مطار كابل شهد أعمال فوضى
مطار كابل شهد أعمال فوضى

في الوقت الحالي، لا شك في أن انسحاب إدارة بايدن المتسرع وغير المنسق من أفغانستان لا يقل عن كونه كارثة. السرعة التي انسحبت بها القوات الأميركية في الأسابيع الأخيرة ساعدت في تمكين زيادة القوات من جانب طالبان، مع حدوث نتائج مأساوية، بينما أدى عدم وجود خطط طوارئ مناسبة لإجلاء، أو حتى حماية، المدنيين المعرضين للخطر إلى مشاهد مأساوية من الفوضى والاضطراب المستمر.

سعى صناع السياسة في واشنطن الآن بشكل محموم إلى إصلاح الضرر. الإجراءات التي يستخدمونها، بما في ذلك النقل الجوي للمواطنين الأميركيين واللاجئين الأفغان وتنسيق السياسات الدولية لحقوق الإنسان، قد تؤدي إلى بعض التأثير، لكن من المؤكد أن العواقب طويلة المدى لسوء تقدير الإدارة سوف يتردد صداها لسنوات قادمة. وعلى الرغم من عدم تحديد المدى الحقيقي للضرر بعد، فمن الواضح بالفعل أن هذه التكاليف سيتم تقديرها بعدد من الطرق الملموسة.

أحد الأسباب، أن تراجع أميركا، وتقدم طالبان، قد مهدا المسرح لإعادة تنشيط التشدد الإسلامي العالمي. في الشهر الماضي، أبلغت لجنة من الخبراء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن التهديد الذي تشكله الجماعات المتشددة مثل "داعش" والقاعدة لا يزال بالغا. وقالت دراستهم مؤكدة: "شهد النصف الأول من عام 2021 استمرارية واسعة من حيث طبيعة ومصدر التهديدات التي يشكلها تنظيم "داعش" وتنظيم "القاعدة" والجماعات التابعة لهما، إلى جانب التهديدات المتزايدة الناشئة في بعض المناطق".

الآن، تهدد نجاحات طالبان السياسية والاستراتيجية المذهلة بجعل الوضع أسوأ بشكل كبير. في داخل أفغانستان نفسها، يشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من أن الاستيلاء الناجح للحركة قد مهد الطريق لعودة محتملة للقاعدة، وهو ما أصبحت الولايات المتحدة الآن أقل قدرة على مراقبته. في الخارج، ساعد انتصار طالبان في إلهام جيل جديد من المتشددين المتحمسين لحمل السلاح ضد الغرب.

وشيء آخر، تسبب الانسحاب الأميركي من أفغانستان في زعزعة استقرار الحلفاء والشركاء بشدة. أثارت الطريقة التي انسحبت بها الولايات المتحدة من أفغانستان، وتخليها عن السكان المحليين الذين ساعدوا سابقا في المجهود الحربي الأميركي، تساؤلات جدية بين الدول الشريكة حول متانة تعاونهم مع الولايات المتحدة، وربما حتى مدى صواب ذلك. من جانبهم، يبذل خصوم أميركا قصارى جهدهم لتضخيم تلك المخاوف. حذرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية تايوان من أنه من المحتمل أيضا أن تتخلى عنها الولايات المتحدة في الوقت المناسب. فعل زعيم حزب الله، حسن نصر الله، الشيء ذاته، إذ أبلغ إسرائيل علنا أنه لا يمكن الاعتماد على دعم الولايات المتحدة.

في الأوقات العادية، قد تكون هذه الشكوك ضارة، لكن في وقت "منافسة القوى العظمى" بين الولايات المتحدة والصين، فإنها لا تقل عن الدمار.

ثم هناك مكانة أفغانستان نفسها. خلال تجربتها السابقة في الحكم، من عام 1996 إلى عام 2001، كانت طالبان منبوذة عالميا، مع القليل من العلاقات الدولية وحتى الدعم العالمي الأقل. اليوم، ومع ذلك، تجد الحركة نفسها في وضع أفضل بكثير. لقد أشارت دول مثل روسيا وإيران بالفعل إلى قبول واعتراف حذر بحكم طالبان. في غضون ذلك، كانت الصين أكثر حماسا، ولسبب وجيه. منذ بعض الوقت، تعمل الصين بهدوء على تعزيز نفوذها في أفغانستان من خلال الاستثمارات ومشاريع البناء، بهدف أوحد: جعل أفغانستان ما بعد أميركا ممرا استراتيجيا رئيسيا على طول "الحزام والطريق".

يضع هذا الولايات المتحدة على حافة معضلة خطيرة. لقد امتنعت إدارة بايدن عن الاعتراف بطالبان، وهددت بتحويل أفغانستان إلى "دولة منبوذة" إذا لم تلتزم المجموعة بالمعايير الدولية. ومع ذلك، إذا اتبعت دول أجنبية كافية خطى الصين وتوصلت إلى اتفاق مع القيادة الجديدة في كابل، فلن تكون أميركا قادرة على فعل أي شيء من هذا القبيل. في الواقع، قد تضطر إلى قبول طالبان أيضا، مما يمثل هزيمة كبرى لواشنطن ونجاحا كبيرا لبكين.

في الوقت الحالي، لا يزال المسؤولون يحاولون التخفيف من الآثار التي أعقبت الرحيل الجاف للولايات المتحدة من أفغانستان. لكن بعد فترة وجيزة، ستحتاج أميركا، والعالم، إلى التعامل مع العواقب الاستراتيجية طويلة المدى لذلك القرار المصيري.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.