بالبرقع.. في شوارع كابل
بالبرقع.. في شوارع كابل

عندما نريد الحديث عن "الواقع" و"المتوقع" في مسار الحراك الطالباني، فإننا ـ وفي هذه الأيام تحديدا ـ لا نملك إلا الحديث عن واقع طالبان قبل عشرين عاما، إذ هو ـ وحده ـ الواقع الذي نستطيع من خلاله استشراف ما هو متوقع منهم الآن ومستقبلا؛ باعتبار أنهم أبناء حراك فكري/ عقائدي؛ قبل أن يكون حراكا سياسيا.

نُحِيل على واقعٍ مُنْصَرمٍ؛ لأننا لا نستطيع الإحالة إلى متغيرات راهنة في مسار العودة الطالبانية التي لا تزال في بداياتها، ولم تتضح معالمها بعد. وبالتالي، لا نستطيع ـ على سبيل الجزم ـ التنبؤ بالتحولات الأيديولوجية التي قد تكون حدثت خلال عشرين سنة من التواري عن واجهة المشهد السياسي.

كيف كانت حركة طالبان في الماضي؟ وكيف يمكن أن تكون الآن؟ ثمة علاقة بنيوية ما بين هذا وذاك. الأسس التي قامت عليها الحركة، هي الأسس ذاتها التي كفلت لها الانتشار والهيمنة، ومن ثم التضامن الداخلي والصمود في مواجهة التحديات. وهي ـ أيضا ـ الأسس ذاتها التي كفلت لها هذه العودة المظفرة؛ وكأنما كان الأفغان ـ في أغلبيتهم الساحقة ـ ينتظرون عودتها، ويفتحون لها الأبواب، كل الأبواب؛ حتى قبل أن تطرق أي باب.

من زاوية شرارة الانطلاق منتصف التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم، فإن انبعاث حركة طالبان كان بقوة دفع الواقع البائس (الانفلات الأمني، الاعتداءات من المسلحين على الأنفس والأموال والأعراض.. إلخ) الذي نتج عن اقتتال الفصائل الجهادية بعد خروج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان.  آنذاك، أخذ الشباب المتدين العاكف على مُدَارَسة العلوم الشرعية في المدارس الدينية على نفسه التصدي لحالة الفوضى العارمة التي جعلت كل شيء مستباحا لمن يحمل سلاحا. وعندما نجحت البدايات، قادت بدورها لمزيد من الإغراء بتوسيع عملية "إزالة المنكر"؛ ليصل الأمر إلى تشكيل قوة عسكرية كبرى تغلبت على كل فصائل الصراع، وحققت الأمن والاستقرار؛ ولا شيء غير ذاك.

بلا ريب، كانت ثمة ترحيب شعبي واسع بهم، ليس فقط لكارثية واقع الصراع قبلهم، ولا لما حققوه من أمن واستقرار كان هو حلم المجتمع البائس آنذاك (وهذا وحده كفيل بضمان التضامن معهم)، وإنما ـ أيضا ـ لكون الأيديولوجيا التي تنظمهم ويتشرعنون بها، ويُعلنون تطبيقها الصارم هي ذات الأيديولوجيا السائدة في مجتمع كان طالبانيا حتى قبل أن يعرف طالبان.

ويقول فهمي هويدي في مقدمة كتابه عنهم: "أصدقائي الأفغان في الخارج يرون في حركة طالبان تعبيرا صادقا عن الحقيقة الأفغانية بخيرها وشرها حيث يمثلون أول نظام حكم خرج من رحم الواقع". كما يؤكد أن "ما تفعله حركة طالبان في أفغانستان هو بالضبط سلوك الإنسان التقليدي والعادي هناك حيث تحكم الجميع قيم واحدة وثقافة واحدة" (طالبان، فهمي هويدي، ص6).

إذن، واقع طالبان/ الواقع الفكري هو ـ في العموم ـ واقع المجتمع التقليدي المحافظ/ المتدين في أفغانستان. هذا في العموم، ولكن، عندما تحاول مقاربة الواقع من خلال الأيديولوجيا الطالبانية على وجه التحديد فإنك تصطدم بضبابية تُحيل إلى كلمة "الشريعة" في عمومها. فالحركة هي انتظام عفوي خلف شعارات دينية؛ يُفَسّرها ـ باجتهادهم ـ "علماء الدين"، وكما يقول مولوي حفيظ الله حقاني: "ليس لحركة طالبان لائحة مكتوبة لتنظيم أمورها وعلاقاتها، ولا يوجد لديها نظام للعضوية ولا علاقة منظمة" (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص123).

