تتبع الباحث مواقف "شيوخ الجهاد وحركاته" في عدة أقطار... على أنني سأجد نفسي مُلزماً باستكمال ما بدأه في مجالين اثنين: الأول؛ مواقف الجماعات الإخوانية من الحدث التونسي، وهي التي ظلت خارج اهتمام المقالة.. والثاني؛ تعقب ما قاله هؤلاء في الحدث الأفغاني الذي سيداهمنا بعد أسابيع ثلاثة ويأخذنا جميعاً، حكومات واستخبارات ومراقبين، على حين غرة.

مقابل ما وصفه زيلين بشعور "الشماتة" بالإحراج الذي تعرضت له حركة النهضة بفعل إجراءات الرئيس قيس سعيّد الاستثنائية، واعتبار ما حصل مثال آخر على "أن الديمقراطية تُخيّب آمال الأحزاب الإسلامية ودليل إضافي على أن الجهاد والشريعة هما الطريق.. مقابل هذا الشعور/الخلاصة، سيطفو بعد أيام شعور بالنشوة والاعتزاز بنصر طالبان في أفغانستان، وستعلو صيحات "الله أكبر"، وسيُخرج "الشامتون" بالنهضة، و"الشتّامون" للديمقراطية "الكافرة"، ألسنتهم من حلقوهم ساخرين متوعدين.

الشيخ عبد الرازق المهدي، المحسوب على "هيئة تحرير الشام"، نَظَرَ إلى ما حدث في تونس بوصفه مؤامرة خارجية، ليكشف عن أوجه تشابه مع ما حدث في مصر - السيسي وجماعة الإخوان، وهو يرى أن "انقلاب سعيد" جاء مدعوماً من مصر وفرنسا والإمارات وإذا ما تمكّن هذا "المجنون"، يقصد الرئيس التونسي، فسيفعل ما فعله السيسي.

خلاصة "السيف والكتاب" هذه، ستتعمق عن الشيخ المهدي بعد "فتح كابل"، فهو يقول في تغريدة: بوركت أيها الشعب العظيم.. حاربتهم أميركا وبريطانيا وفرنسا، فلجأوا إلى الجبال.. استمروا في نشر العلم، وحفروا مغارات في الجبال وعلموا الجيل كتاب الله.. الشعب الأفغاني هزم الإنكليز والسوفييت والأميركان".

أبو العبد أشداء، قائد "تنسيقية الجهاد" السورية تَساءل ساخراً في أعقاب الحدث التونسي: "ديمقراطية بدماء حمراء، انقلاب في تونس، انقلاب في مصر، انقلاب حفتر. هل هذه تُعتبر ديمقراطية؟"

ليعود و"تنسيقيته" المنشقة عن هيئة تحرير الشام، للتفاخر بـ "النصر العظيم على الصليبيين، وخروجهم ذليلين صاغرين من أفغانستان بعد 20 عاماً من الجهاد في سبيل الله". وليضيف في بيان احتفالي لاحق: "وإننا في هذه المناسبة السعيدة ننادي طلائع الأمة المجاهدين الصابرين في كل مكان، الصبر الصبر والثبات الثبات، هاكم الطريق فالزموه، ولا تغرنكم جيوش الأعداء، فالله أعلى وأجل، ومن سار على الدرب وصل، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا".

أما أبو محمود الفلسطيني، المنظر الجهادي المقيم في لندن وزميل أبو قتادة الفلسطيني أيضاً، فيقول في الحدث التونسي: "لن يحدث أي تغيير من دون تدخل قوة فعالة تفكك مفاصل الدولة الخفية وتقوّض ركائزها. ولا يمكن لمسار الديمقراطية أن يؤدي إلى حكم الشريعة وبناء دولة إسلامية". مقتفياً في ذلك أثر مرشده أبو قتادة الذي قال بصريح العبارة: "الجهاد ضرورة لا بدّ منها، فجميع المسلمين تقريباً، من مختلف البيئات والخلفيات، يعلّقون اليوم على ما حدث في تونس ويتفقون على أن الجهاد أصبح ضرورة.. ليس لديهم خيار آخر".

