A person wearing an alien costume in a flying saucer roller skates through traffic down Main Street during the UFO Festival on…
شخص يرتدي زي رجل فضاء خلال تزلجه وسط شارع في العاصمة المكسيكية.

على سبيل التهكم، وبناء على أحاديث تطرقت مؤخراً إلى فضح متحرشين (كُثر) ضمن أجواء الثقافة والفن، كتبت على فيسبوك منذ سنة تقريباً: "رجال الوسط الثقافي/الفنّي انتهت صلاحيتهم، جربوا راكبي الأمواج وألواح التزلّج/التزحلق". 

المثير للاهتمام والسخرية استهجان البعض صدور فعل كهذا من أشخاص مُغلّفين أنفسهم كأوراق الهدايا الرخيصة بخطابات متنوعة وقضايا حساسة وكبرى، يتبجّحون بدعمها على مدار الساعة، أقلها افتراضياً وعلى صفحاتهم العامة، ابتداء من النسوية والدفاع عن حقوق المثليين، ومحاربة العنصرية بكافة أشكالها وأحجامها وغيرها من القضايا التي تضمن إظهارهم كصوابية سياسية متحركة على هيئة كائن بشري، وتطهيرهم من أفعالهم الحمقاء والشنيعة التي قد يقترفونها سهواً في المستقبل. طابع مستقبلي بحت، لكن ساذج. 

طبعاً لم أعلم أن هذا التهكم النظري سيتحول بعد أقل من سنة واحدة إلى واقع ساعدني على تكوين صداقات، للدقة؟ معارف أكثر من توصيفها بالصداقة. معارف خالية نوعاً ما من السُميّة، مريحة، مع أجساد لطيفة تستطيع السيطرة على إيقاع أجسادها المعلقة في الهواء على لوح خشبي أو بحذاء جهته السفلى مرفوعة عن الإسفلت ببضع سنتيمترات بعجلات صغيرة بكلا القدمين بخفة وسيطرة تامة تفوق قدرة بعض مدعي الثقافة الذين "لا حول لهم ولا قوة" أمام هيمنة أجساد الآخرين والتمادي عليها بحجة الحرية والانفتاح، المفاهيم الكبرى التي في الحقيقة غالباً ما تكون مجرد تزييف ظاهري، يتفكك أمام أوّل اختبار حقيقي لفهم أجساد الآخرين وفهم حدود لمسه واحترامه وتقبل الرفض، خاصةً أمام أجساد النساء. 

أوّل حذاء تزلّج حصلت عليه عندما كنت أبلغ من العمر 7 أعوام، بالإضافة إلى "سكوتر بدواليب" تشع باللون الفسفوري عندما تدور فوق الإسفلت، أهداني إياها والدي حينها في محاولة منه للتخفيف من حدة غضبي منه عندما كان يسافر لأشهر طويلة إلى دبي للعمل. حينها، كنت الوحيدة التي أمتلك هذه الأدوات الترفيهية بين فتيات وأولاد الحي الذي كنّا نقطنه في شارع اليرموك، مما جعلني محط اهتمام الأولاد والفتيات، الجميع يتسابق على التقرب مني وإغداق "الايغو" (الأنا) الخاص بي بالهدايا الصغيرة والمجاملات وما إلى هنالك من دلال منقطع النظير. طبعاً بهدف التقرب من الحذاء والطيران على السكوتر لا أكثر من ذلك. الآن بعد حوالي عشرين سنة تقريباً، أحاول جاهدةً الوقوف عليها والدوران والرقص فوقها بحذر شديد وانتباه بأن لا أكسر عظمة أو أقع على مؤخرتي فأتحول إلى عكازين بدواليب صغيرة تعينني على الدخول إلى الحمام، بدلاً من التأرجح على جدران حلبة التزلج المنحنية، صعوداً ونزولاً.

ببحث صغير، اكتشفت أنماط مختلفة وتصاميم متعددة تسهل عملية التدريب الأولى ومن ثم الاحتراف بواحدة منها. 

-    الكارديو: هو أسلوب متبع لمن يرغب في خسارة الوزن، لا حركات تزلج في الحلبة، أو حتّى التمايل على موسيقى تلعب في الهواء أو أي نشاط واضح، فقط ربط الحذاء والمشي بهما، كالمشي تماماً في جولة حول المنزل أو الحديقة.

-    التزلج الخادع: التزلج في الحلبة المنحنية بشكل مجوف والطيران إلى الأعلى نزولاً إلى قعر الحلبة.

-    التزلج بأسلوب الديربي: المفضل شخصياً، الأسلوب الذي أحاول جاهدة الوصول إليه دون كسر عظام الترقوة. الأسلوب يتطلب عدائية وتحكم هائل في القدمين للوصول إلى نتيجة تبدو في الظاهر سلسلة وسهلة، كتحريك الساقين على إيقاع موسيقى معينة برقصات مختلفة منها الجمبارة والمعاصر وغيره من التقنيات، من خلال التزلج السريع إلى الأمام أو الخلف بسلاسة تظهر المتزلج كأنه يطفو. 

بالنسبة لي، التزلج يحقق لي أمورا ثنائية متناقضة، مثلاً إمكانية التزلج في الخارج وداخل المنزل على السواء. رياضة لتقوية عضلات الأرجل والحصول على توازن مثالي لكنها ليست رياضة مملة وروتينية كالذهاب إلى النادي والعراك مع الآلات الثقيلة. تستطيع التزلج بمفردك أو مع مجموعة من الغرباء في أماكن تجمعات مجهزة خصيصاً لتدريبات سلسلة. أيضاً له جمالية خاصة، بسبب إمكانية تحول القدمين إلى نقرات متناغمة انسيابية مع تحليق الأذرع في الهواء وحول الجسد المتطاير. لا وقت للتفكير بالقيام بالحركات الرياضية الصحيحة للحصول على الجسد المثالي أو خسارة الوزن أو كسب المزيد من العضلات. فقط الحصول على التوازن في الهواء والاتصال قدر الإمكان مع كامل جسدك وعقلك كأنهما قطعة واحدة. أوصي به لمن يشعر انفصالا عن جسده الخاص في ظل ما يتراكم في عقولنا من مواد وأخبار سامة وكارثية في الفترات الأخيرة من حياة هذا الكوكب الآيل للاحتراق برمته في أي لحظة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.