ومع هذا، فإذا كان التفصيل التنظيمي متعذرا، فلا شك أن ثمة رؤى عامة، وتعليمات تنفيذية، نستطيع من خلالها مقاربة الواقع الطالباني. في البداية؛ لا يخفى على أحد أنها "حركة ماضوية" في العموم، بمعنى أنها تنظر إلى الماضي، وتحاول استنساخه على نحو آلي، دونما اشتراط حقيقي بمكونات الواقع الراهن. وكما يقول فهمي هويدي ـ وهو الذي عاينهم عن قرب ـ فإنهم "يثبتون أعينهم على عالم الإسلام قبل 14 قرنا، وغير قادرين على التعامل مع متغيرات الدنيا بعد ذلك التاريخ" (طالبان، ص 106).

ما يقوله هويدي هنا، له شواهده الصريحة من الواقع. فرئيس الدولة يأخذ مسمى تراثيا خالصا، إذ هو "أمير المؤمنين"، والدولة ذاتها هي "إمارة إسلامية". وفي الكُتَيّب الذي كتبه لهم أحد علماء باكستان ونشروه بوصفه التعبير الصادق عنهم، نجده يضع جملة من "الأهداف" التي تتضمن أسس رؤيتهم الأيديولوجية، وأول هذه الأهداف وأهمها:

1ـ إقامة الحكومة الإسلامية على نهج الخلافة الراشدة.

2ـ أن يكون الإسلام دين الشعب والحكومة جميعا.

3ـ أن يكون قانون الدولة مستمدا من الشريعة الإسلامية.

4ـ اختيار العلماء والملتزمين بالإسلام للمناصب الهامة في الحكومة...إلخ (طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص 108).

هذا من حيث التصوّر/ تصوّرهم العام عن الدولة التي حققوها/ يحلمون بها. وطبعا، من الواضح أنها ليست فقط دولة غير ديمقراطية، بل هي أيضا غير مدنية بالأساس، فرأسها رجل دين، والمناصب العامة/ الهامة ـ كما يقولون ـ محجوزة لرجال الدين الملتزمين بالإسلام، الذين هم ـ في الحالة الطالبانية ـ علماء دين نصوصيّون أثريّون، يُحَاولون تطبيق ما درسوه في كتب التراث ـ التي يعود تاريخ بعضها لأكثر من ألف عام ـ على الواقع الأفغاني اليوم. ولهذا، جاءت التعليمات/ الأوامر الميدانية لتحاول تطبيق ما جاء في تلك الكتب التراثية، دون أن يسألوا أو يتساءلوا: هل كانت هذه التعليمات مُطَبّقة زمن كتابتها قبل أكثر من ألف عام، أم هي مجرد أمنيات وتطلعات لبعض فقهاء الماضي المأزومين، كتبوها كـ"أحلام يقظة"، وجاء الأغرار من شباب المدارس الدينية ليكتبوها واقعا معاشا بالحديد والنار؟!

في السابع عشر من شهر ديسمبر عام 1996م صدر تعميم طالباني من نائب وزير الرئاسة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتضمن جملة من المحظورات التي سيلزمون بها المجتمع على سبيل القسر والإكراه، منها ـ على سبيل المثال ـ:

1ـ منع سفور النساء. وإذا ما شوهدت امرأة في الشارع كاشفة الوجه، يعاقب زوجها.

2ـ حظر الموسيقى. الموسيقى ممنوعة في المحلات التجارية والفنادق والسيارات. وإذا ما عثر على أي شريط موسيقى في أي محل أو سيارة فإن صاحبه سيتعرض للعقاب.

3ـ منع حلق اللحى. أي شخص يحلق لحيته يودع في السجن حتى تنمو لحيته.

4ـأداء الصلوات في المساجد. وفي وقت الصلاة تُغْلق المحلات وتُوْقف المواصلات.

5ـ يمنع قص الشعر على الطريقة الغربية...إلخ التعليمات (طالبان، فهمي هويدي، 66و67).

وطبعا، "ترى حركة طالبان أن مجال عمل المرأة هو بيتها، فلا يجوز لها أن تخرج إلا عند الضرورة الملحة"..."أما أن تخرج إلى المدرسة أو إلى الجامعة تدرس الأمور الدنيوية فهذا لا يجوز عندهم"(طالبان من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين، ص135).