بعد سقوط كابل بيد طالبان، يعود أبو محمود الفلسطيني للتغريد مجدداً "طالبان احتضنها العلماء بينما في بلادنا: العلماء أول من يهاجم المجاهدين ويسقطهم ويفشل مشروعهم العلماء ملح البلد، فمن يصلح البلد إذا الملح فسد"، ولم ينس أبو محمود استغلال المناسبة لتسجيل هدف في ملعب الإخوان المسلمين قائلاً: رؤوس المدرسة الإخوانية طعنوا بانتصار طالبان إسقاطا لنموذجها كي لا يُتخذ قدوة في طريقة التغيير في بلادنا فالإخوان اتبعوا النموذج السلمي، وقد انهار هذا النموذج وانهزم هزيمة جعلت قواعده تتخلى عنه، وجاء انتصار طالبان آخر مسمار في نعش النموذج السلمي... لذلك سيطعنون ليحافظوا على حزبهم".

ولم يترك أبو حفص زعيم ما يسمى جيش الأمة في غزة، المناسبة التونسية لتمر من دون أن يدلي بدلوه، إذ اقتبس مقولة للخليفة عمر بن الخطاب جاء فيها: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله".

كما لم يغب أبو حفص وجيشه التعليق على الحدث الأفغاني، إذ أصدر بياناً هنأ فيه "أخوة العقيدة والجهاد في حركة طالبان بتحرير بلادهم المسلمة، من دنس الاحتلال "الصهيو-صيني"، مستحضراً على ما يبدو قضية الإيغور المسلمين، مختتماً بنداء إلى "المجاهدون الموحدون في كل مكان عموماً، وفي فلسطين والشام خاصة أن اتخذوا من نصر إخوانكم المجاهدين الطالبان مثلاً ونبراساً واشتروا الدار الآخرة بالدنيا.. بيعوا أنفسكم إلى ربك العالمين".

أما أبو بصير الطرطوسي، المنظر الجهادي المقيم في أهم عاصمة الجهاديين الثانية: لندن، فقد خاطب "النهضة" قائلاً: "لن تجدوا من يبكي عليكم...فهذه مكافأة الذين يرفعون شعار فصل "الدعوة" عن السياسة’ وشعار "الحرية قبل الإسلام، وقبل تطبيق تعاليمه". فأنتم لم تنالوا الحرية ولم تدعموا الدين!".

الطرطوسي حوّل صفحته بعد أسابيع ثلاثة إلى مسرح للاحتفال بنصر طالبان الإلهي، وغرد قائلاً: "لا يغتاظ من النصر الذي حققته حركة الطالبان الإسلامية في أفغانستان إلا منافق، مريض القلب، يضمر الغش، والحقد على الإسلام والمسلمين"، موضحاً: "أيما جيش محلي وطني يبنيه العدو الغازي والمستعمر لمآربه، جيش له صفة الارتزاق، سرعان ما ينهار ويتفكك، عندما يرفع العدو المستعمر يده عنه".

المنظر الجهادي التونسي، المعروف بصلته بـ"هيئة تحرير الشام" والمكنى بـالإدريسي، قال: "تدفع الثورة التونسية ثمن عدم تطهير البلاد من مخلفات النظام السابق.. والأحزاب تدفع ثمن العيش في الوهم والأمنيات". من دون أن يفوّت هذه المناسبة للتصويب على الإخوان المسلمين وأنصارهم: "إن الأشخاص الذين يعوّلون على الإخوان المسلمين لقيادة ثورات الربيع العربي هم كمن يعوّل على سراب". مشدداً على أن النموذج الأفضل اليوم هو "هيئة تحرير الشام" في سوريا وحركة "طالبان" في أفغانستان. موضحاً "إن نجاح "هيئة تحرير الشام" وحركة "طالبان" يدعو "الأمة" إلى إعادة التفكير في الحركات الجهادية المعتدلة التي أثبتت حنكتها السياسية والعسكرية في إدارة النزاع وإرساء وجودها وانتزاع الحرية من براثن الأشرار"، قبل أن يعود بعد دخول طالبان كابل للقول: "إن ‏ما بعد تحرير أفغانستان ليس كما قبله، طالبان قررت إعادة رسم سياسة العالم من جديد"، معتبراً أن "وجود حكومات إسلامية تقيم شريعة الله بعد قرن من الظلام الحالك، أصبح أمراً واقعاً لن يستطيع الغرب نكرانه".

