حوادث عنف مختلفة شهدتها محطات الوقود في لبنان وسط الأزمة
حوادث عنف مختلفة شهدتها محطات الوقود في لبنان وسط الأزمة

الأسبوع الفائت، أقدم مواطن لبناني غاضب على قصف محطة وقود بقذيفة سلاح مضاد للدروع/ RBG/ بعد أن رفضت المحطة تعبئة خزان سيارته بالبنزين. وهو حادث قد يشكل بداية جدية لسلسلة حوادث مماثلة أو أكثر خطورة، بات بالإمكان توقع حدوثها وتكرارها بأساليب مختلفة في ظل أجواء الفوضى التي يعيشها لبنان مع تفاقم أزماته السياسية والاقتصادية والمعيشية والخدماتية الكارثية. 

الملفت في ردود الفعل الشعبية الواسعة التي تفاعلت افتراضياً مع الحادث، هو التهليل له وتأييده بقوة، فضلاً عن سيل من عبارات الثناء والإعجاب بشجاعة الرجل الغاضب الذي وصف بـ"البطل"، واستحقاق أصحاب المحطة لمثل هذا القصاص الذي برر بأنه" عادل" وأنجع أسلوب لردع الاحتكار، كما أشار البعض. 

وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت رافداً مضافاً لسبر الرأي العام من الصعب تجنب ثقل حضورها وسرعة تأثير عدواها، تؤشر في مثل هذا الحادث، إلى بداية انزلاق في بنية المزاج الشعبي العام من حيث تقبله وترحيبه بآليات السلوك العنيف لتحصيل الحقوق الفردية، وتبني النهج المكيافيلي الذي يبرر الوسيلة لأجل الغاية، والاستخفاف بالقانون، بل واحتقار دوره. 

يحيلني الحادث المذكور إلى حوادث عنف شهيرة عرفها التاريخ، نظرت العامة لأصحابها بإعجاب غريب، وتعاملت مع بعض منفذي العمليات الإرهابية أو الإجرامية على أنهم أبطال. منها ما حمله في محتواه الفيلم السينمائي The Highwayman المترجم عربياً تحت عنوان "قطاع الطرق"  2019 لمخرجه جون لي هانكوك ونجميه كيفن كوستنر وودي هاريلسون، والذي يعيد إحياء قصة المجرمين الشهيرين "بوني وكلايد" من زاوية مختلفة.

"بوني وكلايد"، زوجان أميركيان اشتهرا في الثلاثينيات من القرن الماضي بجرائهما التي روعت جنوب الغرب الأميركي، وهما زوجان شابان خارجان عن القانون، سارقان ومجرمان، أو كما يطلق على أمثالهما أثناء فترة الكساد الكبير "أعداء المجتمع". عرفا بسرقتهما للبنوك والمتاجر الصغيرة ومحطات الوقود الريفية، وقُتلا في مايو 1934 في كمين نفذته الشرطة بالقرب من لويزيانا. 

ورغم ما تقدم عن سيرتهما غير العطرة، إلا أنهما تحولا بنظر العامة إلى بطلين. وهي نظرة ساهمت بتعزيزها المبالغات التي حملتها القصص الشفوية عنهما، وأيضاً أخبار الصحافة، ثم الفيلم المنتج عن قصتهما 1967، والذي منحهما المزيد من الهالة البطولية والرومانسية لما قاما به من جرائم وسرقات.

لتغيير هذه الصورة، حرصت الرؤية الجديدة لفيلم "قطاع الطرق" على تجنب تأثير ظهورهما المباشر وتركهما في خلفية الحدث كشبحين غامضين، تتمحور حولهما الخطوط الدرامية الأكثر أهمية في الرؤية الجديدة، والتي تركز على خلفيات الأبطال الحقيقين من رجال القانون الذين  تفانوا للإيقاع بهما .

تجري أحداث الفيلم في واحدة من مراحل التحول التاريخي المفصلية والهامة التي شهدتها البلاد في الثلاثينيات، وبسبب الفشل الذي منيت به المحاولات المتكررة للشرطة للإيقاع بالزوجين المجرمين، يتم الاستعانة برجلي قانون ينتميان إلى زمن "الكاو بوي" من متصيدي المجرمين.

