لبنان يواجه مشكلة دواء بسبب الأزمة الاقتصادية
لبنان يواجه مشكلة دواء بسبب الأزمة الاقتصادية

أتيح لنا في اليومين الفائتين في لبنان أن نعاين وجهاً قبيحاً آخر لمنظومة الفساد، هو غير وجهها القبيح الذي نعيش معه منذ زمن طويل! وجه كان متوارياً خلف الشاشات وخلف الكاميرات، وهو وجه التاجر المحتكر والشرير، الذي تمت مداهمة مستودعات الأدوية التي خبأ فيها كميات هائلة من الأدوية، ومخازن البنزين التي احتكر فيها الوقود وحرم الناس منه. لكن المفاجأة كانت بمدى التشابه بين وجه هذا التاجر وبين الحزب الذي صدر منه. 

تشابه إلى حد التطابق، فالتدقيق في وجه محتكر الأدوية الحاج عصام خليفة لن يحيلك لغير حزب الله، أما إبراهيم الصقر، محتكر البنزين، فلا حزب يشبهه بقدر ما يشبهه حزب القوات اللبنانية. المفارقة التي حملتها وجوه المحتكرين هي غياب المفاجأة. أحزاب السلطة استثمرت بالانهيار، وراحت تحمي المحتكرين. 

لا أسرار لتكشف، والفضيحة لم تعد تخدش حياء أحد. عصام خليفة هو أحد وجوه حزب الله في قضاء الزهراني، والكاميرات دخلت إلى مستودعاته ونقلت لنا صوراً لكميات هائلة من الأدوية التي قضى لبنانيون نحبهم بسبب فقدانها من الأسواق. جرى ذلك تحت أنظار وزير الصحة، الذي يبدو أنه ارتكب خطأ حزبياً بخطوته كشف المستودع، حاول لاحقاً ابتلاعه، لكن بعد فوات الأوان. أما إبراهيم الصقر فلطالما ظهر على الشاشات متلحفاً علم "القوات اللبنانية"، الحزب الذي يقول إنه انكفأ عن السلطة وإنه لن يشارك في الحكومات الفاسدة، وإذ به غارق في البنزين حتى عنقه.

فضيحة الأحزاب الأخيرة انضمت إلى حزمة الفضائح اللبنانية. بدءاً من فضيحة المصارف والسطو على الودائع ومروراً بفضيحة انفجار المرفأ ووصولاً إلى فضيحتي انفجار عكار الذي تسبب به تخزين نواب من تياري الوطني الحر والمستقبل المازوت تمهيداً لتهريبه إلى سوريا، ومخازن الدواء والبنزين. ثم أن توازناً حزبياً وطائفياً رهيباً يجمع بين أحزاب السلطة، على رغم أنها أحزاب متنافرة وتوظف على نحو دموي ومبتذلٍ صراعاتها لتغذية مشاعر الانقسام والكراهية، وإذ بها تتفق فيما بينها على نهب الدولة وتجويع الناس، ومعظمهم من مناصريها. لم يعد هذا استنتاج وصل إليه المرء بعد تحليل للوقائع، انما هو واقع بسيط وغير مركبٍ. واقع موثق بصور وفيديوات وقرائن لا تقبل الرد. فهل من شيء أوضح من وجه الحاج عصام خليفة للتعبير عن أن حزب الله يحمي المحتكرين؟ أما صلوات إبراهيم الصقر فهو يؤديها في ظل علم القوات اللبنانية وراياتها تحت أنظارنا كلنا ولا داعي لطلب الأدلة. هذا بالإضافة إلى أن تيار المستقبل قدم لنا نواباً إلى البرلمان لا صفة تمثيلية لهم إلا بوصفهم مهربين.

هذا هو لبنان الذي يريد حزب الله أن يحمي النظام فيه بـ"أشفار عيونه"، والذي اتهم أمين عام الحزب الناس فيه عندما قرروا النزول إلى الشارع ضد أهل النظام بأنهم عملاء السفارات. فأي محاولة للتصدي لهذه الجرائم المعلنة والمصورة هي مؤامرة تستهدف النظام الذي يحتضن الحزب ويؤمن له قاعدة سياسية وطائفية للمهمة التي أناطها به الراعي الإقليمي.

والحال أن جميع القوى في لبنان متورطة بتأمين هذه المهمة للحزب، خصومه قبل حلفائه، ذاك أن نظام الاستتباع لا يشتغل من دون ماكينزمات الصراع المذهبي التي يؤمنها للحزب خصومه، فيما يؤمن له حلفاؤه مهمة تفوقه ضمن هذه المنظومة.

ممنوع إسقاط النظام، قالها أمين عام الحزب حسن نصرالله عام 2019، وها نحن نختبر ما عناه الرجل في ذلك الوقت. لكي لا يسقط هذا النظام، علينا أن لا نحاسب مرتكبي انفجار المرفأ، وأن نتهم القاضي بتسييس التحقيق، وعلينا أيضاً أن لا نذهب إلى اتهام تياري "المستقبل" و"التيار الوطني" بالتسبب بكارثة عكار، وآخر ما علينا فعله هو أن نشيح بوجوهنا عن صورة عصام خليفة بمجالس الحزب الكربلائية. وكنا توهمنا أن الاستفراد بابراهيم الصقر ممكناً في ظل الخصومة بين حزبه وبين حزب الله، إلا أن ذلك يجب أن يحصل من دون التسبب بتعطيل محرك السلطة الذي يحتاج إلى الخصوم لكي يشتغل.

لكن الاهتراء وصل على ما يبدو إلى أماكن لم يعد ممكناً معها ضبط الانهيارات. فوزير الصحة، وهو من وزراء حزب الله، ارتكب خطأ سببه هذا الاهتراء، ذاك أنه توجه إلى مخازن أدوية تعود لرفيق درب له. والفضيحة الأكبر من فضيحة كشف مخزن الأدوية، تمثلت بالفيديو الذي حاول فيه الوزير التراجع عن اتهام الحاج عصام خليفة. أمام اللبنانيين شريطي فيديو الأول للوزير في مخزن الأدوية ويتهم فيه خليفة بأنه محتكر ومتسبب بموت الناس، والثاني يقول فيه حرفياً أن خليفة محتكر ولكن قليلاً وليس كثيراً. 

الغريب هنا هو أن المهربين أقوى من أحزابهم، ذاك أن حزب الله كان بإمكانه تجنب الفضيحة عبر التخلي عن الحاج المحتكر وأن يطلب محاسبته، وبهذا يكون قد خفف من خسائره، كذلك الأمر بالنسبة لحزب القوات اللبنانية. الحزبان اختارا طريقاً أخرى، ويبدو أنهما بصدد خوض معركة الدفاع عن مرتكبيهم، فالنظام لا يحتمل تردداً في خوض معركة مواصلة الفساد.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.