الإسلام.. شعوب وتأثيرات
الإسلام.. شعوب وتأثيرات

خلال القرن الماضي ربط كثير من القوميين العرب بين الإسلام والعروبة، بل أن بعضهم اعتبر أن الإسلام هو أحد تجلّيات العروبة، وفي نفس الوقت نشأت في المنطقة العربية أغلب حركات الإسلام السياسي، ولكن هذه الحركات لا تتولى حاليا الحكم في أي دولة عربية باستثناء قطاع غزة الصغير الذي تحكمه حركة حماس، بل أن نسبة كبيرة من شعوب الدول العربية تحمل مشاعر سلبية تجاه أحزاب ومنظمات الإسلام السياسي وكذلك تجاه رجال الدين الانتهازيين المرتبطين بالحكام، الذي يطلق عليهم اسم شيوخ السلطان.

بينما هناك، في المقابل، حكم إسلامي ذو مرجعية شيعية يتولّى السلطة في إيران منذ أكثر من 4 عقود، كما يحكم تركيا منذ عقدين حزب العدالة والتنمية الإسلامي، كما وصلت إلى السلطة في أفغانستان قبل أيام حركة طالبان التي تسعى إلى إقامة حكم إسلامي، وحتى باكستان فقد تم إنشاؤها عام 1947 على أساس أنها دولة مسلمة ومنذ ذلك الوقت تلعب القوى السياسية الإسلامية المتشددة والمعتدلة دورا رئيسيا في رسم سياساتها الداخلية والخارجية، أي أن رجال الدين مازالوا يلعبون دورا كبيرا في حياة المسلمين من غير العرب، بينما تراجع دورهم كثيرا عند الشعوب الناطقة بالعربية.

كما يمكن ملاحظة شدّة التديّن عند الشعوب غير الناطقة باللغة العربية في ردود فعلها على أي كتاب أو فيلم أو رسوم يعتبرها الإسلاميون مسيئة للإسلام، فبينما تقتصر ردود الفعل في الدول العربية على بيانات شجب تصدرها المؤسسات الدينية الرسمية، يخرج مئات الآلاف في مظاهرات غاضبة "للدفاع عن الإسلام" في دول مثل باكستان وبنغلادش وإندونيسيا، ويتأكد ذلك في دراسات وإحصائيات تم إجراؤها خلال العقد الأخير، فبينما اشارت دراسة لمؤسسة غالوب، اعتمدت على سؤال "هل الدين جزء هام من حياتك اليومية" إلى أن نسبة اللادينيين في بنغلادش صفر في المائة، وفي إندونيسيا واحد في المائة فقط، كانت النسبة في سوريا والعراق 15 في المائة.

كما خلصت دراسة أخرى لمؤسسة وين-غالوب أجريت في بدايات العقد الماضي، إلى أن 5 إلى 9 في المئة من سكان المملكة العربية السعودية يعتبرون أنفسهم ملحدين، كما قال 19 في المئة أنهم لا دينيون، وهي نسبة قريبة من تلك الموجودة في الولايات المتحدة، مع أن السعودية واحدة من الدول الـ13 التي تحكم على الملحدين بالموت وجميع هذه الدول إسلامية، كذلك أوضحت دراستان منفصلتان لشبكة البارومتر العربي أجريت الأولى عام 2013، وأشارت إلى أن نسبة الملحدين في المغرب كانت 2.5 في المائة، ولكن هذه النسبة ارتفعت أربعة أضعاف إلى 10 في المائة عام 2019، وقالت نفس الدراسة أن نسبة اللادينيين قد تجاوزت في تونس الثلاثين في المائة، وفي ليبيا 25 في المائة وفي الجزائر 15 في المائة.

ولعبت شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وندوات اليوتيوب دورا مهما في ارتفاع نسبة اللادينيين في المنطقة العربية حتى أن بعضهم ردد عبارة مثل "إن الإسلام الذي انتشر بالسيف سينتهي بالفيس"، لأنه أتاح لهؤلاء التواصل بحرية وتناول كافة المواضيع التي كان يحرم تناولها في وسائل الإعلام التقليدية، وصحيح أن هذه العبارة مبالغ فيها ولكنها تشير إلى الحجم الكبير لظاهرة الخروج من الدين والتي يمكن التأكد منها من الأعداد التي تشاهد الندوات التي تنتقد الفهم السائد للإسلام التي تصل في كثير من الأحيان إلى مئات الآلاف.