بحيث يتداخل الزمنان، الماضي العريق بخيله وخيّاليه وسعة خبرتهم بالطرقات ومعرفتهم بالحيل التي يلجأ إليها الخارجون عن القانون للتخفي، مع الزمن المعاصر بأدواته الحديثة وسياراته والراديو وأجهزة التنصت عبر الهواتف، ليتآلفا معاَ في الهدف والمبادىء السامية التي أسس عليها دستور البلاد، ويؤكدا أن تبدل الزمن وتحولات المجتمع لاتعني القطيعة، بل الاستمرار لفرض هيبة القانون الذي يجب أن يسود فوق الجميع.

سيتوقف المشاهد مندهشاً، كما توقف أبطال الفيلم بالدهشة ذاتها أمام المشاهد التي تظهر إعجاب العامة بالمجرمين كبطلين، وحماية المجتمع لهما، أضف إلى المشهد الأخير المدعم بالوثيقة التاريخية المصورة التي تظهر الحشود وهي تذرف الدموع لمقتلهما وتنتحب، وتتدافع للاحتفاظ بأي أثر مادي منهما، وهما يعبران داخل سيارتهما التي تلقت وابلاً من الرصاص، ويتساءل: ما السرّ!؟ 

هل الفقر الذي كان السبب الرئيس لتحولهما إلى مجرمين منحهما هذا المبرر والتعاطف الشعبي منقطع النظير؟ أم لأن سرقة المصارف ونجاحهما المستمر في الهروب أضفت عليهما صفة الشجاعة مع تواطؤ العامة الضمني " بتحليل" سرقة المصارف والرغبة في الانتقام منها بسبب اتهام المصارف المستمر بالجشع عبر التاريخ؟

في محاولة صعبة لفهم إعجاب العامة بالأشرار واعتبار أفعالهم ضربا من ضروب البطولة، قد يكون التحليل الأدق هو تلك الرغبة الدفينة في التشفي من الحكومة/السلطة، إذ يتحول كل فعل يتسبب بضرر أو يؤذي الحكومة أو ممثليها أو وكلائها أو كل ما يمت لها بصلة، مصدر سعادة وتشفٍ من قبل العامة وينفس غضبها الكامن والمتراكم، وكل من يتجرأ على الدولة، أو على وسطائها المحميين منها، يتحول إلى بطل شجاع.

في حادثة قصف محطة الوقود من قبل المواطن اللبناني الغاضب، قد يبدو التفسير الوحيد للإعجاب " بشجاعته وبطولته" أنه "فش خلقهم"  ونفذ عملياً رغبات كامنة لدى فئات عريضة في المجتمع بالانتقام مما يحدث إثر تراكم القهر والمعاناة التي وجدوا أنفسهم بها بين ليلة وضحاها، فتماهوا مع غضبه الذي عبر عن غضبهم المماثل في فعل لم يتمكنوا من القيام به بأنفسهم، وتطوع أحد الغاضبين بتنفيذه.

ولكن، ورغم تفهم الدوافع وكل أسباب الغضب، من المهم أن تصنف هذه المشاعر والرغبات العامة بالسلبية، وخلل مرحلي في محاكمة الأمور، استناداً إلى تفهم خلفياتها التي تفترض أن لا تحدث في المجتمعات إلا في الأوقات العصيبة والمرتبكة والمتحولة التي تشهد تغييرات عميقة، كمثل أحوال المجتمع الأميركي إبان الكساد الكبير، وكمثل الضغوطات الهائلة التي يشهدها المجتمع اللبناني اليوم، وأشباهه. 

إيقافها، يتوقف على إعادة تفعيل القانون وفرض هيبته بقوة، أو الانزلاق التام نحو الهاوية أخلاقياً، وهو أخطر ماقد تمر به المجتمعات البشرية. وفي الحالة اللبنانية، وأشباهها من الدول التي تعيش مآزق مماثلة، القانون غائب أو مغيب، واختلط اللصوص بين السلطة والعامة، وساد أعداء المجتمع على جميع المستويات السياسية والشعبية،  والرهان الوحيد، على ماتبقى من وعي لدى البعض، وهو في حقيقة الأمر المؤسفة، رهان  ضعيف للغاية، أو فلنقل غير ذي تأثير.      

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.