السياسيون والاعلاميون الأميركيون أيدوا بأكثريتهم معظم الحروب التي شنتها الولايات المتحدة
السياسيون والاعلاميون الأميركيون أيدوا بأكثريتهم معظم الحروب التي شنتها الولايات المتحدة

الانهيار السريع للحكومة الأفغانية في وجه الحملة العسكرية الشاملة التي شنتها قوات حركة طالبان، وسقوط العاصمة كابل والفوضى التي أحاطت بإجلاء الرعايا الأميركيين والأجانب من المطار الدولي، عرضّت الرئيس بايدن وإدارته الى انتقادات سياسية وإعلامية قاسية، بما في ذلك من اعلاميين ومحللين، كانوا قد أيدوا في السابق إنهاء الحرب كما باركوا قرار بايدن المبدئي إنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. وشهدنا في الأسبوع الماضي ظاهرة إعلامية وسياسية تتجدد بعد كل حرب أميركية يطول أمدها ولا تحقق أهدافها، أو تنتهي بانسحاب محرج. فجأة ارتفعت أصوات لمحللين وصحافيين يعتبرون أنفسهم محايدين، وقطعا ليسوا جزءا من الإعلام الأميركي اليميني ليقولوا إن الرئيس بايدن سوف يدخل التاريخ بصفته الرئيس الذي أشرف "على الفصل الأخير والمهين في التجربة الأميركية في أفغانستان" كما كتب الصحافي والمحلل المخضرم دافيد سانغر في صحيفة نيويورك تايمز. المحلل ايان بريمير مؤسس Eurasia Group وهو مركز لتحليل الأزمات والنزاعات، والمعروف برصانته ودقته، قال إن الانسحاب والفوضى التي أحاطت بعملية إجلاء الرعايا من مطار كابل قد تخلق احتمالات عديدة يمكن أن تؤدي بدورها الى "تدمير رئاسة بايدن".

السياسيون والاعلاميون الأميركيون أيدوا بأكثريتهم معظم الحروب التي شنتها الولايات المتحدة بمفردها أو مع حلفائها بدءا من حرب فيتنام وانتهاء بالحملة الجوية الدولية التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) في 2014. كان هناك تأييد سياسي وإعلامي لحرب 1991 لإنهاء الاحتلال العراقي للكويت، وكان هناك تأييد واسع في أوساط الاعلاميين والمعلقين السياسيين وكتبة العواميد في كبريات الصحف الأميركية لقرار الرئيس جورج بوش الابن غزو أفغانستان، وهو قرار رأته أكثرية الأميركيين بحق دفاعا مشروعا قانونيا وأخلاقيا عن النفس. 

وحتى قرار بوش الابن غزو العراق، وهو قرار حرب اختياري بعكس غزو افغانستان، حظي بدعم واسع في أوساط الإعلاميين والمحللين بمن فيهم العاملين في صحف ليبرالية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست. الكثير من هؤلاء الإعلاميين والمعلقين لم يشككوا كثيرا في ادعاءات إدارة الرئيس بوش الابن آنذاك حول وجود اسلحة دمار شامل في الترسانة العراقية، او تضليل بعض المسؤولين الحكوميين آنذاك للرأي العام حول وجود علاقة بين نظام صدام حسين القمعي وتنظيم القاعدة الإرهابي. أصوات إعلامية قليلة دقت ناقوس الخطر وحذرت من التورط في مثل هذا الغزو خاصة وان حرب أفغانستان كانت مستمرة أيضا.

في سنة 2004 نشر الكاتب مايكل ماسينغ كتيبا بعنوان "الان يقولون لنا ذلك" Now They Tell Us وثّق فيه تقاعس واخفاق الصحافيين والمحللين العاملين في المؤسسات الاعلامية الرئيسية في البلاد في طرح الأسئلة الصعبة على المسؤولين في إدارة الرئيس بوش الابن، حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، أو المعلومات الخاطئة والمضللة التي قدمها بعض السياسيين العراقيين من أصحاب السمعة السيئة أو المعروفين بفسادهم مثل أحمد شلبي والذين كانت لهم مصلحة خاصة وشخصية بتشجيع غزو العراق. (كانت هناك زمرة أفغانية فاسدة ممثلة للزمرة العراقية صاحبت الغزو الأميركي واستفادت منه، وأبرزها كان الرئيس السابق حميد كرزاي). بعد أن تبين بشكل قاطع أن نظام صدام حسين لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل أو البنية التحتية لتطوير أسلحة نووية، رأينا بدايات خجولة من قبل بعض المعلقين وهيئات تحرير بعض كبريات الصحف لممارسة النقد الذاتي، ولكن كل ذلك جاء بعد "خراب البصرة" وهي العبارة التي يكررها العرب منذ خراب البصرة بعد انهيار ثورة الزنج في سنة 883 ميلادية.

