منذ بداية وصوله إلى الحكم كرر السيسي مرات عدة وفي أكثر من مناسبة التأكيد على أهمية تطوير الخطاب الديني - د.توفيق حميد
منذ بداية وصوله إلى الحكم كرر السيسي مرات عدة وفي أكثر من مناسبة التأكيد على أهمية تطوير الخطاب الديني - د.توفيق حميد

قد يظن البعض أني أشكر الرئيس المصري عبد الفتح السيسي في هذا المقال لأنه أنهى معظم العشوائيات في مصر أو لأنه تبنى استراتيجية قضت على فيروس الكبد الوبائي "سي" في مصر، أو لأنه منع الانهيار الاقتصادي أثناء انتشار فيروس كورونا. ولكن، في هذه المقالة، أود أن أشكره على أمر آخر وهام، ألا وهو إصراره الشديد منذ بداية حكمه على تطوير الخطاب الديني أو الروحي كما أطلق عليه قريباً.

فمنذ بداية وصوله إلى الحكم كرر السيسي مرات عدة وفي أكثر من مناسبة التأكيد على أهمية تطوير الخطاب الديني وضرورته لمنع التطرف ولخلق صورة حقيقية عن الإسلام بدلاً من صورته التي اقترنت - بسبب المتطرفين - بالإرهاب والعنف والغلظة والهمجية. 

وبالإضافة إلى ذلك، حدثت مداخلة من الرئيس السيسي لبرنامج "صالة التحرير" على قناة "صدى البلد" مع الإعلامية عزة مصطفى التي كانت تستضيف السيناريست الرائع عبدالرحيم كمال حول مسلسل "القاهرة كابل". 

وفي هذه المداخلة – وهي سبب كتابتي لهذا المقال - قال السيسي بالحرف الواحد "كلنا أتولدنا المسلم مسلم وغير المسلم غير مسلم بالبطاقة، اللي هو ورثها يعني، حد يعرف إن احنا المفروض نعيد صياغة فهمنا للمعتقد اللي احنا مشينا عليه؟ طب كنا صغيرين مش عارفين، طب دلوقتي كبرنا، هل فكرت ولا خايف تفكر؟ خايف تفكر في المعتقد اللي أنت ماشي عليه؟ عندك استعداد تمشي مسيرة بحث في المسار ده حتى تصل للحقيقة؟".

وكما هو متوقع فقد هاجم المتطرفون مضمون تصريحات السيسي بالرغم من أنه يتفق تماماً مع ما جاء به القرآن الكريم.

فلقد أثنى القرآن على ملة إبراهيم والتي وصل فيها خليل الرحمن لله بالعقل والتفكر ولم تكن اتباعاً أعمى للديانة والفكر والعقيدة التي ولد (بضم الواو وكسر اللام) عليها. فقال القرآن في إبراهيم " ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ " (النحل 123) وقال وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ " (البقرة 130) وقال أيضاً "وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" (النساء 125).

وملة إبراهيم كما ذكر القرآن بدأت بالتفكير والشك فيما ولد عليه وفيما قال له آباؤه. فلو اتبع إبراهيم آباءه اتباعاً أعمى وبدون أن "يفكر" – كما قال الرئيس السيسي – لأصبح عابداً للأوثان! 

فالله تعالى عاتب على من يتبعون ملة آبائهم دون تفكير. فكما جاء في الذكر الحكيم: 

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (سورة الزخرف آية 22)

وقال سبحانه:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (سورة البقرة آية 170)

وقال:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (سورة لقمان آية 21)ِ

وقال:
وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (سورة الزخرف 23)
وعتاب القرآن على هذه الأقوام كما جاء في هذه الآيات الكريمة كان عتاباً على مبدأ الإتباع بغير علم سواء كانوا على الحق أم على الباطل. فمن يتبع بغير تفكير ليس له أي أفضلية حتى وإن كان على الحق لأنه إن اتبع نفس المنهج الفكري في الإتباع الأعمى لآبائه لأصبح على الباطل إن كان آباؤه على باطل. فالأمر في إتباع الحق لايمكن أن يكون مجرد حظ أو كما يقول المصريون باللغة العامية "بختك يا أبو بخيت".! 
ومبدأ التقليد الأعمى للسابقين والذي رفضه الرئيس السيسي وطالب الناس أن "يفكروا" يتناقض أيضاً مع مبدأ إعلاء الفكر البشري والذي دعا إليه القرآن الكريم في العديد من الآيات مثل: 
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل 12)
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية13 )
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ – أي اصحاب العقول (طه 54).

وأخيراً وليس آخراً أحب أن أشكر السيسي على موقفه الداعم للفكر والتفكر وهي من أسس ومبادئ القرآن.  

وللحديث بقية! 

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.