الزيارة ستثير الحسد في المنطقة
الزيارة ستثير الحسد في المنطقة

بعد قمة واشنطن التي جمعت العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالرئيس الأميركي جو بايدن، الشهر الماضي، نشرت صحيفة واشنطن بوست تعليقا يرى "أن ملك الأردن أصبح الحاكم المفضل لواشنطن مرة أخرى".

التعليق الذي نشره ديفيد إغناطيوس جاء بعد نشر البيت الأبيض لصور تظهر الملك وابنه "ولي العهد" بصحبة بايدن مبتسمين فرحين، معتبرة أن هذه الزيارة ستثير الحسد في المنطقة.

بعد عامين من إغلاق البيت الأبيض بوجه الملك في زمن الرئيس السابق ترامب، تحولت الزيارة الرسمية إلى مناسبة للاحتفاء بالملك وولي العهد. والحفاوة لم تقتصر على البيت الأبيض، بل تجلت أيضا باستقبال مختلف من رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي للملك.

تنفس الأردن الصعداء بعد الزيارة الملكية لواشنطن، وشعرت عمّان بالراحة، وتوقفت مصادر التهديد بعد سنوات من التوتر والضغط والابتزاز السياسي، كان جلها من الإدارة الأميركية السابقة. وزاد من حالة الاسترخاء الأردنية أن هذه الزيارة جاءت عقب أحداث ما سمي بـ"الفتنة"، والتي دفعت المجتمع الدولي وفي مقدمته واشنطن إلى "مبايعة" جديدة للنظام الأردني بقيادة الملك، وذهب الرئيس بايدن أكثر من ذلك حين قدم رسالة دعم وتعزيز لشرعية ولي العهد، حين نشر صورته وهو يضع يده على كتف الأمير حسين.

في ظلال هذا الاحتفاء الأميركي بالملك، كان العاهل الأردني يستعيد دوره كحليف موثوق وأساسي للولايات المتحدة، ويتحدث كمفوض عن المجموعة العربية، ويأخذ في المقابل تفويضا أميركيا لنزع الألغام من ملفات عديدة في المنطقة.

قبل سفر الملك إلى واشنطن، نشطت عمّان في مشاورات لبناء تفاهمات تبدأ من ملف السلام الفلسطيني - الإسرائيلي المعطل، وتمر في محطة الوضع السوري المتأزم، والحالة اللبنانية التي تقترب من حافة الانفجار، ولا تنتهي بتداعيات التوتر والصراع الإيراني - الخليجي.

الملك الأردني أكثر الزعماء معرفة بالإدارات الأميركية، وربما يكون أكثرهم قربا وفهما للرئيس بايدن وإدارته الجديدة، وفي حديثه مع فريد زكريا في CNN أظهر بوضوح أنه طرح على طاولة الرئيس الأميركي كل الملفات الساخنة، وقدم فيها رأيا ومقاربات بعضها قد يحظى بإعجابه وقبوله، وبعضها الآخر محل اختلاف.

أكثر من رسالة تعمد الملك أن يقولها صراحة في أول حديث له مع شبكة CNN الخصم الرئيسي لترامب، أهمها أن ملف "الفتنة" شأن داخلي، وحتى وهو يؤكد ملاحظة الارتباطات الخارجية، حسم الأمر بأن توجيه الاتهامات للآخرين لن يساعد الأردن، وبهذا فإن العاهل الأردني سعى لتطويق، واحتواء القلق السعودي من تداعيات هذه القضية، التي صنعت شرخا وتوترا.

الرسالة الثانية، أو القضية الثانية، أن لا بديل عن الحوار وإعادة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، والتحذير المهم الذي أطلقه ملخصه "إذا فقد الفلسطينيون الأمل ستكون الحرب التالية أكثر ضررا".

حديث الملك لـ CNN لم ينفصل عن تحركات أردنية لاحقة، سياسية وأمنية، مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي تجاهر بالتأكيد على تحسن العلاقات مع الأردن، وأن التوتر الذي صنعه نتانياهو لا مبرر له.

يدق الأردن دائما الجدران للتذكير بالقضية الفلسطينية، ورغم أنها على رأس أولوياته السياسية فإنه لا يراهن على إحداث اختراقات سياسية كبيرة، وفي الوقت الذي يواصل إسناده للرئيس الفلسطيني أبو مازن، فإن اتصالاته الأمنية لم تنقطع مع قيادة حماس، ويرى أن تواجده الإنساني على أرض غزة صلة وصل تدوم ولا تنقطع.