أبو البراء الليبي، أحد منظري القاعدة، وصف تجربة "النهضة" الأخيرة على أنها جزء من تاريخ طويل لاستغلال منظمات "الإخوان المسلمين" وخيانتها من قبل الأنظمة المحلية التي تشاركت معها. وأشار على وجه الخصوص إلى ما حدث لـ "الإخوان المسلمين" في مصر في عهد جمال عبد الناصر ومؤخراً في انقلاب عبد الفتاح السيسي. وشملت الأمثلة أيضاً السودان وتركيا. وفي حين أن منظمات "الإخوان"، بما فيها "النهضة"، لا تتعظ من دروس الماضي، كما يدّعي، فإن الجهاديين لا ينخدعون أبداً لأن لديهم "موقفاً حازماً وثابتاً إزاء كل طاغوت يستبدل شرع الله ويقبل بالديمقراطية".

وتماشياً مع باقي الانتقادات المذكورة أعلاه، تهاجم افتتاحية تنظيم "الدولة الإسلامية" في "النبأ" بشكل مباشر اعتناق "النهضة" للديمقراطية: "من بين أكثر من عارض الله ورسوله في هذا العصر هم الساعون إلى الديمقراطية ومؤيدوها ومناصروها، من آمنوا بها واعتمدوها كمسار وطريق، وبالتالي ناقضوا السنّة وتعاليمها. فقد وصمهم الله بالخزي والبؤس والضياع، وقد ذيّلتهم هذه الصفات في الظروف كافة كطوق على أعناقهم. وهذا تماماً ما حدث اليوم مع "الإخوان المرتدّين" في تونس بعد أن حادوا عن مسار المؤمنين، واتبعوا الديمقراطية".

في الوقت الذي ساد فيه شعور "الشماتة" بالنهضة والإخوان على مواقف "الجهاديين" من مختلف مدارسهم، منظرين وفصائل، إلا أن الحدث التونسي ما كان ليمر من دون شكل من أشكال تصفية الحسابات فيما بينهم.. فتنظيم الدولة الإسلامية رأى في مقالة في مجلة النبأ أن قادة النهضة خالفوا سبيل المؤمنين واتبعوا الديمقراطية فكانت النتيجة سقوط آخر قلاعهم الديمقراطية"، ولم ينس "داعش" لبعض "أغبياء القاعدة" كما وصفهم، ثناءهم على "الطاغوت" قيس بن سعيّد عند انتخابه، في إشارة على ما يبدو إلى تغريدات سابقة لـ"أبو قتادة الفلسطيني"، إذ تقارن افتتاحية صحيفتهم "النبأ" بين مواقف القاعدة من الحدث التونسي، ومواقف جماعة "الإخوان المرتدين" في سذاجتهم".

لكن الحدث التونسي، وقع كالصاعقة على رؤوس قادة ونشطاء الجماعات الإخوانية في كل مكان تقريباً.. إذ سارعت هذه الجماعات إلى استصدار بيانات الإدانة والتنديد بما وصفته "الانقلاب"، وعقدت المقارنات ما بين تونس 2021 ومصر 2013 وتركيا 2016، ليخلص بعضهم إلى سؤال حول مغزى "الاعتدال" و"المدنية" التي تُطَالَب بها هذه الحركات، في الوقت الذي تبدو فيه مستهدفة في جميع الحالات، وفي حوار مع كاتب هذه السطور، قال أحد قادة جماعة الإخوان في الأردن: أليس هذا ما كنتم تدعوننا لفعله، أليست النهضة هي نموذجكم للإسلام المدني الديمقراطي ولفصل "الدعوي" عن "السياسي"، انظروا ما حصل لهم في تونس، هل هذا ما تعدوننا به إن نحن تعقبنا خطاهم؟..."الإسلام، معتدلاً كان أم متشدداً هو المستهدف"، هذه قناعة عادت للبروز مجدداً في أوساط الإسلاميين بعد الحدث التونسي.