إن هذه التعليمات البائسة التي قد يراها بعض المراقبين للحالة الطالبانية من الخارج، مجرد هوامش/ فروع/ قشور لا تستحق الاهتمام، هي ـ بالنسبة لحركة طالبان ـ أساسيات/ محاور كبرى، وقد مارسوا تطبيقها عمليا، ورفضوا كل الاعتراضات عليها؛ حتى من داخل العالم الإسلامي، بل ومن علماء مسلمين مشهورين؛ لأنها ـ في نهاية الأمر ـ تتشكّل بها هويتهم، ويرون ـ من خلالها ـ مستقبلهم، بل ومستقبل الإسلام!

هذه هي أسس الرؤية الطالبانية التي تُشَكّل "الواقع الطالباني" الذي كان حاضرا حينا من الدهر (ما بين 1996ـ 2001)، فهل هذه الرؤية (التي تحكي حالة بؤس فقهي/ فكري وسياسي)، قابلة للتحول/ التطور الذي يشترط مستوى من التغيير النوعي في وعي أصحاب القرار؟

في تقديري، يصعب إجراء متغيرات نوعيّة حاسمة على عناصر الرؤية الأساسية؛ لأنها هي العناصر التي ضمنت النمو الطالباني من الأساس، كما ضمنت له التأييد زمن الكمون، ومن ثم ضمنت له العودة المظفرة، التي هي عودة على أساس مشروعية "تاريخ مشهود" سَيُسْتَعاد من جديد، لا على أساس وعد جديد بمستقبل ما؛ مغاير لما يُشَكّل جوهرَ المشروعية الطالبانية عند رجال الدين الذين يقودون ـ بتأثيرهم العميق ـ خيارات المجتمع الأفغاني.

نعم، قد يجري بعض التحوير في آليات تطبيق عناصر الرؤية، وقد يجري السكوت ـ المؤقت ربما! ـ عن بعضها الآخر، ولكن لن يكون ثمة تنازل عن أساسيات الرؤية؛ لأنها ـ في تصورهم ـ هي الإسلام ذاته، وهم ـ كما يتصورون أنفسهم ـ ممثلو الإسلام الحق حصرا، والتنازل في مثل هذه الحال هو تنازل عن الذات بالتنازل عن الإسلام، أو هو تنازل عن الإسلام بالتنازل عن الذات التي هي الضامن الوحيد لتحقق الإسلام في الوجود.

هذا على المدى القريب. لكن، ماذا سيكون عليه الحال فيما لو استقر الأمر تماما لطالبان، واستطاعت الظفر باعتراف دولي واسع، ينتج عنه اشتباك واسع في العلاقات الدولية بكل تعقيداتها واشتراطاتها؟

هنا، من المتوقع أن لا شيء يبقى على حاله؛ حتى العقول المغلقة ستضطر ـ على نحو واعٍ أو غير واعٍ ـ لشيء من الانفتاح (ولو من باب: الضرورات تُبِيح المحظورات!)؛ عندما تنخرط في تفاعل ثقافي وعملي مع الآخر. ضغط التحولات التي يفرضها التأسيس لدولة حديثة قادرة على احتضان جميع تنويعات المشهد الأفغاني، سيجعل الهوة تتسع بين النظري/ المأمول من جهة، والعملي المشروط بالواقع من جهة أخرى.

أخيرا، يأتي السؤال/ التساؤل المحوري الذي لا يستطيع أحد ـ في الوقت الراهن ـ الحسم فيه: إذا كان ثمة تغيير/ تحوّل في الحالة الطالبانية الجديدة، قياسا بما كانت عليه قبل عشرين عاما، فما مداه وما مدّته؟ أي هل سيكون مُتغيّرا هامشيا يتمدد على مدى زمني طويل؛ فلا يكون له أي قيمة تذكر؛ لأن عنصر الزمن حاسم في مثل هذه الحال؟ أم سيكون مُتغيّرا هامشيا متصاعدا في الزمن، ما يعني أن الزمن سيصبح عاملا مساعدا لتحقيق مزيد من التحوّل المتراكم؟

الإجابة على هذا لن تكون رجما بالغيب، بل سنراها في تفاصيل المسلك الطالباني في الأشهر المقبلة، وعلى ضوئها ـ كَمَّا ونَوْعا ـ ستتحدد ملامح المستقبل الأفغاني الذي هو اليوم، وبضرورة الأمر الواقع: المستقبل الطالباني.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.