وادي فرغانة
في نهاية تسعينيات القرن الماضي تكودرت الحركات الجهادية المسلحة في جمهوريات آسيا الوسطى، وكان وادي فرغانة قاعدة إعدادها وانطلاقها

كان ما سوف يكون، ومن تفاجأ بسرعة الاعتداء الإرهابي على مطار كابل خانته الذاكرة وأخطأ في تقديرالموقف، ومن ظنوا أنه سيتأخر في الإعلان السريع عن عودته، أخطأوا أيضا في قراءة الجغرافيا أولا، بالرغم من أنها ثابتة وواضحة ومتصلة من وادي فرغانة إلى كابل ومتصلة بحدود تصل إلى قرابة 2200 كلم بين أفغانستان وثلاثة من جمهوريات في آسيا الوسطى (قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان) التي تتشارك حدوديا في وادي فرغانة الشهير، الذي حاول الدكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين ضرب تجانسه الإثني ضمن سياسات ضرب القوميات في الفضاء الإسلامي جنوب روسيا.

ما كان ليس إلا إعلانا  أن ضوابط الإمارة الجديدة ليست بيد من أوكلت إليهم، وبأنهم ليسوا متماسكين ولا ممسوكين، وما تناقضاتهم إلا مساحات عقائدية وجغرافية وسياسية ومخابراتية ستستخدمها جهات إقليمية ودولية في لعبة أشبه باللعبة الكبرى على حدود الصين وروسيا وإيران وباكستان، حيث تتناقض التحالفات وتُعقد المصالح، فلا الموانع الأيدولوجية ولا المواقف السياسية ستمنع تغيير التحالفات وتبادل الخدمات.

في نهاية تسعينيات القرن الماضي تكودرت الحركات الجهادية المسلحة في جمهوريات آسيا الوسطى، وكان وادي فرغانة قاعدة إعدادها وانطلاقها، مستفيدة من البيئات الحليفة في أفغانستان وباكستان، التي شكلت لها محطة أساسية في حركتها من جمهوريات آسيا الوسطى وصولا إلى مناطق شمال القوقاز الروسية، فمرونة الحركة التي تمتعت بها هذه الحركات الجهادية الراديكالية الآسيوية مكنتها من القيام بنشاطات أمنية وعسكرية ضد حكومات آسيا الوسطى، واستهداف مصالح حيوية روسية وغربية، ما دفع إلى مواجهة شرسة معها وتعرضها لعملية تفكيك وحصار أدت إلى تراجعها وغيابها عن المشهد، خصوصا بعد احتلال أفغانستان والتدخل الأميركي المباشر في آسيا الوسطى.

بعد سنوات من العمل السري وإعادة التجميع، عادت جماعة خراسان لتبرز من جديد في سوريا في ظل تنظيم داعش، وتعرضت لهجمات أميركية عدة كان أبرزها سنة 2015 حيث قتل في الغارة قادة من الصف الأول في جناحها العسكري، وقد عُرفت هذه الجماعة بشراستها وممارستها عنفا قد يفوق ما شهده العالم على يد تنظيم داعش.

الأزمة المقبلة التي ستظهر مع هذا التنظيم هي المقاربات العقائدية والسياسية لقادته المتأثرين جدا بطبيعة مناطقهم التي أتوا منها، وهذا ما سيفتح العالم على نمط جهادي جديد سيُعرف بالجهاد الآسيوي، الذي سيعمل ضمن معادلة تجمع ما بين الحركة التكتيكة لتنظيم القاعدة التي كانت أشبه بحركة ثورية جهادية عالمية متنقلة، وبين البحث عن حاضنة عقائدية كدولة داعش، وهذا سيكون متوفرا ما بين باكستان وأفغانستان حتى لو عارضت حركة طالبان ذلك .

الجهاد الآسيوي الراديكالي الذي قدم نفسه باسم داعش خراسان أعلن قراره السريع ملء الفراغ الجهادي الذي قد تتركه حركة طالبان في هذه الفترة نتيجة التعهدات الدولية بعد تسلمها الحكم، وهو أصر أن يظهر بهذا المظهر العنفي وتجاوز التزامات طالبان حتى يحرر نفسه من تعهداتها ويستفيد من صراع تياراتها خصوصا تلك التي ترفض الارتباط بفكرة الإمارة وتنحو نحو العمل الحركي غير المرتبط بجغرافيا محددة.

من هنا يبدو أن صراع الخيارات داخل طالبان، إضافة إلى خراسان بشقيها القاعدي والداعشي يعزز الاعتقاد أن تسمية التنظيم أو "التنظيمين" ستعطيه مساحة جغرافية واسعة للعمل، مسندة إلى ظهير ثابت في إمارة طالبان، لكنه سيستفيد من تجربة ما كان يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في اختراق الحدود والعمل المفتوح في مساحة التسمية حيث الأرض الخصبة والمؤهلة، نتيجة فشل تجربة الحكم الوطني تحت شعار علمانية الدولة أو "أنظمة الحكم غير المعرَّفة" التي أظهرت اهتمامها بالهوية الإسلامية لشعوب آسيا الوسطى لكنها فشلت في بناء مجتمعات وطنية بسبب الفساد والاستبداد في واحدة من أسوأ التجارب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

وبناء عليه، سيؤرق تنظيم خراسان جمهوريات آسيا الوسطى ومصالح الدول الكبرى خصوصا الصين وروسيا، وستتحول إلى جاذب جديد للجهاديين الذين ينتظرون فرصة لإعادة التجمع في بيئة آمنة والانتقام من دول شاركت في تعقبهم وقمعهم، لذلك فإن ممرات طريق الحرير وطرقها وخطوط الطاقة والنقل وسكك الحديد والتبادل التجاري من الصين وإليها عبر آسيا الوسطى وروسيا وباكستان وإيران وتحديدا مساحة ما كان يعرف تاريخيا بخراسان الكبرى التي تضم أجزاء من إيران وباكستان وأفغانستان وأوزبكستان وتركمنستان وطاجيكستان ستتحول إلى بؤر نزاع متنقل وعدم استقرار تستنزف كل جهة أو دولة دفعت واشنطن إلى ارتكاب جريمة  الانسحاب من أفغانستان.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.