المآتم الشعبية، ومهما علت قهقهات السياسيين، ستبقى تحتل طرق لبنان
المآتم الشعبية، ومهما علت قهقهات السياسيين، ستبقى تحتل طرق لبنان

منظر الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، وهو يدخل إلى مكتب رئيس الجمهورية ميشال عون ويخرج منه، يثير الضحك هنا، والبكاء هناك، والغثيان هنالك.

لا علاقة لأي نوعية تفاعلية بالرجل نفسه، ولا بوضعية يديه، ولا بدينامية شفتيه، ولا بصياغة عباراته "المتذاكية"، ولا بـ"شطحاته" التأملية.

كل الموضوع أن ميقاتي يريد من اللبنانيين المذهولين والملدوغين أن يصدقوا أنه يعمل مع عون ويناور ويجادل ويفاوض ويضغط ويهول، وفق أحكام الدستور "جزيلة الاحترام" التي يعرف القاصي والداني أنها أصبحت مجرد نادلة في ملهى يضج بـ"بائعات الهوى" و"الغلمان".

قد لا يكون ميقاتي مدركا أنه في وضعية من يؤدي دور شخصية بالغة الجدية في مسرحية هزلية شديدة السواد، فبينما يصدق نفسه أنه يتولى مهمة معقدة جدا، اسمها تشكيل حكومة، يتهاوى كل شيء.

إن الضائقة المعيشية التي يعلن ميقاتي أنه يريد مواجهتها، بحكومة مستعصية على التشكيل منذ أكثر من سنة، ليست أعنف ما يواجهه لبنان، على اعتبار أن هذه الضائقة تبقى، على مأساويتها، عارضا جانبيا لمرض خطير لا يأبه له أحد، اسمه الانهيار الكياني، فوق رؤوس الجميع.

وطالما بقي هذا المرض الذي يضرب العمود الفقري للكيان اللبناني، فإن المآتم الشعبية، ومهما علت قهقهات السياسيين، ستبقى تحتل طرق لبنان ومفارقه وأحيائه ومنازله.

في هذا "الانهيار الكياني"، يبرز رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وهو يرفض، برسالة سياسية، أن يخضع لدعوته من المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، إلى جلسة استجواب.

قد يجادل القانونيون في عدم صحة سلوك دياب، إذ إن رأيه كان يجب تقديمه في دفع شكلي قانوني، وليس في رسالة، ولكن ما يثير الدهشة أن المحقق بيطار رد على تمنع رئيس الحكومة بتسطير مذكرة إحضار بحقه، أي أنه كلف الأجهزة الأمنية الخاضعة لسلطة الحكومة التي تحمي رؤساء هذه الأجهزة من الملاحقة في الملف نفسه، أن تحضر دياب إلى مكتبه مخفورا.

قد يكون دياب يستحق ألف سنة سجن، ولكن بيطار الذي قد يكون محقا في "مطاردة" رئيس الحكومة، لا يتردد في رمي "الحق" على قارعة طريق موحلة لا يتوسلها إلا لصوص هذا الزمن.

إنه مشهد لبناني "سوريالي"، حيث رئيس الحكومة يحتقر القانون والقاضي يفقد الصبر ويتخلى عن الحكمة.

ولا يختلف كثيرا وضع بلاغ البحث والتحري الذي أصدرته مدعي عام جبل لبنان غادة عون ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لمدة شهر.

بلاغ يعني أن على القوى الأمنية أن تلقي القبض على سلامة الذي يتحرك بين القصر الجمهوري والسرايا الحكومي ومكتبه في مصرف لبنان، أينما وجدته، لتودعه بعهدة القاضية عون.

حراس سلامة أنفسهم ينتمون إلى القوى الأمنية هذه، ولواء الحرس الجمهوري وسرية الحرس الحكومي أيضا.

وهذا المشهد المذهل الذي يسمح بطرح السؤال عما إذا كان بقي شيء في الدماغ الوطني اللبناني الرسمي من المادة الرمادية الشهيرة، لا ينتهي هنا، إذ أن غادة عون نفسها، وبقرار من رؤسائها التسلسليين، محظور عليها، متابعة ملفات مثل ملف سلامة، أي أن إجراءها القضائي هو إجراء غير قانوني، يستدعي ملاحقتها.

ولكن القاضية عون لا تعير أي انتباه لآليات السلطة التي تنتمي إليها، فهي تبقى فيها بقرار  من قصر جمهوري يستخدمها، في عملية تصفية حسابات أنتجت، في الواقع، تصفية ما كان قد  تبقى من عافية في البلاد.

