مظاهرة لمرضى السرطان في لبنان بسبب نقص الأدوية
مظاهرة لمرضى السرطان في لبنان بسبب نقص الأدوية

لبنان بلد المساواة المطلقة!! لا تصدقوني! استمعوا إذن الى الشكاوى المتطايرة من أفواه جميع اللبنانيين من كل حدب وصوب. صحيح أن المواطن يشكو ويعاني، لكن المسؤول يفوقه معاناة، بل إن صوته أعلى في المباراة. رئيس الجمهورية نفسه يتمنى لو أن الاوضاع تتحسن ويشكو الفساد والهدر وتأخير تأليف الحكومات، بالجملة طبعاً، مثله مثل المواطن العاجز وأكثر.  

الوزراء والنواب ورئيس المجلس ، الأزلي هو نفسه، يشكون. المسؤولون من قضاة ومصرفيين وعسكر وإداريين يشكون. حتى المرشد الأعلى للجمهورية، صار يتنافس معهم بالشكوى مما يحصل في البلد. وهو من شدة تأثره ومعاناته مما يعيشه المواطنون الذين افتقدوا كل مقومات الوجود، فباتوا يصطفون في الطوابير بحثاً عن غالون بنزين أو مازوت ورغيف خبز وحتى الماء، ناهيك عن حبة دواء، كالتي صودرت من مخزن الحاج الورع عصام خليفة في العاقبية، وشريك أخو النائب الحزباللوي فنيش وهما من فعاليات حزب الله (لذا وجد له الوزير العذر فمعه ترخيص!!). 

أمام كل ذلك قرّر السيد العطوف أن يبلّ يده للمساعدة؛ فجاهر بأنه سيستورد باخرة "لبنانية" ستشق عباب السبع بحور، على بساط السندباد، وتأتينا بأكسير الحياة. وبغض النظر عن قدرتها على الوصول فعلاً لا قولاً الى ربوعنا العامرة، تفيد التقديرات ان لبنان يستورد سنوياً حوالي 360 باخرة نفط، أقل أو أكثر. لذا عندما تثار ضجة لاستقدام باخرة واحدة او اثنتان كحل لمعضلة الوقود - التي تتسبب بها متلازمتا الدعم والتهريب، وسوء الإدارة، وليس استحالة الشراء - لن نستطيع سوى الظن ان هاتين الباخرتين سحريتين على غرار "القدر السحرية"، الحكاية التي كنت أقصّها لأولادي صغاراً. وهي قِدْر أعطتها عجوز لفتاة صغيرة تبكي جوعاً في الغابة. تلفظ جملة معينة  فتطبخ لها القدر السحرية مهلبية لذيذة. جربت الأم بغياب البنت أن تستخدم القدر وحصلت على المهلبية لكنها نسيت الكلمات السحرية لتوقيفها عن الطبخ. فغرقت البلدة جميعها بالمهلبية ولم تنج الا عندما عادت البنت واوقفت القدر عن الطبخ بكلماتها.  

خوفنا اليوم أن تغرقنا باخرة السيد السحرية بمخاطر وتحديات تفوق فائدتها، فهذه الباخرة ستشكل تحدياً وامتحاناً للأميركيين (شجعهم عليها انسحاب اميركا من أفغانستان) وللإسرائيليين بعد تعثر بروفة الصواريخ، وكسراً لقوانين العقوبات على إيران للضغط باتجاه مباحثات فيينا.  

على الصعيد  اللبناني، تشكل ذريعة الواجب الإنساني هذه عقبة إضافية لمهمة تشكيل حكومة، لأن الرئيس المكلف لن يناسبه، كرجل اعمال صاحب مليارات، أن تكون باكورة اعماله مخالفة القرارات الدولية. خصوصاً بعد بيان الخارجية الايرانية الذي أتحفنا بتعاطفه مع الشعب اللبناني، وسيسرّه بيع نفطه للبنان (وكأنهم فضّلونا على طابور الانتظار المزدحم لشراء نفطهم!!) لكنه اشترط ان تطلب الحكومة ذلك!! كأنه بذلك ينسحب من المبارزة!! 

سألت سيدة على الفايسبوك صاحب المكان والزمان: "جبت من إيران علبنان مئة ألف صاروخ بالسرّ. عم تهرّب عا سوريا ملايين الليترات من المحروقات كمان بالسرّ. ليش بس البنزين والمازوت الإيراني بدك تجيبن بالعلن وعامل كل هالطوشة؟؟؟ كنت أعتبرن سلاح إقتصادي وجيبن بالسرّ، ويا دار ما دخلك شرّ...!!! الطوشة إنعملت حتى تقول حاولنا وما خلونا الإسرائيلي و الأمريكاني". 

لا يمكن إلا ان نفهم ان وظيفة هذه الباخرة خدمة إيران في لعبها على الحافة مع الشيطانين الأكبر والأصغر، ومحاولة لفك الحصار عن الحزب. 

