"أصول الهزيمة تعود إلى قرار الهجوم على أفغانستان نفسه، في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001"
"أصول الهزيمة تعود إلى قرار الهجوم على أفغانستان نفسه، في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001"

التقاذف متواصل بين الاحتفاليين والاعتذاريين. ثمة رغبة لدى أولئك بإلصاق نعت الهزيمة النكراء بما جرى للولايات المتحدة في أفغانستان، في مقابل مسعى في أوساط هؤلاء لإدراجه في إطار التحول الرائق والمتوقع بإجماله، وإن لم يكن بتفصيله.

واقع الحال، لا جيوش طالبان تجول بالبيارق المرفوعة في جادات العاصمة واشنطن للحديث عن الفتح المبين، ولا الآلة الحربية الأميركية تعيد توزيع عديدها وعتادها بالدقة المتعمدة والتأني الرقيق، بما يسند مقولة الانتقال السلس.

الولايات المتحدة قد هزمت بالفعل في أفغانستان، فيما يتعدى صورة الفوضى في مطار كابل، والتنسيق الاضطراري مع عدو الأمس. غير أنها هزيمة بمقاييسها الذاتية، وليست هزيمة إزاء أحد.

أصول الهزيمة تعود إلى قرار الهجوم على أفغانستان نفسه، في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001. 

ما كانت الولايات المتحدة تفتقده في أعقاب هذا الاعتداء هو نظرية علاقات دولية متماسكة. في المرحلة السابقة، أي الحرب الباردة، كانت قراءة الولايات المتحدة للأحوال الدولية موحّدة في تقييمها للتحديات والمصالح، وإن اختلفت، بين التيارات الفكرية والتوجهات الحزبية، في تصورّها للسياسات التي تقتضيها. كانت ثمة منظومة اشتراكية شمولية تسعى إلى التمدد بما يهدد مصالح الولايات المتحدة والبنى الدولية التي أنشأتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. فسواء كان الرد تشديد المواجهة لغرض الإنهاك، أو التواصل الذي من شأنه تفكيك جهود الخصوم، فإن خطوط التماس بين العدو والصديق كانت واضحة، ودور الولايات المتحدة في قيادة العالم الرأسمالي الحر كان جلياً.

مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية، أصبحت الولايات المتحدة الدولة العظمى الوحيدة، وانحصرت مسؤولية ضمان الاستقرار العالمي بها، ما أسس لتنازع فكري داخلها، بين من يدعو إلى الانطواء، طالما أن الأخطار قد انحسرت، ومن يرى وجوب المحافظة على النظام الدولي القائم وتعزيز دعائمه من خلال المؤسسات الدولية، ومن يرى في الأمر فرصة لإعادة صياغة العالم بما يتوافق مع المصالح والقيم الأميركية، باعتبارها الأنسب عالمياً وإن جهل الآخرون الأمر، وهي الرؤية المحافظة الجديدة.

"غزوات" الحادي عشر من أيلول خلطت الأوراق، وهزّت شعور النصر المفصلي والأمان التاريخي واللذين كانا سائدين في الولايات المتحدة. الحاجة إلى فعل حاسم كانت ماسة. السؤال كان وحسب حول طبيعة الخطوة العتيدة، أي الحرب على أفغانستان. اقتصاصية؟ ربما. حرب عادلة"؟ هكذا ارتآها العديد من التقدميين.

على أن تأطير الهجوم على أفغانستان تمّ في نهاية الأمر عبر تلاقي ثلاث قراءات. إحداها، قراءة "المصلحة الوطنية" كانت القائلة إن المطلوب هو فعل عقاب وردع، أي الدخول إلى أفغانستان، تدمير القاعدة المستوطنة فيها، تأنيب حكامها من طالبان بكل القسوة، وترك الأمر للأسرة الدولية لمعالجة التبعات.