وتترك القضاء الذي ينقسم اللبنانيون على تقييم إجراءاته، كل بحسب انتمائه الطائفي أو مصلحته الحزبية، وتتوجه باهتمامك إلى مكافحة وجه من أوجه المافيا اللبنانية: المحتكرين.

تخرج عليك شاشات التلفزة بفيلم رائع كتبه وأخرجه ومثله وزير الصحة حمد حسن، حيث يضع اليد على محتكري الدواء، وهم في وضعية الجرم المشهود.

تحسب، لوهلة وأنت ترى الوزير، وقد تحول إلى كيفين كوستنر في The untouchables ، أنه سوف "يخرب بيوتهم"، فإذا به، بعد أن تغلق  الكاميرات عدساتها، يوصيهم، وكأنه أخ كبير لهم أو مستشار العلاقات العامة لديهم، بأن يخرجوا الأدوية من مخازنها ويبيعوها للناس، و"يا دار ما دخلك شر"، تاركا للجيوش الإلكترونية الخاصة بالأحزاب التي ينتمي إليها "المحتكرون" مهمة إلهاء الرأي العام، في مسابقة: "محتكرك أزعر. محتكري بريء".

وعندما تترك الأفلام "اللبنانويودية" وتمعن النظر في سلوك "حزب الله"، فأنت ترى العجائب. استيراد المازوت من إيران، بعد الدواء والسلاح والعقيدة والأجندة، لا يعود ذا قيمة، إطلاقا، على الرغم من أنه يضرب وظيفة الدولة الناظمة في الصميم، ومع ذلك هناك من يطلق عليهم لقب "رجال" في السلطة، يزعمون، ليلا نهارا، أن هذا الحزب لا يتدخل في شؤون الدولة الداخلية، لا من قريب ولا من بعيد، بل هو يحصر اهتمامه بمهمة "المقاومة".

الطامة الكبرى أن هؤلاء يتوهمون أن هناك فعلا من يصدقهم!

وليس بعيدا من "تعالي حزب الله على التدخل في الشؤون الداخلية"، جمعتني، قبل يومين جلسة بصديقين، حيث جرى بينهما الحوار الآتي:

"*في أحد الأحياء المرموقة في بيروت، شخص واحد يستطيع توفير مادتي المازوت والبنزين له ولجيرانه، بالسعر الرسمي، وعندما يطيب له.

-من هو؟

*إنه إ.ش، ذاك اللبناني الذي أطلق عليه، في زمن السيطرة السورية على لبنان، لقب "حاكم بيروت"، بسبب صلته الوثيقة بالمخابرات السورية عموما ورستم غزالة، خصوصا.

ولكن، من أين يستمد هذا الشخص نفوذه، هذه الأيام؟

*لقد أصبح مقربا جدا من قيادة "حزب الله".

-وأنت كيف تعرف ذلك؟

*لقد ساعدني، أكثر من مرة، مؤخرا".

انتهى الحوار الذي جرى بين الصديقين، بحضوري. وأحدهما من سكان الحي الذي "يِحسن" إليه "حاكم بيروت" سابقا.

صاحب المعلومات كان، وهو يسردها، يحدق فيّ، متأهبا لردة فعلي، لكنه "حصد" صدى.

كيف لا أمتنع عن التفاعل، حيال ما روى، والجميع يعرف أنه في زمن "الانهيار الكياني"، كل شيء ممكن، حتى المستحيل، فيما تعويم رجالات المخابرات السورية، في لبنان، وبالقوة التي كانوا عليها، خصوصا عندما يحتضنهم "حزب الله"، مسألة أصبحت أتفه من أن تثار، فمن بين هؤلاء وزراء ونواب ومدراء عامون وقضاة ورؤساء أجهزة أمنية.

وعلى الرغم من كل ذلك، يريدنا الرئيس نجيب ميقاتي الذي يسهر الليالي على رعاية توزيع الحصص الوزارية بين القوى والأحزاب السياسية المتورطة بالكارثة المأساوية ليشكل منها "حكومة الكفاءات والمستقلين"، أن ننظر إلى دخوله وخروجه من مكتب الرئيس ميشال عون الذي يتبادل وإياه تهم الفساد هنا والتقاعس "التفجيري" هناك، بجدية، فلا نضحك حينا ونبكي حينا آخر ونشعر بالغثيان في كل الأحيان.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.