وإلا لماذا استقدام الباخرة الان؟  

هل بسبب ضغط البيئة الحاضنة ومعاناتها كباقي خلق الله!! أبداً، يتحفنا هنا بعض الإعلاميين الناطقين باسم الثنائية الشيعية، ان البيئة تعاني طبعاً لكنها لا تضغط على الحزب ومرشده، وصحيح أن حادثة علي النهري حصلت، لكن الفيديو المسّرب للشبيبة المتظاهرين امام منزل النائب علي عمار مزوّر وغير صحيح. 

لنفرض ان الحزب سمن على عسل مع بيئته ، مم يشكو استيراد النفط من العراق؟ ما الذي يقصده من استيراد باخرة رفع عتب لن تسند خابية أزمة الوقود؟ أليس المزيد من مصادرة قرار اللبنانيين وسيادتهم، أو ربما الدخول الى عالم تجارة النفط؟  

لكن دعنا من كل ذلك فأنا لست خبيرة في شؤون التجارة ولا الاقتصاد. 

ما أقصده هنا هو سؤال المواطنين، والثوار المكتفين بمحاربة الفساد وشيطنة رياض سلامة وممثلي النقابات والتجار، على شاكلة موزعي ومحتكري الادوية والمازوت وأصحاب المولدات والصيدليات والمخابز ومحطات الوقود والسوبرماركت، ومن تشاؤون من جشعين ومصاصي دماء ومعدومي الضمير.   

السؤال الأساسي، ألم يكونوا دائماً موجودين بيننا باحتكارهم ونذالة بعضهم و و و ، فما الذي سمح ويسمح لهم بممارسة فجورهم الحالي؟ أليس انفراط المؤسسات وعدم الثقة بالقضاء والبقاء دون حكومة، إضافة إلى أنهم محميين من حزب الله وباقي الأحزاب والسياسيين!! هل رأينا أحدهم في السجن بعد استعراضات الدهم؟ 

هل تقوم مديرية النفط بدورها الرقابي والتنظيمي للمحطات؟ 

يظل السؤال، لو أدخلناهم السجن، هل سنحصل على حكومة؟ كهرباء؟ دواء؟ هل يتوقف التهريب؟ هل ستسعيد الليرة قدرتها الشرائية فتنخفض اسعار السلع والخدمات؟ هل سيستعيد المودع ماله؟ هل سيقبل صندوق النقد البدء ببرنامج مساعداته؟ 

الجواب كلا. وحده تأليف حكومة تفي بشروط المجتمع الدولي، التي تتفق مع مطالب الثورة التي يتهمها نصرالله بالعمالة لأميركا وتهديد السلم الأهلي الذي يسهر عليه ليلاً نهاراً.  

أما إذا ظل الاصرار على التعطيل قائما، يصبح لزاماً على من جاء به العمل على إقالته لرفع الغطاء عن الحزب الذي فرضه رئيساً ليغطي احتلاله للدولة.  

سمعت من سيدة في إحدى وسائل النقل العام، ان البائع طلب منها 450 الف ليرة ثمناً لقارورة الغاز - كانت بعشرين ألف ليرة من قبل والآن ب 100 الف ليرة- وانها ستخبز على الكرتون والورق وما تلمّه من الزبالة كما في أيام الحرب عندما كانوا أطفالاً ترسلهم الأم للبحث عن ما تشعل به النار على موقد أقيم من حجرين.  

أعرف ان اللبناني تعرّض لما لم يعرفه شعب منذ العام 1975 حتى الآن، وأنه تكيّف وتأقلم ودبّر حاله وأعاد إعمار ما تهدّم مراراً وتكراراً.  

لكن كفى، كفانا تكيّفاً وتأقلماً فائض عن اللزوم. إذا كان لدينا عذر للتأقلم في الحروب العسكرية، فما عذرنا الآن مع الحروب الوجودية التي يشنها علينا أهل النظام متكاتفين متعاضدين؟ لماذا تقبلون رئيساً يجدد الذرائع لمنع تأليف حكومة فوراً يقبلها المجتمع الدولي الذي نشحذ منه المساعدة على طريقة "شحاذ ومشارط"؟ 

كفى خوفاً من تسمية الأشياء بأسمائها؟ جميعكم يهمس ان مشكلتنا حزب الله وسلاحه وهيمنته وحمايته لفرقة الحرامية التي تتفنن بسرقتنا؟ وإذا كان عذر الشيعي، الملتصق بالحزب أنه يستفيد منه، والماروني لا يريد ان يمس بقداسة رئاسة الجمهورية، فما ذريعة وحجة المسيحي من الطوائف الاخرى والدرزي والسني؟ 

إن صمتكم وخوفكم والاكتفاء بتوجيه أصابعكم الى أطراف المشكلة ونتاجها، اي المحتكرين الوسطاء، دون التصويب على المسؤولين فعلاً عن مصائبنا، والمحميين من الحزب الإلهي، سيطيل أمد الموت البطيء. 

لا تستلموا فتنهزمون من الداخل. اذا كانت السلطة الحاكمة تسعى إلى كسرنا لتغيير وجه لبنان، فعلينا نحن يتوقف نجاحها أو إخفاقها. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.