القراءة الثانية، تستدعي المبادئ والقيم، وترى في التجاوز الصادر من أفغانستان نتيجة مباشرة لإهمال من واشنطن لمن عبأتهم واستفادت منهم لاستنزاف الاتحاد السوفييتي، أي المجاهدين ومن جاء بعدهم من طالبان. فلضمان استقرار أفغانستان وجوارها والعالم، كان لا بد بالتالي من استبدال النظام الإسلامي القائم بآخر متوافق مع المنظومة الدولية، بفعل أميركي ومساهمة عالمية.

أما القراءة الثالثة فهي التي رأت في الفوضى في أفغانستان وفي استفحال الحركة الجهادية فرصة لتجاوز الفعل التصحيحي باتجاه الإقدام على تأسيس واقع جديد، الشرق الأوسط الكبير، المتوافق في قيمه وبناه ونظمه مع الرؤية المحافظة الجديدة.

المشترك بين القراءات الثلاث هو العزم على القضاء على القاعدة والاقتصاص من طالبان. ورغم أن هذا الهدف الأولي قد تأخر، فإنه كان بالإمكان زعم تحقيقه في وقت لاحق، ولا سيما مع مقتل أسامة بن لادن وتشتيت القاعدة، رغم أن ثمن هذا التشتيت، وسوء متابعته، كان ظهور ما هو أسوأ من القاعدة.

التلاقي المرحلي بين القراءات الثلاث انتهى بعد أعوام قليلة من سقوط كابل والشروع الفاشل بمساعي تنفيذ الأهداف التالية على تضاربها، بل أن هذه الأهداف قد فقدت الزخم، في أفغانستان كما في العراق وسائر العالم، وأمسى لسان حال واشنطن السعي للتخلي عن دور شرطي العالم.

ولكن المشاريع المستهلِكة للأموال العامة لا تزول من تلقاء نفسها، بل لها في بناها من المستفيدين الموضعيين ما يضمن استمرارها. لا حاجة هنا لاستدعاء نفوذ فائق لشركات الانتاج الحربية لتفسير هذا الاستمرار، دون تبرئتها، ذلك أن أعداد المستفيدين، في الولايات المتحدة نفسها وأفغانستان وسائر العالم كانت واسعة إلى حد تعزيز الزخم للاستمرار، ما لم يأتِ قرار ترشيد المصلحة الوطنية من السلطة السياسية في واشنطن.

هذا في حين أن ضياع الخطاب الواضح حول جدوى الحرب الطويلة في أفغانستان وانحسار الخطر الجهادي الإرهابي، أو انتقاله إلى خارج أفغانستان، ضاعف التململ في أوساط المجتمع من حرب يبدو أن نتائجها هو وحسب أعداد من القتلى والمعوقين من الجنود الأميركيين.

أي أنه كان بوسع الرئاسات الأميركية المتعاقبة، بناءً على الرغبة بالتخلي عن دور شرطي العالم، وتجاوباً مع الإرادة الشعبية بإنهاء حرب غير مفهومة، أن تقدم على خطوة وضع حد للمواجهة قبل عقد من الزمن أو أكثر. عرضياً، رغم أن الأمر خارج الاهتمام أو الوعي بالنسبة للغالبية في الولايات المتحدة، ونظراً إلى النتيجة التي تحققت اليوم، كان من شأن ذلك أن ينجي مئات الألوف من أهالي أفغانستان من الموت والألم، وينقد بلادهم من مضاعفة الدمار.

هل كانت الرئاسات المتعاقبة في واشنطن خلال هذه المرحلة الحرجة على مستوى المسؤولية؟ الحكم للتاريخ طبعاً، ولكن الاستعراض الأولي لأداء الرؤساء لا يفيد الطمأنينة. باراك أوباما قرّر بما يشبه الاعتباطية أن الحرب في العراق هي الاختيارية وفي أفغانستان هي الاضطرارية، ثم عاد ومنع عن قواته المسلحة ما يمكنهم من الانتصار بحربه الاضطرارية. كان جلياًً بالنسبة لطالبان، منذ أن تولّى أوباما الرئاسة أن المسألة هي قضية وقت وحسب قبل الانسحاب الأميركي. لا رغبة بالمزيد من الضخ والالتزام، والأهم لا رؤية حول طبيعة الانتصار وكيفيته.