خلال الأسبوع الماضي برزت سردية محددة وسلبية للغاية للانسحاب من أفغانستان وعملية الجلاء مماثلة للإجماع الذي أحاط بسردية أسلحة الدمار الشامل في العراق في 2003. وهذه السردية كانت بارزة بشكل صارخ في البرامج الحوارية في مختلف شبكات التلفزيون التي وفرت المنابر لمسؤولين سياسيين واستخباراتيين وعسكريين سابقين خدموا في إدارات الرؤساء جورج بوش الابن، وباراك اوباما ودونالد ترامب وساهموا في القرارات الكارثية التي أدت الى إطالة غزو واحتلال افغانستان لعشرين سنة. شخصيات مثل وزيرة الخارجية في ولاية بوش الثانية كونداليزا رايس التي انتقدت قرار الانسحاب ذاته وليس الفوضى التي أحاطت به أو تحديدا بعملية الجلاء، وقولها إن عشرين سنة غير كافية لنقل أفغانستان من القرن السابع لحكم طالبان إلى حكومة مستقرة، وعسكريين مثل الجنرال المتقاعد دافيد بيتريوس وغيره. وحتى المسؤولين في ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، مثل وزير دفاعه ليون بانيتا، جميعهم التقوا على انتقاد الانسحاب بقوة ولم يكتفوا فقط بانتقاد التقصير الاستخباراتي أو الفوضى التي أحاطت بالجلاء وهي انتقادات مبررة. وكان هناك حضور كبير للجنرالات المتقاعدين في هذه البرامج الحوارية، حيث كان يتم تقديم هؤلاء كعسكريين خدموا في أفغانستان، ولكن دون الاشارة إلى مهامهم الحالية خاصة وأن معظمهم يعملون كمستشارين لشركات تنتج الأسلحة.

وكانت صحيفة واشنطن بوست في 2019 قد كشفت عن آلاف الوثائق الحكومية بما فيها مقابلات مع 400 شخصية معنية بحرب أفغانستان، أظهرت أن المسؤولين السياسيين والعسكريين أخفقوا في قول الحقيقة حول الحرب وانهم قدموا "تقويمات وردية كانوا يدركون انها خاطئة كما أخفوا أدلة دامغة تثبت أنه لم يعد بالإمكان تحقيق الانتصار في الحرب".

اللافت في هذه التغطية هو غياب الأصوات المتعاطفة مع قرار بايدن بالانسحاب، أو تلك التي يمكن أن تضع التقصير الذي صاحب عملية الجلاء في سياق مختلف، مثل الاشارة الى أن تنظيم عملية جلاء لعشرات الألاف لا يمكن أن تكون خالية من الشوائب والمشاكل في دولة ضعيفة ومفككة مثل أفغانستان. المفارقة أن قرار بايدن بالانسحاب قد حظي بدعم شعبي واسع شمل الديموقراطيين والمستقلين والجمهوريين وفقا لمختلف استطلاعات الرأي، التي واصلت إظهار أكثرية متعاطفة مع الانسحاب، على الرغم من ازدياد الانتقادات الشعبية للتخبط الذي احاط بعملية الجلاء.