ووصف الصحفي البريطاني براين ويتكر في كتابه "عرب بلا رب" الصادر عام 2014 الطريق التي يقطعها بعض المثقفين العرب في مشوارهم الذي ينتهي بالخروج من الإسلام والذي يبدأ بصدمات يسببها تفسير بعض النصوص التي تتحدث عن الخوارق والمعجزات والجن والسحر أو بعض مبادئ الدين المنافية لروح العصر مثل العبودية والجهاد والفتوحات وحكم الردّة والنظرة الدونية للمرأة التي جعلت 40 في المائة من الملحدين العرب من النساء، نتيجة ما يعتبرنه ذكورية الدين والعقبات التي يضعها أمام حرية المرأة ومساواتها وكرامتها، خصوصا النصوص التي تعتبر المرأة مجرد متاع للرجل أو التي تحرّم الحب بينما تحلّل السبي والاغتصاب وزواج الأطفال.

ولذلك قال الكاتب أن ما يدفع شباب اليوم للإلحاد ليس كتب داروين أو ماركس بل كتب البخاري وابن تيمية والخميني وسيد قطب والخطاب المتطرف الذي يحرّم أي شيء مفيد أو ممتع مثل العلم والفن، كما أورد الصحفي في كتابه ملاحظة مهمة وهي أن "أغلب اللادينيين العرب كانوا متدينين أو خرجوا من أسر متدينة وأغلبهم درس الدين جيدا واطلع على نصوصه الأصلية"، وعبارة النصوص الأصلية تحديدا قد تساعد في فهم سبب انتشار ظاهرة الخروج من الإسلام عند العرب أكثر من غيرهم، لأن الاطلاع الحقيقي والمعرفة العميقة بالنصوص الدينية غير متاح سوى أمام من كانت لغتهم الأم العربية.

أي من المرجّح والمنطقي أن يقوم رجال الدين الذين يدرّسون الإسلام لغير العرب باختيار آيات وأحاديث بعينها يرونها تخدم هدفهم ويتجاهلون ما سواها، كما أن لدى رجال الدين هؤلاء هامش أوسع في تفسير النصوص الدينية بما يجعلها أكثر قبولا وانسجاما مع ثقافة البلد الذي يتواجدون فيه، ولكنهم لا يستطيعون فعل ذلك مع الذين يتقنون اللغة العربية، ومن الغريب أن نفس رجال الدين الذين يقومون بتنقية التراث الإسلامي قبل تدريسه لغير العرب يرفضون تعديل أو حذف أي حرف من كتب التراث الإسلامي في نصوصه الأصلية باللغة العربية رغم أنها تحتوي على الكثير من الأفكار التي تجاوزها الزمن.

كما أن السبب الثاني لابتعاد بعض العرب عن الإسلام هو التجارب التي مرّوا بها تحت مسمّى تطبيق الشريعة، مثل ما عاناه السوريون والعراقيون تحت حكم داعش والقاعدة والميليشيات الشيعية التابعة لإيران، أو تجربة المصريين مع حكم الإخوان المسلمين، أو ما عايشته بعض شعوب الخليج مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلال العقود الماضية، ويمكن تأكيد ذلك عند متابعة تزايد حالات الخروج من الدين في إيران نتيجة عقود من الحكم الإسلامي، ففي دراسة لمؤسسة جمان للإحصاء عبر الإنترنت في عام 2020 قال 8.8 في المئة من الإيرانيين أنهم ملحدون، وقال 22.2 في المائة أنهم لا يتبعون دينا معينا، وصرّح 40 في المئة منهم بأنهم لا يعرّفون أنفسهم كمسلمين، أي أن التعرّض لتجربة حكم "إسلامي" تدفع أعدادا أكبر للابتعاد عن الإسلام.

يدرك الإسلاميون اليوم حقيقة تراجع شعبيتهم في الدول العربية، فلا يجدون أمامهم سوى خداع جمهورهم بادعاء انتصارات وهمية في مناطق بعيدة، ومحاولة شد العصبية الدينية من خلال الادعاء أن هناك مؤامرة عالمية تستهدف الإسلام، ولكن تراجع شعبيتهم سيستمر حتى يقتنعوا بالتوقف عن محاولة حكم الشعوب باسم الدين، أو التدخل في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمسلمين عبر البرامج المختصة بإصدار فتاوى يقدمها رجال دين تنقصهم المعرفة التخصصية في أغلب مناحي الحياة، والأهم من ذلك إعادة النظر في كتب تراث، وتنقيتها من كل ما يرفضه العقل والعلم وثقافة العصر.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.