حركة طالبان وعدت بتغيير سلوكها لكن هذه الوعود قوبلت بتشكيك
حركة طالبان وعدت بتغيير سلوكها لكن هذه الوعود قوبلت بتشكيك

فعليا، طالبان نموذج أسوأ نظام حكم إداري وسياسي واقتصادي موجود في المجتمع الدولي الذي يعترف بحركة طالبان كحالة حضور سياسي وحسب الطلب!

لكن طالبان أيضا تمثل واقع ووقائع المجتمع الأفغاني بكل تفاصيله اليومية وكما وصفهم الكاتب المتخصص بالحركات الإسلامية فهمي هويدي فإن طالبان (.. يمثلون أول نظام حكم خرج من رحم الواقع).

ومن مشاهدتي لكثير من فئات المجتمع الأفغاني الذين وفدوا بالتسلل والتمرير مع موجات اللجوء السوري في أوروبا، فإن طالبان فعليا هم الحالة الأكثر تنظيما في عشوائيات عالم أفغانستان الفوضوي بكل مستوياته.

حتى تركيبة طالبان التنظيمية، لا تخضع لتنظيم تقليدي عادي، بل يمكن القول أن وصف "حركة" هو الأكثر دقة في تصنيفها بدلا من وصفها بالتنظيم، فطالبان ليست تنظيما يخضع لقواعد عضوية وليس لديها لوائح وأدبيات وقوانين محددة ولا أطر مؤسسية يمكن لها أن تضبط حدودها، وليس لها إلا كلمة فضفاضة واسعة لها حضور مقدس حد الرعب لا يمكن التفكير بمخالفته حتى لو خالف كل البديهيات الإنسانية وهو "الشريعة"، والشريعة التي هي قانون طالبان الوحيد مجموعة قواعد فقهية لا يحدها زمان ولا مكان ولا حتى عقل يضبطها ما دام المتحدث باسم الله "الشيخ أو الملا أو الفقيه" قادر على أن يشكل الرأي الخاص بالله نفسه وباسمه ويلقيه قانونا مقدسا قابلا للتغيير وبصعوبة مع أي شيخ آخر أو ظرف آخر.

طالبان، حركة وليست تنظيما، حركة تحمل كرة نار المقدس كقانون صارم وتتحرك في كل الاتجاهات بلا ضوابط ومحددات، وهي حركة بعموم تفكيرها تتحرك مندفعة نحو الأمام، ولكنها ملتفة الرقبة تنظر إلى الخلف، وترى في الماضي المتوقف عند مرحلة "الخلافة الراشدة" نقطة بداية التاريخ الذي توقف هناك بالضبط، لذا هي في بحث دائم ومستمر عن نظام رئاسي قديم رأس الدولة فيه اسمه "أمير المؤمنين"، فهو أمير على كل مؤمن "والمؤمن له تعريف محدد وصعب في الوصفة السلفية" ورأس الدولة أيضا هو خليفة المسلمين بذات الوقت.

لقد استطاعت طالبان في غفلة تاريخية ممزوجة بتواطؤ سياسي نفعي أن تعلن قيام نموذجها الأسوأ في الدولة ليكون منتصف التسعينات حالة حاضرة لدولة تأسست على مفهوم "الحركة"، وكانت القوانين التي أعلنتها دولة الحركة الأكثر غرابة وطرافة وقسوة وأيضا الأكثر توغلا عكس حركة التاريخ، ورغم استهجان العالم كله - بما فيه العالم الإسلامي المعاصر بعلمائه ومشايخه وفقهائه المعاصرين- إلا أن طالبان أعلنت دولتها بعناد بل ورأت فيه حالة قابلة للتصدير - وهذا يتماهى مع مفهوم الحركة- وأنها تحديدا تضع خطوط عامة - حسب رؤيتها الخاصة- لمستقبل كوكب الأرض وقد رأت في نفسها من جعله الله خليفته في الأرض، هكذا ببساطة ترى طالبان أميرها - أيا كان- في هذا العالم: خليفة الله على الكوكب!

--

حين تتوارد الأنباء عن هذا الانهيار العظيم للدولة - الدمية- في أفغانستان، والدخول السهل والمريح لحركة طالبان إلى كابل وقد تمددت بهدوء في كل أنحاء البلاد التي تشبه طالبان نفسها، تذكرت وانا أشاهد تلك المشاهد الموجعة على طرافتها، دخول "حركة" داعش إلى الموصل، ذلك الدخول المريح والسهل والقاسي والبشع بكل تداعياته، ودوما يأتي بعد أي رحيل عسكري أمريكي لم يكن ضروريا منذ البداية.

لقد كانت المشكلة الأميركية على الدوام تقوم على عدم وجود برنامج بناء لدولة مؤسسات وقانون بقدر ما هو وصفات وهمية على صناديق اقتراع ولجان مراقبة دولية حولها لانتخابات لا معنى لها لتحضير نخبة حكم "منتخبة" خارج قواعد المجتمع نفسه، وبغياب أهم ركن واجب الحضور: الدولة والمؤسسات والقانون.

إن الوصفة الأفغانية وصفة سهلة الصنع مثل أي صناعة منزلية لقنبلة بدائية، كل ما تحتاجه فعليا هو حضور قبلي يتم تكثيفه وتعظيمه، وتغذية المجتمع "القبلي بمجمله" بالموروث الديني الذي يصبح مقدسا حسب رأي "الشيخ او الملا او الفقيه" وهو غالبا الرجل الأكثر ذكاء في فئة الجهلة الأقل تعلما ومعرفة أكاديمية حقيقية.

لتكتمل الوصفة لا بد من تذويب الدولة المؤسسية، وإغراقها بالفساد ليصبح عاما وشرسا مما يجعل المجتمع "القبلي - المتدين" يقبل بأي حالة "مقدسة" تنهي العبث الذي يحيط به.

المشكلة.. أن العبث لا ينتهي إلا بدولة مؤسسات وقانون ومواطنة ودستور.

لذا، ستبقى "حركة طالبان" حركة تتمدد كفكرة في كل جغرافيا محكومة بالقهر واليأس والبؤس المعرفي، وتتبلور في غياب الدولة والمؤسسات وحكم القانون.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.