ثم جاء دونالد ترامب، مستعيناً بفكرة الانسحاب وجداوها انتخابياً، وسعى مهرولاً لتحقيق الانسحاب في عهده، دون اعتبار للعواقب، ولا سيما في تضييع الضئيل الذي كان قد تحقّق بنيوياً، فسعى إلى توقيع اتفاق مع أعداء الأمس، بل كاد أن يستقبل وفد طالبان في واشنطن في الذكرى السنوية لاعتداءات الحادي عشر من أيلول. وترك الرئاسة والتواجد الأميركي في أفغانستان في حال افتقاد للخطط الميدانية، بالإضافة إلى غياب الرؤية التأطيرية.

ثم كان دور جو بايدن، والذي عاش ارتباك أوباما يوم كان نائباً له، وعلى ما يبدو شاء أن يستفيد من تسرّع ترامب، لإيلاء الشأن الداخلي كل اهتمامه، فجاءت خطواته من طينة سلفيه، محدودة الرؤية وقاصرة الأداء.

ليس في الأمر تنقيص من صمود طالبان ومقاومتها للقوات الأجنبية، دون أن يصل هذا التقدير إلى حد الارتقاء بها إلى وصف يشبه الحركة الوطنية. هذا التنظيم لم يتردد لتحقيق أغراضه باستباحة دماء الأبرياء. ورغم العقيدة القتالية "الحضارية" للقوات الأميركية والحليفة، فإن أداء هؤلاء بحق الأفغان ليس مشرّفاً بدوره.

غير أن من هزم الولايات المتحدة في أفغانستان هي الولايات المتحدة نفسها، ساعة تشتّتت  الرؤية التي زجّت بها في هذه البلاد البعيدة، وساعة عجز رؤساؤها المتعاقبين عن اتخاذ القرارات الواضحة الحازمة.

ما جرى في أفغانستان يتطلب مراجعات ومساءلات سوف تجري حكماً، وسوف ينتج عنها مطالبات بنهج جديد وسياسات مختلفة تحيط منطق التدخلات الخارجية بفائق الحذر. ولا شك أن خيبات الأمل واسعة ومتشعبة في الولايات المتحدة والصف الغربي، كما في أفغانستان نفسها وفي سائر العالم، الذي اعتبر واهماً أن الانخراط الدولي الطويل الأمد في أفغانستان من شأنه أن يستنهض هذه البلاد المنكوبة.

المسألة ليست في عدم توفر الإمكانيات. للولايات المتحدة من القدرة البناءة ما كان من شأنه تشييد أفغانستان مرات عدة، ولها من القوة الضاربة ما كان كفيلاً بإبادة طالبان عن بكرة أبيها.

ولا المسألة في القناعات. بل المجتمع الأميركي حاضر لأن يستجيب من حيث المبدأ ثم المصلحة لدعوة المساهمة في استنهاض الآخرين إذا كان التأطير واقعياً ومنطقياً. ربما أن الهزيمة الفعلية للولايات المتحدة، في أفغانستان كما في العراق، كانت أنها عجزت عن إنتاج القيادات الكفيلة بوضع إمكانياتها الفائقة في خدمة ما يتوافق مع مصالحها ومبادئها في آن.

قد يكون جو بايدن صائباً في تقييمه أنه لا سبيل لأن يكون الخروج من أفغانستان مختلفاً. إذ ليس في الأمس القريب رئيس كان بالإمكان أن ينتظر منه أداءً يحقق هذا التوافق.

عسى أن يكون في التقييم اللاحق لهذه التجربة المرّة إقراراً بالظلم الذي أصاب سكان أفغانستان. وأن يبنى على الأمر مقتضاه.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.