هؤلاء ليسوا هم الوحيدون الذين يريدون ترك أفغانستان. هؤلاء فقط هم الذين يسمونهم بالمحظوظين
هؤلاء ليسوا هم الوحيدون الذين يريدون ترك أفغانستان. هؤلاء فقط هم الذين يسمونهم بالمحظوظين

من الصعب الجزم ما إذا كان جميع الذين فروا من مطار كابل فعلوا ذلك خوفا من مسلحي حركة طالبان. من المؤكد أن بينهم من كان يخشى انتقام الحركة، وبينهم من كان يكره توجهاتها العقائدية وفهمها للإسلام، وبينهم من كان قد فقد الأمل في حياة ذات معنى في أفغانستان، وبينهم من وجدها فرصة سانحة للهجرة لأسباب اقتصادية وأراد استغلال النافذة المفتوحة لبدء حياة جديدة في مكان ما من العالم.

وهؤلاء ليسوا هم الوحيدون الذين يريدون ترك أفغانستان. هؤلاء فقط هم الذين يسمونهم بالمحظوظين، أي الذين لديهم جوازات سفر صالحة وتأشيرات دخول وربما وثائق تثبت أحقيتهم في الحصول على اللجوء أو الهجرة وما شابه.

وهؤلاء هم الذين تمكنوا أيضا في نهاية المطاف من الوصول إلى مطار كابل حيث سمحت لهم ميليشيات طالبان بذلك. لكن هناك أضعافهم لا زالوا ينتظرون خارج أسوار المطار من دون أي فرصة لمغادرة البلاد.

وهناك عشرات وربما مئات الآلاف من الأفغان الذين تركوا البلاد في الأسابيع والأشهر الماضية مع بدء انسحاب القوات الدولية، وهؤلاء اتخذوا طريق الهروب التقليدي بعيدا عن وسائل الإعلام، كما يفعل اللاجئون عادة، وهم يتوزعون اليوم في تركيا وإيران وبعض جمهوريات آسيا الوسطى، وجلهم ينتظر فرصة المغادرة إما إلى الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة أو كندا.

وهؤلاء وأولئك ليسوا سوى دفعة من بين دفعات تقذف بهم أفغانستان نحو الخارج منذ أن نكبت بالانقلابات والثورات والجهاد والتمرد الإسلامي المسلح.

وحين يفر الناس من بلد على هذا النحو، فمن المؤكد أن ذلك يدل على شعورهم بأنه لا مستقبل لهم فيه وأن القادم يخبئ الأسوأ، وأنه لا تكفي التطمينات أو الوعود التي تطلق على شاشات التلفزيون لتبديد المخاوف والقلق.

والواقع أنه لم يثبت قط أن تحسنت الأوضاع في أي بلد فر منه سكانه بهذه الأعداد. على العكس من ذلك، السنوات التي تلي عادة ما تثبت صحة حدس هؤلاء. فغالبا ما تسوء الأوضاع ولا تتحسن. وغالبا ما يجد الذين بقوا أنفسهم محاصرين وغير قادرين على تدبير أمورهم ويتطلعون هم أيضا إلى الخروج عند أقرب فرصة. 

والمقصود بتحسن الأوضاع هو قدرة الإنسان على العيش في ظل مستوى مقبول من الحرية والكرامة والحقوق وتأمين الحاجات الأساسية.

لنأخذ إيران مثلا. فمنذ الأيام الأولى لانتصار الثورة ووصول الخميني إلى الحكم، فر مئات آلاف الإيرانيين بجلودهم إلى مختلف القارات وخاصة أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا. هم لم يفعلوا ذلك لأنه كانت لديهم بالضرورة خصومة مباشرة مع النظام الجديد، وإنما لأنهم أدركوا بأن لا مستقبل لهم أو لأبنائهم في ظل هذا النظام.

وقد أثبتت السنوات التي تلت الثورة أن البلاد قد انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة اقتصاديا ومعيشيا، مع انتشار القمع الديني والاضطهاد السياسي والإعدامات، واستمرار العقوبات الاقتصادية والصدام المستمر مع المجتمع الدولي. 

ولو أتيح المجال للإيرانيين اليوم للخروج والهجرة لما تردد الكثيرون منهم في فعل ذلك.

والانحدار الذي حدث في إيران، حدث مثله في العديد من الدول العربية كالعراق ولبنان وسورية، وليبيا، واليمن، وغيرها.

ففي العام الذي قامت فيه الثورة الإيرانية (1979) كانت الهوامش الاقتصادية وكذلك هوامش الأمن والاستقرار في هذه البلدان أفضل بما لا يقارن اليوم. وبالطبع لم يكن الناس يهربون وقتها من هذه البلدان على نحو ما يفعلون اليوم، وإن كان حبل الهجرة لم ينقطع قط.  

لكن تبين أن العالم العربي كان كل عام يقترب درجة نحو الهاوية. ولم يحدث ذلك بسبب الأداء السياسي والمغامرات العسكرية فحسب، ولكن أيضا بسبب التراث الديني والثقافة السائدة وسيطرة الشعارات والسلوكيات المدمرة.

لو أخذنا لبنان على سبيل المثال، فإن الدمار الذي يعيشه لم يبدأ اليوم، ولكن منذ أن قرر أن يكون بلدا "مقاوما"! بدأ ذلك حين استضاف المسلحين الفلسطينيين بعد خروجهم من الأردن، ثم مع إنشاء الميليشيات المسلحة المختلفة، وصولا إلى قيام الحرس الثوري الإيراني بتأسيس حزب الله. هكذا سار لبنان تدريجيا على طريق التسلح والأدلجة والعقائد المبجلة للعنف والجاذبة لكل أشكال الخراب والإفقار.  

وحين يضع بلد نفسه تحت تصرف الميليشيات ومنطقها، فهو بالضرورة يغادر منطق الدولة، التي لن تلبث أن تتآكل، ثم تتحول هياكلها إلى مجرد غطاء لتلك الميليشيات.

وحين يتحول بلد إلى ميليشيا فسوف يعامله العالم على هذا الأساس. لن ينخدع المجتمع الدولي ولا المؤسسات المالية بالصورة المغايرة للواقع التي تحاول أن ترسمها هذه الدولة أو تلك لنفسها. ناهيك عن أنه من الصعب، إن لم يكن من باب الاستحالة، التعامل السياسي أو الاقتصادي الطبيعي مع دولة تسيطر عليها الميليشيات.

ولبنان لا يختلف اليوم عن أفغانستان سوى في الدرجة وليس في النوع (كلا البلدين تسيطر عليه ميليشيا وكلا البلدين يستضيف منظمات إرهابية وكلا البلدين يزرع ويصدر الحشيش والمخدرات وكلا البلدين موصوم بالفساد.. إلخ). 

ورغم تعقيد وضعه فإن لبنان ليس سوى تنويعا للعديد من الدول في المنطقة التي إما أنها فاشلة أو تتجه نحو الفشل (بصورة صريحة أو ضمنية) لذات الأسباب التي ذكرناها. وإذا كان البشر يفرون اليوم من هذه البلدان وحدانا وزرافات، إما عبر البحر أو البر أو الجو، فإن المستقبل للأسف لن يحمل معه سوى المزيد مما يحدث حاليا وعلى نحو مضاعف.  

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.