إحدى الطروحات الخاطئة التي كان يطرحها منتقدو الانسحاب من عسكريين متقاعدين أو محللين، ولم تحظ بالتدقيق من معظم مقدمي البرامج الحوارية، هي التي تدعي أن ابقاء ما بين 2500 و4 الاف عسكري في أفغانستان، يكفي لمواصلة الحرب ضد الإرهاب بكلفة محدودة، ويشيرون الى أن الأميركيين لم يتكبدوا خسارة جندي واحد خلال الثمانية عشر شهرا الاخيرة. هؤلاء يتناسون أن عدم سقوط قتيل عسكري واحد يعود لوجود الهدنة العملية التي برزت بعد الاتفاق الذي توصلت اليه إدارة الرئيس ترامب مع حركة طالبان في مطلع 2020 والذي يحدد أيضا تاريخ الانسحاب الأميركي بنهاية مايو 2021. ولو قرر الرئيس بايدن بقاء مثل هذه القوة المحدودة في أفغانستان فهذا كان سيعني إنهاء الهدنة العملية، وإعادة وضع القوات الأميركية في "مناخ عدائي". دعاة هذا الطرح كانوا يشيرون إلى وجود عشرات الالاف من الجنود الأميركيين في كوريا الجنوبية وألمانيا بعد انتهاء حروب أميركا فيها. ولكنهم يتناسون أن هذه القوات الأميركية هي لردع أخطار خارجية وإن الدول المضيفة تريد بقائها وأنها موجود في مناخ غير معادي.

من الطبيعي أن تحظى التطورات الميدانية في أفغانستان باهتمام إعلامي أميركي كبير لأسباب انسانية وسياسية عديدة، ولكن يجب أن ننوه بأن اهتمام وسائل الاعلام الأميركية بالحرب الأفغانية خلال العقد الماضي قد انحسر كثيرا ووصل حتى إلى مستوى تجاهل هذه الحرب المزمنة. وفي هذا السياق تجاهلت معظم وسائل الإعلام الأميركية تغطية عشرات التقارير الصادرة عن المفتش العام حول عملية إعادة بناء أفغانستان والتي كانت تؤكد فشل الاحتلال الأميركي في هذه العملية. وكشفت بعض الدراسات الاعلامية أن شبكات التلفزيون الأميركية خصصت خمسة دقائق لتغطية أفغانستان خلال سنة 2020. وجاء في مقال للصحافي الاستقصائي جيم لوب أن الشبكات الرئيسية الثلاثة : CBSوNBC وABC خصصت 362 دقيقة فقط لتغطية أخبار افغانستان خلال السنوات الخمسة التي سبقت 2020، أو ساعتين فقط لكل شبكة، أي بمعدل 24 دقيقة لكل شبكة كل سنة.

من المستحيل إصدار تقويم نهائي لقرار بايدن الانسحاب من أفغانستان ولعملية الجلاء التي لا تزال في بداياتها، وهذا التقويم سوف يتأثر سلبا أو إيجابا إذا تعرض المدنيين الأميركيين أو الأفغان لاعتداءات مكلفة، أو إذا نجحت عملية الإجلاء بتوفير الملجأ لألاف المدنيين الأفغان الذين تعاملوا مع القوات الأميركية خلال العقدين الماضيين. ما هو واضح من النشاطات الإعلامية للرئيس بايدن وكبار مساعديه مثل وزير الخارجية أنطوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي جايك ساليفان، هو أن إدارة بايدن تدرك أن عليها دحض السردية الإعلامية الراهنة والسلبية التي وضعتها في موقع دفاعي صعب. إدارة الرئيس بايدن تواجه الان أول معمودية بالنار لها في علاقاتها المعقدة مع وسائل الاعلام الاميركية.

انتقاد التخبط الذي صاحب عملية إجلاء الرعايا الاميركيين والأجانب من مطار كابل صحيح ومطلوب ومبرر. ولكن انتقاد الإعلاميين والمحللين للانسحاب بحد ذاته إضافة الى انتقاد المشاكل التي أحاطت بعملية إجلاء الرعايا سوف يخدم - بقصد أو دون قصد - دعاة إطالة "الحروب التي لا نهاية لها"، كما سيخدم المسؤولين في إدارة الرئيس ترامب الذين ينتقدون بايدن اليوم، على الرغم من أنهم هم الذين وقعوا اتفاقية سحب القوات الأميركية في مايو 2021 مع حركة طالبان في فبراير 2020، وخفّضوا عديد القوات الأميركية الى 2500 عنصر. الإعلاميون والمحللون يتحدثون ويتساءلون دائما عما إذا كانت الحكومات الأميركية تتعلم الدروس الحقيقية والصعبة من الأخطاء والهفوات العسكرية والاستراتيجية التي ترتكبها، وهذه أسئلة شرعية ومطلوبة وحتى ملحة. ولكن الاعلاميين والمحللين يجب أن يمارسوا أيضا ما يبشّرون به، وأن يتفادوا التأييد غير النقدي لحروب الولايات المتحدة، أو النقد غير الموضوعي لإنهاء هذه الحروب.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.