أكثر الملفات والرسائل إثارة للجدل، الوضع السوري الراهن، والملك لفت الانتباه بطرحه العلني عن إعادة تأهيل النظام السوري، ويتحدث عن مقاربة تغيير سلوك النظام، بعد أن سلم الجميع ببقائه، وهو ما يستلزم خارطة طريق للحوار معه، أملا في تفاهم لخطوات الإصلاح السياسي التي تعيده إلى الحضن العربي أولا، والمجتمع الدولي ثانيا.

مؤتمر دول الجوار الذي سيبدأ في بغداد، وزيارة الملك إلى موسكو، قد تعيدان ترسيم التفاهمات مع نظام بشار الأسد، فرغم أن بغداد نفت دعوة دمشق للمؤتمر، لا يمنع ذلك أن تكون موضوعا أساسيا للنقاش والاتفاق، وبالتأكيد فإن الملك في لقائه مع الرئيس بوتين لم يطرح على طاولة النقاش إعادة تثبيت التفاهمات الأمنية والاستخباراتية في الجنوب السوري، وضمان إبعاد الميليشيات الإيرانية، وحزب الله عن حدود جابر الأردنية - السورية، وإنما شاركه في الموقف والمعلومات التي تراها الإدارة الأميركية في المسألة السورية، والرئيس بشار الأسد.

مقاربة الأردن للعلاقة مع دمشق سياسية وأمنية واقتصادية، والمحسوم أن افتعال أزمة الجنوب السوري، والصراع بين الفيلق الخامس الذي تشرف عليه روسيا، والفيلق الرابع الذي تسيطر عليه ميليشيات إيرانية في درعا، كان خطوة استباقية لوأد قرار الأردن بفتح حدود جابر للبدء بتبادلات تجارية.

ما يقلق الأردن ليس اقتراب ميليشيات مناوئة له من حدوده فقط، وإنما يخشى تجارة المخدرات والسلاح التي تفشت وباتت تشكل خطرا، وأصابع الاتهام لا تعفي أطرافا في "النظام السوري" ضالعة ومتورطة بها.

ليس سرا أن الأردن في مباحثات واشنطن سعى لاستثنائه من العقوبات التي يتضمنها قانون "قيصر"، والإدارة الأميركية تفهمت الأمر، وطلبت التفاهم مع الكونغرس لغض النظر عن الخطوات الأردنية.

يربط الملك في حديثه ومواقفه الملف السوري بالحالة اللبنانية التي يعتقد أنها على وشك الانهيار، والأمل الوحيد دعم الجيش للحفاظ على وحدة لبنان.

لم يعرف إذا كان الأردن قدم تصورا سياسيا للإنقاذ، لكن الواضح أن القيادة اللبنانية مهتمة بالاستماع، وتبدى الأمر بزيارة وزيرة الدفاع اللبنانية زينة عكر ولقائها بالملك، ومن قبل زيارة الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل لعمّان.

لبنان على حافة السقوط والتحول لدولة فاشلة بامتياز، وسيناريوهات الإنقاذ محدودة، وليس منها بالتأكيد النجاح في تشكيل حكومة، لأنها تجربة أثبتت فشلها مرة تلو الأخرى، مها كان اسم الرئيس المكلف.

في عواصم القرار يدور نقاش عن إمكانية إمساك الجيش لأدوار اللعبة والقرار السياسي، وانقلابه على قادة الطوائف، وقدرته على مواجهة حزب الله، وبين الناس من يدعو لتدخل ووصاية أجنبية على لبنان، وخطة مارشال اقتصادية لإنقاذه قبل الانهيار والفوضى.

سيلتقي زعماء دول الجوار في بغداد، والمؤكد أن الملك والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيحضران، فهما الحليف الأقوى للرئيس الكاظمي الذي وصفه العاهل الأردني أمام بايدن "أنه أكثر شخص يساعدنا للسيطرة على الإيرانيين"، ولا يعرف إذا كان الرئيس الإيراني الجديد سيحضر، أو الملك السعودي أو ولي عهده سيتواجدان، أو سيأتي الزعيم التركي إردوغان، إلا أن المؤتمر بحد ذاته مؤشر على استعادة العراق لعافيته، وستخيم على أجوائه محاولات رأب الصدع بين معظم زعمائه، وسيحضر كلام الملك إذا ما صافح الرئيس الإيراني مذكرا "أن الأردن تعرض لهجوم من طائرات مسيرة صناعة إيرانية".

سنوات العزلة السياسية للأردن انتهت، وعمّان غادرت مساحات الظل الدبلوماسي، وهي اليوم "محج" سياسي يجمع المتناقضات، ويسعى لبناء توليفة سياسية تجعله لاعبا لا يمكن تجاهله.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.