وجاء "نصر طالبان" ليحدث اهتزازاً جديداً في صفوف الفصائل الإسلامية، السياسية منها والمسلحة "الجهادية"... أما الجهاديين، فقد لزمت "داعش" صمتاً قلقاً ومرتاباً، وهي التي خاضت معارك وحروب ضد طالبان في أفغانستان، وفي بعض الأحيان، قاتلتهم طالبان كتفاً إلى كتف مع الأميركيين...أما القاعدة فقد رحب بعض رموزها ومنظريها بالفوز العظيم، فيما لزمت "النصرة سابقاً"، جانب الترحيب الحذر، وهي التي تتحضر لسلوك طريق التكيف مع مقتضيات العملية السياسية في سوريا، وسبق لها أن أصدرت بياناً رحبت فيه بسلوك طالبان طريق مفاوضات الدوحة، على أمل أن تلتحق الهيئة بالطريق ذاته، عندما تنضج الشروط لذلك. وجاء في بيان للهيئة بعنوان "هنيئاً طالبان" أن الأخيرة "لم تخلط بين المسارين السياسي والعسكري، بل سار كل مسار منهما في خدمةِ الآخر، وأنه لا قيمة للفعل السياسي دون قوة عسكرية تحميه".

هيئة تحرير الشام تركت على ما يبدو لشيوخها أمر الترحيب غير المتحفظ، بفوز طالبان من دون أن تتورط رسمياً بأكثر مما ينبغي في تظهير "التماهي" أو "التأييد غير المشروط" لطالبان، فقد كتب منظرها الشهير أبو ماريا القحطاني "أبارك للأمة للإسلامية انتصار إخواننا الطلبة على المحتلين وأذنابهم في أفغانستان وتعازينا للخونة والمنافقين" معتبراً "انتصار طالبان انتصار للمسلمين وأهل السنة وجميع المظلومين".

أما مظهر الويس، فعلق قائلاً "لا شك أن الكثير من الدروس قد استفادتها الحركة "طالبان" حتى عادت أقوى من جديد، الفرحة تغمرنا بنصر الله هنالك، ونتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن تعم الفرحة بلاد الشام والعراق وسائر أنحاء أمتنا المكلومة المظلومة".

بدرجة أقل من الحماسة، استقبلت جماعات الإخوان المسلمين الحدث الأفغاني، فهي وإن سارعت إلى إصدار بيانات التبريك والترحيب (حماس، جبهة العمل الإسلامي، إصلاح- الكويت وغيرهم)، إلا أن بعض فروع الجماعة، بالذات تلك المنخرطة في عمليات سياسية في بلدانها، خشيت من أن تضع "الصورة الملهمة" لنموذج طالبان "تحديا كبيرا أمام المقتنعين بالتغيير السلمي لأنظمة ديكتاتورية مدعومة من دول أجنبية"، وفقاً لما جاء في مقالة نُشرت على موقع "المجتمع" التابع لإخوان الكويت وحملت عنوان "خطورة نموذج طالبان الملهم!"، وهي المقالة التي وظّفها أبو محمود الفلسطيني للنيل من الإخوان المسلمين، وما لم تقله المقالة صراحة، ردده موسى أبو مرزوق في تغريدة له، جاء فيها "تنتصر طالبان اليوم بعد أن كانت تتهم بالتخلف والرجعية والإرهاب، وها هي الآن حركة أكثر ذكاءً وواقعية، وقد واجهت أميركا وعملاءها، رافضة الحلول الوسط معهم، ولم تُخدع بالعناوين البراقة كالديموقراطية والانتخابات، ولا بالوعود الزائفة. درس مرت به كل الشعوب المظلومة، فهل من متعظ؟"...سؤال أبو مرزوق ما زال يتردد بين جنبات مختلف الجماعات الإسلامية، ومن السابق لأوانه التكهن بالتفاعلات التي سيحدثها.
 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.